العراق بين مشروع دولة المقاومة ومقاومة الدولة

د. حميد مسلم الطرفي

في العراق اليوم يبدو المشهد السياسي معقداً ، تتداخل فيه الأجندات الخارجية والداخلية وتتعدد فيه الرؤى وتتجاذب وتتنافر فيه الكتل السياسية مدفوعةً بالقناعات أحياناً ، وبالتأثيرات الخارجية أحياناً أخرى ، وبالمصالح الآنية الفئوية أو المكوناتية حيناً ثالثاً . وأكثر ما يبدو هذا التعقيد بشكل الدولة ومؤسساتها ومرافقها العامة وماذا يريد صاحب القرار أن تكون ؟ بإمكان المراقب أن يحصر تلك الرؤى بثلاثة مشاريع مختلفة اثنين منها لا تجاهر برؤاها أمام الرأي العام لأسباب مختلفة منها أن بعض الكتل تدرك أن المجاهرة بمشروعها سيقابل بالرفض من الرأي العام وكتل أخرى تدرك أن الإعلان عن مشروعها سيدفع كتلاً أخرى للإطاحة بها قبل أن تصل إلى تحقيق أهدافها . يقوم المشروع الأول على فرضية أن بقاء الدولة العراقية دولة لا مركزية ضعيفة سيسمح بفراغ تتسلل منه بناء قوة مقاومة مسلحة تتغول يوماً بعد يوم لتفرض أجندتها على مجمل مؤسسات الدولة وتقيد صاحب القرار وتحبط أي محاولة لاصطفاف القوات المسلحة العراقية وطبقة من السياسيين مع المحور الامريكي ويندفع هذا المشروع بدوافع يراها أصحابه بأنها وطنية وشرعية تتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية ومحاربة الارهاب التكفيري ومعاداة الامبريالية الامريكية ومناصرة الشعوب المستضعفة كالشعب اليمني والبحريني والوقوف مع الجمهورية الاسلامية في نزاعها مع امريكا . هذا المشروع وجد طريقه بعد فتوى الجهاد الكفائي وانبثاق الحشد الشعبي والانتصار على داعش وهو يرى أن قيام حكومة مركزية قوية يديرها هو أمر لا يمكن تحقيقه في الظروف الحالية لذا فإن المقاربة مع وضع الدولة اللبنانية هو الخيار الأنسب تحت عنوان المعادلة المشهورة ( جيش شعب مقاومة ) ، هذا لمشروع استطاع حتى الآن أن ينفذ الى الكثير من مفاصل الدولة العراقية وله نسبة تمثيل برلماني معتد بها شكلت قائمة الفتح التي يقودها السيد العامري رأس الحربة فيه . يتعاطف مع هذا المشروع الأخوة الكرد فيما يخص الدولة الضعيفة مستفيدين من حالة الضعف والفراغ الذي يحدثه للتمتع بمزيد من الحقوق والامتيازات .

المشروع الثاني هم دعاة الدولة المركزية القوية ، دولة يسودها القانون وتحصر السلاح بيدها وتتخذ قراراتها بقدر من الاستقلال وترعى مصالح العراق قبل غيره تضرب بيد من حديد على كل الفاسدين والخارجين عن القانون وتفرض هيبتها على مواطنيها وبين الدول الاقليمية والعالمية ، تمنع الانفلات الأمني وتمنع تشويه الديمقراطية وتحفظ حقوق جميع مواطنيها وترى ذلك مشروعاً وطنياً وشرعياً وعقلانياً لا يعارضه ويخالفه إلا من لديه مآرب قصيرة النظر . هذا المشروع تدعمه المرجعية العليا في العراق وتنادي به منذ عام 2003م حتى بُحّ صوتها ، فهي تنادي ليل نهار لأن يتصدى للأمر في العراق قائد شجاع جرئ حازم حاسم يضرب بقوة ويفرض هيبة الدولة . يقف خلف هذا المشروع عدد من الشخصيات الوطنية ، ويحظى بقبول واسع لدى الرأي العام ، لكنه يبدو في ضوء المعطيات على الأرض مشروعاً طوباوياً مثالياً يفتقر إلى الكثير من الأدوات لتفعيله وإنجاحه ، فما حصل في العراق ليس ثورةً شعبية أطاحت بصدام وزبانيته ، بل كان هناك احتلال أمريكي شامل للعراق ، منذ 2003 وحتى 31/12/2011 ولازال هناك أكثر من خمسة آلاف جندي امريكي . احتلال مزق البلد وخلق صراعات دموية أفقدت الكثير من النخب بوصلتها الحقيقية . يحاول أصحاب هذا المشروع أن يعلنوا بين الحين والآخر عن وعود لبسط القانون وحصر السلاح بيد الدولة ولكنهم يصطدمون بتعقيدات واقعية تجبرهم على التراجع . يخوض أصحاب هذا المشروع صراعاً خفياً مع أصحاب المشروع الأول لكنه حتى الآن لم يظهر للعلن ، والتهمة الموجهة لأصحاب هذا المشروع أنهم يريدون تحجيم فصائل الحشد والمقاومة لحساب أمريكا وحلفائها وهي تهمة ينفيها أصحاب هذا المشروع ولكنهم يدافعون عن ذلك بأن مصلحة العراق قد تتطلب إبقاء علاقة مقبولة مع امريكا وليس من المفيد معاداتها . الغريب في الأمر أن كل الكتل تنادي بهذا المشروع ولكنها في واقع الحال تخالفه فحين يطلب منها حل قواها المسلحة تفرض شروطاً تعجيزية ، وحن يطلب منها مساندة رئيس الوزراء بضرب الفاسدين تحاول التملص بتبريرات أقلها أن رئيس الوزراء ليس عادلاً في استهداف الفاسدين .

أما المشروع الثالث وهو أخطر المشاريع على الدولة العراقية ومستقبلها فهو مشروع ايقاع الفتنة بين المشروعين وجعلهما يقتتلان لنشر الفوضى ( الخلاقة) في العراق اسوةً بليبيا وسوريا واليمن ، وهو مشروع تمده اسرائيل بشكل خفي وتنفخ فيه بعض دول الخليج ، عبر ماكنات اعلامية ضخمة ، تزرع اليأس والإحباط في نفوس المواطنين وتجيشهم ضد الدولة بحجة الخدمات وترديها والفساد وآثاره ولكن دون أن يكون ذلك ببديل واقعي قد تهيأ لاستلام زمام الأمور وإقامة دولة بمرتكزات ثابتة ، تقويض ما تبقى من النظام وهدّه بلا بدائل ، وذلك يعني الفوضى والاقتتال الداخلي . لتدمير ما تبقى من الدولة ومؤسساتها ، ومرافقها الحيوية ، واستنزاف بحبوحة الموارد التي تتمتع الدولة حالياً من صادراتها النفطية ، وللأسف ينجر لهذا المشروع كتل سياسية من دون قصد ، فهي تندفع لذلك المشروع بنية ركوب موجة المعارضة ولكنها لا تعلم أن انهيار السقف سيوقعه على الجميع ، وأن مسك الأمور بعد فلتانها يصعب على دولة مثل العراق لا يزال النظام السياسي فيها هشاً وضعيفاً وإن الذهاب لمستنقع الفوضى لا ينفع الوطن ولا الوطنيين .

تتصارع هذه المشاريع الثلاثة مع بعضها البعض ولكن المشروع الأول هو من يتقدم ويحقق خطوات مهمة في مؤسسات الدولة ومرافقها باتجاه فرض واقع الحال ، في حين لم ييأس المشروع الثالث من تحقيق أهدافه ولازال يراهن أن أزمةً ستنفجر في يومٍ ما ستؤدي إلى حصول الفوضى والنزاع المسلح بين الأطراف ، ويبقى أصحاب مشروع الدولة القوية يراوحون مكانهم ما لم يبرز في المشهد السياسي القائد الشجاع الحاسم الجريء الدي يتمتع بكارزما القيادة تعضده الأغلبية الشعبية والمرجعية الدينية وتمثيل نيابي معتد به وحتى ذلك الحين تبقى المناكفات السياسية سيدة المشهد .

كاتب واكاديمي عراقي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. المخلص يقدم أعماله …أما السارقون..فيقدمون (نظريات) ويبررون فشلهم .. بعد أن قدمت امريكا لكم خزائن العراق ..ازدادت اوزانكم وزاد الفقر والجوع والحرمان في العراق ..انتم كسابقكم صدام حسين كان يقول ما لا يفعل…يتكلم ويتكلم ويبرر ويبرر…
    والنتيجة أن خزائن العراق فارغة …انتم تزورون إيران دوما ..فهل شوارع بغداد مثل أدنى شارع في طهران؟….
    البعث والدعوة والحكمة وبقية الجوقة …كلكم سيان …وستسقطون ..لان سنة الله أن يسقط الظالمون ….
    الحمد لله الذي فضحكم وكشفكم …حسبي الله منكم ونعم الوكيل وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون..

  2. العراق مستعمرة ايرانية و القرار العراقي بيد طهران ،، وللاسف بعض العراقيين يؤيدون الاحتلال الايراني للعراق و يصفقون للفرس

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here