العدل أساس الملك.. كيف؟ إنّ الله لَينصر الدولة اللادينية العلمانية والملحدة إذا كانت عادلة وإنّ الله لَيخذل الدولة الدينية والمسلمة إذا كانت ظالمة

ali-alheali-ok-new)

أ.د. علي الهيل

…و بالمثل فإن الله يوفق المرءَ العادل سليم النية بصرف النظر عن دينه أو معتقده فكم من ملحد و علماني ناجح في حياته لأنه منصف و منظم و يحب البشر و سائر الكائنات.  بالقياس نقول:  إن الله يقيم الدولة اللادينية؛ الملحدة أو العلمانية أو الليبرالية أو الشيوعية أو الكافرة (في نظر المسلمين) إذا كانت عادلة و تحترم جميع البشر على أراضيها و تطبق عليهم جميعاً دولة القانون و المؤسسات و لا تكون إنتقائية في تعاملها مع الشعب.  بالقياس أيضاً فإن الله لا يقيم الدولة الدينية المسلمة إذا كانت ظالمة إنتقائية في تعاملها مع مواطنيها و مع من يعيشون على أرضها.

هذا ناموس من نواميس الله في خلقه.  جوامو كومي مواطن أمريكي أسود تم سجنه في أمريكا و هو ذو سبعة عشر عاماً لاتهامه بجريمة قتل لم يقترفها.  فقط لأنه أسود و الصور النمطية عن السود أنهم قتلة و لصوص.  بعد ٤٠ عاماً تم اكتشاف أدلة جديدة على أنه ليس القاتل.  تم الإفراج عنه و قد بلغ ال٥٧ سنةً من عمره.  في المحكمة طلبت منه القاضية و هي مواطنة بيضاء ماذا يطلب من المحكمة لتعويضه عن سني عمره التي ضاعت في السجن للأسباب الخاطئة مطلقاً.  فوجئت القاضية و أفراد طاقمها أنه لم يطلب شيئاً خاصاً به.  بل طلب من القاضية أن يتم النظر في القوانين التي قضت عليه بالسَّجن ٤٠ عاماً من غير أي ذنب اقترفه.  لم يكن من القاضية البيضاء إلا أنْ نزلت من منصتها و هي متأثرة بكلام جوامو كومي و عيناها تذرفان بالدمع و أخذت تحتضنه و تقبله.

على الفور بدأت اللجان المعنية في الكونجرس بتنفيذ كلام جوامو كومي و قامت بعد عمل شاق بتغيير القوانين التي قضت على حياة مواطن أمريكي كان يمكن أن تنتفع به أمريكا خارج قضبان السجن  لا أن يتم سجنه ظلماً و زوراً و بهتانا فقط لأن المواطن الأسود عليه الصور النمطية و القاضي الذي حكم عليه قبل ٤٠ سنة و نيف لم ينظر إلى جوامو كومي من خلال العين القانونية بقدر ما نظر إليه من خلال تلك الصور النمطية التي يتم لصقها بالمواطنين السود.

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق (باراك أوباما) و زوجته و ابنتاهما زارا جوامو كومي في بيته المتواضع و أخذاه إلى البيت الأبيض و تعشا معه بعَشاء طهته زوجة الرئيس.  هلاّ يتعلم العالم الذي يدعي قربه من الله و أنه مسلم و مؤمن من درس الدولة المدنية العلمانية رغم كل تحفظنا على سياساتها المعادية تجاه العرب و المسلمين.  بَيْدَ أن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنّى وجدها.  ذاك مجرد مثال صغير.  في النرويج و الدانمارك و سويسرا و النمسا و بريطانيا و فرنسا و ألمانيا و غيرها أمثلة أكثر على مستوى الحكومات و الأفراد في العدل الذي هو أساس الملك و في تطبيق القانون المدني على الجميع و في المسؤول الحكومي المنتخب الذي يقف أو يجلس في القطار مع سائر الناس (جيزهْ جيزِ الناس) و هو يقرأ في الجريدة أو الذي يقف في الطابور ليشتريَ شيئاً أو ليسحب من آلة الصرف الآلي.  ألا يذكّرنا ذلك بما كان يا ما كان بعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عندما رَآه مندوب كسرى نائماً تحت ظل شجرة فقال قولته المشهورة: ” لقد حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر.”

لقد أتى الله بأقوام صالحين من غير أمة المسلمين يطبقون شرع الله و فطرة الله في خلقه من غير أن يكونوا مسلمين.  لعل الله و الله أعلم يكافئهم على سلامة نواياهم.  ذلك أيضاً ناموس من نواميس الله في خلقه.  ألم يقل الإمام محمد عبده قبل أكثر من قرن عن فرنسا: “ذهبتُ إلى بلاد فوجدت مسلمين و لم أجدْ إسلاماً و عدت إلى بلاد -يقصد بلاد المسلمين- فوجدت إسلاماً و لم أَجِد مسلمين – يقصد أخلاق المسلمين التي يتمتع بها الكثير في أمريكا و أوروبا و روسيا و الصين و كندا و أستراليا و غيرها-”  الله المستعان.

أستاذ جامعي و كاتب قطري

مشاركة

8 تعليقات

  1. تشخيص مذهل لماهية “العدل أساس الملك.” شكراً للتنوع المثري.

  2. بشكل عام من يوصفون بالمسلمين و منهم العرب ليست فيهم من أخلاق المسلمين إلا من رحم الله. لِيختلف معي من يختلف لكنني لاحظت أن تصرفات الدكتور محاضير محمد و إردوغان و حمد بن خليفة و معهم نَفَر قليل من المسؤولين المسلمين و العرب – تصرفاتهم مشابهة لكثير من المسؤولين الأوروبيين.

  3. من اروع وامتع المقالات.. بارك الله فيك استاذنا.

  4. شكرا للاستاذ ، وبالرغم من ان الموضوع حوى الكثير من انواع جلد الذات ، الا ان الحقيقة بارزة فيه ،اي انهم تخلقوا باخلاقنا ، وتخلقنا باخلاقهم ، ولا غالب الا الله ، نحن لا نزال تحت حكم خدمة المحتلين من زمان..،

  5. بسم الله الرحمن الرحيم
    في الوفاء بالعهد أوالوعد، أو الأوامر و النواهي القرآنية، يقول الله سبحانه وتعالى في محكم أياته من سورة البقرة:
    (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم (44)).
    وفي سورة الصف : ((يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ( 2 ) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( 3 ) )
    فبينما تستنكر الآية (2) سلوك الذين يقولون ما لا يفعلون، تدل الآية (3)على غضب الله ومقته على من يكون ذلك سلوكه.
    هلاّ راجعنا وقسنا على انفسنا في عالمنا العربي هذه الآيات الكريمة؟؟
    أو كما ذكرت يا دكتورنا الفاضل: (هلاّ يتعلم العالم الذي يدعي قربه من الله و أنه مسلم و مؤمن…)!!؟؟
    لذلك، ليس مستغربا بأن المواطن العربي في بلادنا اليوم أصبح حيرانا أو تائها يعيش بين المتناقضات الصارخة: في السياسة والأخلاق،… وحتى المبادئ.
    لا بد من العودة الى الحق والفضيلة ومحاربة الفساد، ونبذ الظلم المتفشي بالمجتمع واقامة العدل والمساواة بين الناس، والا فان الله يمهل ولا يهمل… وعقاب الله حتما آتٍ.

  6. لاتحتاج الا كم كلمة – العدل والمحاسبة–ان الرقابة وانتهاك القانون يجرم–عندنا يعتبر تسلط واو بلطجة او صمت مطبق من الاقوياء

  7. صدقت دكتور للاسف الشديد لا يوجد عدل بجميع دولنا العربية دون استثناء سواء على مستوى الحكام الذين يعتبرون الدولة ملكا لهم ولاولادهم او على مستوى سائر الحكومات من وزراء وهلم جر ناس بطلت تخاف الله بصريح العبارة وما البلاء الذى نحن فيه الا كان سببه الظلم وغضب الله علينا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here