العاهل المغربي يملك الحل: سياسة “طحن مو” شعار المرحلة.. لكن الحكومات العاقلة لا تعادي  إرادة شعوبها

د. طارق ليساوي

تداولت وسائل إعلام بالريف المغربي، ووكالة فرانس برس، أنباء عن مواجهات و توقيفات لمحتجين بالحسيمة و ضواحيها منذ يوم الجمعة الماضي ، وذلك في أعقاب الأحكام القاسية التي صدرت بحق “الزفزافي” و “حميد المهداوي” وباقي نشطاء حراك الريف،  كما شهدت العديد من المدن المغربية، من “طنجة” إلى “دمنات” وقفات إحتجاجية منددة بالأحكام القاسية، و اعتبرتها أحكام مسيسة و غير عادلة..و لم تقتصر الاحتجاجات على الداخل بل امتدت إلى مغاربة الخارج، إذ شهدت العديد من العواصم الأروبية وقفات احتجاجية،و هو مادفع عواصم أروبية إلى التعبير عن مخاوفهم وقلقهم من التطورات الأخيرة في المملكة …

هذه الوقائع، تجسيد لمثل شعبي دارج مفاده”ماقدو فيل زادوه فيلة”، فبينما كنا ننتظر تبرئة   معتقلي حراك الريف أو إصدار عفو شامل و طي ملف هذا الحراك ، يفاجئ الجميع بإصدار أحكام أقل ما يقال عنها أنها قاسية، ولا نعلم على وجه التحديد ما الفائدة و ما الغاية من إصدار مثل هذه الأحكام، خاصة وأن الوضع المحلي و الدولي جد مثوثر، فالمغرب منذ شهور يعيش على وقع احتجاجات شعبية أخرها حراك جرادة، و مقاطعة شعبية ولدت جدل سياسي غير مسبوق..

الدولة المغربية في الفترة الأخيرة وخاصة منذ إنطلاق حراك الريف تبنت سياسات و ممارسات  منتهكة للحقوق و المبادئ التي التزمت بها  دستوريا ، فماهي المكاسب التي تحققها الدولة من الاستمرار في سياسة القمع و الترهيب بالأحكام المشددة في حق المحتجين   ؟ اعتقد أن ما تفعله الدولة هو عودة تدريجية لممارسات سنوات الرصاص ، فجهات بداخل هرم السلطة تعتقد أن هذا الأسلوب يعيد للدولة هيبتها، غير أن هذا التوجه  مجانب للصواب تماما، فهيبة الدولة لا تتحقق بالقمع و الاعتقال و تكميم الأفواه، وانتهاك حقوق الإنسان المدنية والسياسية، فهيبة الدولة تتحقق بعكس ذلك، بمعنى سياسات أمنية ناعمة متسامحة مع المحتجين، حامية لحق التعبير و الرأي، مقدسة لحقوق الإنسان ..

هذا التوجه الذي يعتمد سياسة الحديد والنار هو تغطية عن فشل سياسات الدولة، و عجزها عن مواجهة التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد، فالدولة عجزت تنمويا كما عجزت سياسيا و أخلاقيا، ندرك تماما أن مجال الحرية أصبح يتقلص بالتدريج، وأصبح الرأي الحر مقيد و تحت طائلة الاعتقال و التضييق، لكن مع ذلك لا يمكن السكوت على مايحدث، و لا يمكن أن نشارك كشهود زور على أحداث و تصرفات تقود البلاد إلى الهاوية و إلى المجهول…

من المؤكد أن التضييق على نشطاء حراك الريف الذي ظل سلميا و حضاريا، سيقود حتما إلى مواقف أكثر تشددا ، والمخاطر التي تأكدت في السنوات الأخيرة بتفتيت دول كانت موحدة لعقود يقودنا باتجاه التنبيه إلا  أن سياسة الدولة تهدد وحدة واستقرار المغرب، فالمغاربة منذ فجر الإسلام و هم شعب متعدد الثقافات و سر قوة المغرب هو في تنوعه الثقافي و الاثني، و تنوعه الجغرافي فشمال المملكة ليس هو جنوبها و شرقها ليس هو غربها فهناك اختلاف في المناخ و التضاريس و اختلاف في اللهجات و العادات و التقاليد..

لكن مع ذلك هناك تعايش عبر قرون بين الأمازيع و العرب، هناك علاقات مصاهرة و تأخي قل نظيرها، فمن الصعب أن تجد اختلافا بين هذا وذاك على أرض الواقع، لكن التوجه الذي اختارته الدولة في تعاملها مع حراك الريف يقود إلى مستقبل مظلم..

لذلك، فان السياسات ضيقة الأفق تدفع إلى اليأس، و هناك أيادي تتربص بالمغرب كما تتربص بباقي البلاد العربية، فاعتقال الأصوات الحرة التي فضلت الاشتغال في النور، و تحث أنظار أجهزة الدولة المختلفة، و حملت شعارات مقبولة سياسيا و معقولة اقتصاديا، سيقود إلى المجهول، أيها الناس المغرب ليس بالبعيد عن خريطة الدم و التجزئة، قوة المغرب ليست في وجود جاهزية أو فعالية أمنية أو غيرها، قوة المغرب في إرادة ووعي شعبه، فنجاح الأجهزة الأمنية في مواجهة أي تهديد امني هو نتاج لتعاون الساكنة …قوة المغرب نابعة من وجود عقد اجتماعي ضمني بين المؤسسة الملكية والشعب المغربي، بما في ذلك سكان “الحسيمة” والريف عامة، فأول زيارة للعاهل المغربي بعد جلوسه على العرش ، كانت باتجاه الريف، و قد أستقبل في مدن وأقاليم الريف استقبال الفاتحين…

  فالمؤسسة الملكية اليوم أمام   مسؤولية تاريخية، ولحظة فاصلة، فكما كانت للعاهل المغربي الشجاعة السياسية قبل نحو عقد ونصف، في تحقيق المصالحة مع الريف، و طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، منذ استقلال المغرب إلى مطلع الألفية الثانية..فهو مطالب اليوم بإحياء وترسيخ نفس التوجه السياسي ..

لازال من الممكن تدارك الموقف وجبر الضرر بأقل كلفة، فالاعتراف بالخطأ فضيلة و الرجوع للحق خير من الاستمرار في الخطأ، نتمنى إفراجا على كل المعتقلين و النشطاء، نتمنى ترسيخ دولة الحق و القانون، و احترام الحريات العامة وفي مقدمتها الحق في التعبير و الاحتجاج السلمي، فإذا فشلت الدولة تنمويا واقتصاديا، فعلى الأقل فلتكن ناجحة أخلاقيا، ونجاحها الأخلاقي نابع من احترام مواطنيها، و سعيها الحثيث لرفع الضرر عنهم و عدم الإضرار بهم و بمصالحهم، فهؤلاء النشطاء هم درة تاج هذه البلاد، فمن المعيب أن يكون جزاءهم القمع و الاعتقال و الرمي في غياهب السجون، فإذا كانت قدوة نخبنا السياسية الغرب و ساسته، فليسيروا على نهجهم في تعاملهم مع شعوبهم ، ف “ترامب” و “كامرون” و“ميركل”  لايعتقلون أو يحاكمون من عارض أو احتج على  سياساتهم، فهؤلاء أدركوا أن الحكومات العاقلة لا تعادي و لا تحارب إرادة شعوبها فسياسة “طحن مو” ضررها أكثر من نفعها…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here