الطيب دخان: تركة قارب عددها الـ 7000 كتاب موجهة إلى جامعتي “خنشلة وباتنة” لاتزال حبيسة بين جدران المركز الوطني للأرشيف في الجزائر

الطيب دخان

تعد الباحثة الجزائرية  في علم الإجتماع  الأستاذة “جمعة جغلال “من أبرز الوجوه التي كرست حياتها في خدمة الثقافة الأمازيغية وتاريخ الأوراس والجزائر بصفة عامة ،إذ غادرت مدينة المولد خنشلة وأرض النشاة الجزائر وعمرها لايتعدى الخمس سنوات  متجهة إلى فرنسا برفقة أحد ابناء عمومة الشهيد عباس لغرور  لتلتحق بوالدها المجاهد والمناضل في فيدرالية جبهة التحرير الوطني بباريس أين إستقرت هناك وزاولت تعليمها  ،غير ان البعد عن موطن الميلاد وأرض الأهل والأحباب لم يثنيها ويمحوا تعلقها بالجزائر الحبيبة فكلما كبرت إزدادت لوعة وإشتياقا إلى الأرض التي فتحت عينيها على إخضرار سهولها  وشموخ قممها الراسية أوتادها في أعماق ذاكرتها ،فكانت منذ صغرها متعلقة  بكل مايرمز إلى الأوراس سواء تعلق الأمر بكتاب أو مقال في جريدة أو بطاقة بريدية ولم تبرح المكان إلا بعد إقتناء مالمحته عيناها وأخذته معها وشيئا فشيئا ومع تقدم العمر بها إستطاعت

ان تجهز مكتبتها المنزلية بأندر الكتب التاريخية والوثائق والمخطوطات وكذا البطاقات البريدية المتعلقة بمنطقة الأوراس والجزائر بصفة عامة.

أمضت الباحثة مايزيد عن 25سنة من البحث المضني عن الكتب المتعلقة بمنطقة الأوراس وتاريخ الجزائر بصفة عامة كما يبحث الغواص على أندر اللآلئ في البحر  بالإضافة إلى الدفاع عن الذاكرة التاريخية وحقوق المرأة الجزائرية  مع التعريف بشهداء الثورة التحريرية من رجال ونساء  و المطالبة بحقوق قدماء المحاربين في الجزائر والولاية التاريخية الأولى” أوراس النمامشة  ” زيادة على كونها من أبرز المناضلين في المهجر من أجل الإعتراف بالثقافة والهوية  الأمازيغية .

دفعها ولعها الشديد بالثقافة الأمازيغية وإرتباطها  وإعتزازها بأصلها الأوراسي الشاوي  إلى الإهتمام بكل ماكتب ونشر في فرنسا عن تاريخ الجزائر وثورتها المجيدة  وخاصة كل ماتعلق بمنطقة الأوراس  حتى حولت  شقتها مع مرور الزمن إلى مكتبة تاريخية ضخمة  إن لم نقل متحفا ومزارا  للطلبة والباحثين من مختلف الجنسيات وخاصة المترشحين منهم لنيل شهادتي  الماجيستير والدكتوراه  ،لم تقتصر هذه المكتبة المتحف على  الكتب فقط بل تعدتها إلى وثائق ومخطوطات  ومراسلات عسكرية غير منشورة  تتعلق بالثورة التحريرية الجزائرية  بالإضافة إلى 50خريطةحول مدن الجزائر القديمة  ومايزيد عن ال5000بطاقة بريدية وطوابع وغيرها من النفائس  ناهيك عما تزخر به مكتبتها من كتب يقارب  عددها ال 7000كتاب  لأشهر الكتاب الفرنسيين والجزائريين  المهتمين بتاريخ المنطقة و الجزائر  بصفة عامة في مؤلفاتهم على غرار “بيير فيدال ناكيه، تشارلزروبارت ageron،ومحمد حربي “بالإضافة إلى مايزيد عن ال200مقالة حول تاريخ الأوراس وثقافته الأمازيغية وبعض الحقائق عن الثورة في المنطقة نشرتهما على موقع المكتبة الرقمية الأمازيغية www.asadlis-amazigh.com

تجدر الإشارة بأن ال7000كتاب هذه كانت مناصفة بينها وبين الأستاذ الباحث والكاتب في الثقافة الأمازيغية وصاحب التقويم المعروف بالسنة الأمازيغية  “عمار نقاديammar nagadi” الذي تبرع هو أيضا  ب3500كتاب للأستاذة جمعة جغلال بعدما راودتهما فكرة نقل هذه المكتبة الثرية مناصفة بينهما إلى أرض الوطن حتى يتمكن الطلبة الجامعيين والباحثين في تاريخ المنطقة من الإستفادة من ثراء مادتها التاريخية والنهل من ثقافتها  وبالفعل شرع الأستاذ عمار نقادي في جمع مالديه من كتب  غير أن القدر عجل برحيله في الواحد من ديسمبر سنة 2008 قبل إكتمال المشروع تاركا للأستاذة جمعة جغلال مايقارب ال3500كتاب  على أن تقوم بجمع مالديها من كتب ثم تتكفل بنقل المكتبة إلى أرض الوطن  على أن تشرف على توزيعها  مناصفة بين جامعتي “عباس لغرور” بخنشلة وجامعة “الحاج لخضر بباتنة ”  حسب ماصرحت به لوكالة الأنباء الجزائرية سنة 2013عندما قامت بزيارة إلى مسقط رأسها  “انسيغة”بولاية خنشلة.

عادت إلى فرنسا والأمل يحدوها وكلها عزم وثبات على مواصلة جمع الكتب ورقمنتها  من أجل مباشرة عملية النقل ، غير أن لسعات المرض العضال  مافتئت تنخر جسدها  حتى ألزمتها الفراش وعندما شعرت بدنو أجلها إستدعت كل من “الصادق كبايري “باحث ومهتم بالثقافة الأمازيغية ومختص في الإعلام الآلي والكومبيوتر وبحضور الأستاذ “صالح لغرور “شقيق الشهيد عباس لغرور أوصتهما بالوديعة وأوكلت إليهما مهمة جمع ونقل المكتبة إلى أرض الوطن .

غادرت جمعة جغلال الحياة بتاريخ ال15من شهر نوفمبر سنة2016عن عمر يناهز ال69سنة  تاركة كنزا لايقدر بثمن تبرعت به هي وصديقها عمار نقادي لطلبة جامعتي خنشلة وباتنة  وكان كل همها الوحيد قبل أن تفارق الحياة هو أن تصل هذه الوديعة إلى أهلها ، تحمل الأستاذان  الصادق كبايري وصالح لغرور عبء المهمة  قانونيا وماديا وبذلا النفس والنفيس من أجل جمع هذه  الكم الهائل من الكتب  فيما يزيد عن ال137 أو ال150صندوقا  بمساعدة إبنتي الراحلة جمعة جغلال “أسيا “و”عقيلة “و مدغيس بن الراحل عمار نقادي مع العديد من  جنود الخفاء في المهجر والمتعاونين الذين  تجندوا وتحمسوا كل حسب إستطاعته من أجل إكمال المشروع وتنفيذ وصية الراحلين طيلة مدة زمنية قاربت العامين  إلى أن تم  نقل الوديعة إلى مقر السفارة الجزائرية بباريس أين قدم لهما رئيس قسم الثقافة بالسفارة كامل الدعم والمساندة  لتنقل  التركة إلى الجزائر ووصلت إلى المركز الوطني للأرشيف بتاريخ 26/04/2018  حسب  ما أعلنته وكالة الأنباء الجزائرية  يوم الخميس الموافق  ل03 ماي سنة 2018

غير أن  مدير المركز ظل يماطل في تسليم الكتب لأصحابها   رغم تحرك عمادة جامعة باتنة  وتقديمها لطلب إستلام الوديعة  كما خصصت لحصتها من الكتب رواقا خاصا بالذاكرة في مكتبتها  إلا أن إجراءات التسليم لم تتم إلى غاية الساعة

وحسب ماعلم من مصادرنا أيضا أن جامعة عباس لغرور أبدت إستعدادها لإستقبال الحصة الموجهة إليها من الكتب ، ولكن الإشكال الوحيد يبقى في المركز الوطني للأرشيف .حيث أنه لحد الأن لم يوجه أية دعوة أو مراسلة للهيئتين المخولتين بإستلام الوديعة ،رغم الإتصالات والتحركات الحثيثة للوصيين الأستاذين  “الصادق كبايري ،وصالح لغرور  ” وسعيهما من أجل إكمال تنفيذ وصية الباحثين الراحلين “جمعة جغلال ، وعمار نقادي “على أكمل وجه .

لتبقى الكرة بين الهيئات الرسمية الثلاث  فعميدا الجامعتين لم يتحركان علانية   ويستمران في الضغط على المركز الوطني للأرشيف حتى يقوم بإطلاق سراح الوديعة المحبوسة لديه ، وهذا الأخير لم يبدي أي نية هو الآخر في الإفراج عن الرهينة ،والضحية هم الطلاب الذين تبرع لهما الباحثين المتوفيين بمكتبتيهما ،والهاجس ظل يؤرق فكر الوصيين على نقل وتسليم الوديعة إلى أهلها  فلا يكاد يهدأ لهما بال ولايغمض لهما جفن حتى ينعمان برؤية التركة بين أيدي أصحابها الموصى بهم لأنهما يعتبران هذا الإرث الضخم والكنز الدفين دين عليهم إلى أن يتم قضاؤه وتسليمه إلى أهله ماداما قد تعهدا بذلك للراحلين رحمهما الله وأسكنهما فسيح جنانه .

فترى ماهو الدافع وما الهدف  الحقيقي من ترك هذا الإرث التاريخي النادر حبيسا بين جدران المركز الوطني للأرشيف دون أن يصل إلى أهله وأصحابه  عله ينير عقلا أو يبصر فكرا ،أو نعثر في طياته على بعض خبايا وخفايا تاريخ منطقتنا وثورتنا المجيدة  بعد أن تبرع به صاحباه لفائدة النشأ من شبابنا وطلابنا وبعد أن كدا وتعبا  وبذلا الجهد والمال من أجل إقتنائه وإنتقائه وأضاعا سنين عمرهما في جمعه  رحمهما الله وأسكنهما فسيح جنانه ،ثم تحمل مشقة الجمع والنقل بعدهما رجال مشكورون جدا على حرصهم  وتفانيهم من أجل تنفيذ وصيتهما  حتى يصل إلى المركز الوطني  للأرشيف فيحكم على هذا الإرث والكنز الذي لايقدر بثمن بالسلاسل والأقفال ….؟

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here