الطرق تقتل في ليبيا أكثر من السلاح

طرابلس – (أ ف ب) – في ليبيا، يسقط قتلى في حوادث السير، أكثر مما يسقط في النزاع المسلح… فالسيارات قديمة جدا، والبنى التحتية غير موجودة، ولا أحد يحترم قوانين السير. وتشبه الطرق الليبية حالة الفوضى التي تعيشها البلاد منذ سقوط الزعيم معمر القذافي في 2011.

في مستودع في طريق السكة في وسط العاصمة الليبية، تتكدس مئات المركبات الآلية المتضررة نتيجة حوادث المرور وتشي بالماساة. بعضهم يحمل آثار دماء على المقاعد، وتوجد في أخرى ملابس وأحذية…

ويقول أحد حراس المستودع محمد لوكالة فرانس برس “بعض السيارات محجوزة منذ عشر سنوات، كون سائقها تسبب في حادث أودى بحياة شخص على الفور، وأودع السجن بعد رفض ذوي القتيل منحه التنازل”.

ويضيف متجولا بين صفوف سيارات طويلة، “هذا المستودع تابع لإدارة المرور والتراخيص، تحجز سيارات تسببت بحوادث المرور، لضرورات التحقيق وفي انتظار إجراءات قانونية للإفراج عن السيارة وتمكين مالكها من استعادتها”.

وبالإضافة الى الخسارة البشرية، يمكن لحادث سير في ليبيا أن يكلف السائق كثيرا، سواء كان هو المخطىء أم لا. فبموجب القانون الليبي، إذا تسبب شخص بمقتل شخص آخر عن غير قصد، يظل مسجونا، طالما أن أصحاب الحقوق لم يصفحوا عنه، أو إذا رفض دفع الدية. وفي بعض الحالات، تطلب العائلات مبالغ ضخمة عندما تريد أن يبقى السائق مسجونا.

وبحسب رئيس قسم المرور والتراخيص في مديرية أمن طرابلس العميد محمد الباروني هدية، بلغ عدد حوادث المرور العام الماضي 4115، والضحايا 5668 ألفا، توفي منهم 2500 شخص، فيما وصلت الخسائر المالية الى قرابة 29 مليون دينار (21 مليون دولار).

ويقول المتحدث باسم الإدارة العامة للمرور والتراخيص العقيد عبد الناصر اللافي “باتت ليبيا تتقلد المركز الأول عالميا على مستوى حوادث المرور مقارنة بعدد سكانها” الذي بالكاد يتجاوز ستة ملايين.

– أكثر من ضحايا السلاح –

وعدد القتلى في حوادث السير أكبر بكثير من عدد القتلى بالسلاح والذي يصل الى بضع مئات كل سنة في بلد يعيش حالة عدم استقرار أمني وأعمال عنف بين ميليشيات وعشائر ومجموعات مسلحة متنافسة.

ويقول العميد هدية رئيس “السرعة في الطرق الرئيسية وعدم الانتباه تتسبب في حوادث المرور في ظل عدم احترام القانون”.

ويشتري الليبيون الوقود بسعر مدعوم، إذ يبلغ سعر ليتر البنزين 0,10 دولار، ما يعني أنه أرخص من سعر الماء، ما يشجع عددا كبيرا من الأفراد على شراء سيارات بمحركات ضخمة لا تصلح لبنية تحتية متقادمة.

ويضيف من مكتبه في العاصمة، “المشكلة في تهالك الطرق. منذ ستين عاما، لم تحظ بأي عمليات توسعة أو صيانة تستوعب هذا العدد الضخم من المركبات”.

ويتابع “في عام 2010، وصل عدد السيارات المسجلة في طرابلس إلى 600 ألف سيارة، بينما في العام 2019، بات لدينا أكثر من مليوني سيارة. وإذا أضفنا السيارات الحكومية والنقل العام، يصل العدد إلى ثلاثة ملايين سيارة في العاصمة وحدها” حيث عدد السكان مليونان.

ويتخطى عدد المركبات الآلية المسجلة في ليبيا 4,5 مليون سيارة، بحسب المتحدث باسم الإدارة العامة للمرور والتراخيص. ومنذ العام 2011، استغلّ عدد من التجار الفوضى السائدة في ليبيا لإغراق السوق بسيارات متدنية الثمن.

ويقول هدية إن السلطات قررت، للحد من هذه المشكلة، “تحديد عمر استيراد السيارات بسنة تصنيع لا تتخطى عشرة أعوام”، معتبرا أنه “قرار جيد سيخفف من الازدحام والحوادث”.

كما قررت السلطات للمرة الأولى منذ سنوات، تخصيص موازنة لصيانة الطرق.

ويشير اللافي الى مشكلة أخرى تتمثل في “عدم صيانة الطرق والمناخ خصوصا في الشتاء عندما تتسبب مياه الأمطار في زيادة تشققات الطريق العام وحفريات كبيرة”، مضيفا “هناك بعض الجسور التي تحتاج لصيانة مستعجلة، لأن عددا كبيرا منها بات غير صالح للقيادة”.

وتقول الإدارة العامة للمرور إنها نشطت أيضا حملات وبرامج التوعية. ويقول اللافي “ننشر حاليا دوريات على مدار 24 ساعة بهدف رفع الوعي المروري للمواطن”، معتبرا أنها “طريقة رادعة لكل من يخالف قواعد المرور، عندما يجد شرطة باستمرار على الطرق”.

لكن عناصر الشرطة هؤلاء يحاولون العمل من دون استعراض، خوفا من ردود عنيفة ضدهم في بلد ينتشر فيه السلاح بشكل كبير. وغالبا ما يكتفون بتنظيم حركة السير.

في ميدان الشهداء في العاصمة والذي يعد أحد أكثر المواقع اكتظاظا على مدار السنة، تصطف السيارات على جانبي الطريق وتتسبب باختناق مروري هائل، الأمر الذي يتطلب نشر عدد ضخم من رجال المرور لتسهيل حركة السير.

ويروي أحمد رجب (35 عاما)، وهو سائق سيارة دفع رباعي من نوع “تويوتا”، تجربته المـُرّة مع حادث مرور تسبب في إعاقة في إحدى قدميه. ويقول “تسبب حادث شنيع لي بإعاقة. كنت أقود ليلا شرق العاصمة وكان الطريق مظلما، اصطدمت بعمود إنارة كان مائلا نحو الطريق السريع”.

وتابع أحمد وهو يركن سيارته بالقرب من رجل مرور بميدان الشهداء ،”بعض الشباب لديهم قلة احترام لشرطي المرور لغياب رادع القانون (…)، لا نلوم فقط سائق المركبة الآلية كون الطرق متهالكة وتفتقر للخدمات مثل الإنارة والعواكس ولوحات التنبيه”.

وأَضاف “شرطي المرور يجب أن يكون رادعا حقيقيا يمنح المخالفات دون تردد، لأنها الحل الأمثل لحوادث المرور، القاتل الصامت الذي فتك بشريحة كبيرة من الليبيين”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here