الضمّ: السلطة “تُحذّر” من انهيارها ودول الخليج “تُهدِّد” بوقف التطبيع

زهير أندراوس

يؤكّد الأستاذ الجامعيّ اليهوديّ-الإسرائيليّ، شفير ﭼرشون، وهو عالِم اجتماع يهوديّ وأستاذ في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، يؤكِّد لكلّ من في رأسه عينان أنّ الحركة الصهيونيّة هي حركة استعماريّة وعنصريّة بامتياز، لا تتوقّف مطامعها عند حدود فلسطين التاريخيّة، بل تتعدّى ذلك إلى الوطن العربيّ، أيْ السيطرة على أكبر قدرٍ من الأراضي العربيّة، إنْ كان مُباشرًا أوْ بشكلٍ التفافيٍّ، ليس لأنّها “تهوى” السيطرة، بلْ لأنّها تسير وفق ما وضعه أقطابها منذ تأسيسها، إذْ أنّها تتصرّف كالإخطبوط، وتتغلغل في أيّ بُقعةٍ في العالم، مُستغلّةً علاقاتها الوطيدة مع رأس الأفعى، الولايات المُتحدّة الأمريكيّة ودول النفاق الأوروبيّ، التي بـ”معارضتها” لسياسات كيان الاحتلال الإسرائيليّ لا تُسمِن ولا تُغني عن جوع، وعُلاوةً على ذلك، تستثمر الحركة الصهيونيّة، التي كانت الأمم المُتحدّة قد ساوتها بالعنصريّة، تستثمر حالة الذُلّ والهوان، التي تعصِف بدول الوطن العربيّ، وعلى نحوٍ خاصٍّ دول الخليج، التي تتسابق فيما بينها، وأحيانًا بصورة الاستجداء، للتطبيع مع الكيان، مُتناسيةً عن سبق الإصرار والترصّد أنّ إسرائيل أُقيمت على الأرض الفلسطينيّة، وأنّ شعبها قد هُجِّر وشرِّد في أفظع جريمةٍ ارتُكبت على مرّ التاريخ، وبالتالي فإنّ التعويل على حُكام السواد الأعظم من الدول العربيّة لإنقاذ القضيّة الفلسطينيّة العادِلة لا يُعوَّل عليها بتاتًا.

***

والآن ينشغِل العالم بالخطوة الإسرائيليّة المُرتقبة في الفاتح من شهر تموز (يوليو) بضمّ الأغوار وأجزاءٍ واسعةٍ من الضفّة الغربيّة المُحتلّة، وكالعادة فإنّ سلطة أوسلو-ستان، لم ترتقِ إلى مُستوى الحدث، ولكن يُمكِننا التأكيد أنّ السلطة ما زالت تتبنّى التنسيق الأمنيّ كإستراتيجيّةٍ لمنع “الإرهاب” في الضفّة الغربيّة ضدّ قوّات الاحتلال وسُكّان المُستوطنات، ونرى في هذه العُجالة من الأهمية بمكان التذكير، ويكفي في ذهه العُجالة التذكير بقيام الأمن الفلسطينيّ قبل عدّة أسابيع بإحباط عمليةٍ عسكريّة ضدّ قوّات الاحتلال، بعد إعلان عبّاس عن وقف التنسيق الأمنيّ.

***

وفي إسرائيل كالعادة يتِّم تقسيم الأدوار بين مؤيّدي الضمّ وبين مُعارضيه، ومن خلال مُواكبة ما يجري في وسائل الإعلام العبريّة نرى أنّ النقاش بين الطرفيْن الاثنين ما زال مُستعرًا، وتحديدًا من المسؤولين السابقين في المؤسسة الأمنيّة، حيث يدور الجدال حول منفعة إسرائيل من هذه الخطوة من عدمها، أيْ أنّ الخلاف بين الطرفين هو مسألة داخليّة في الكيان، إذا أنّ أحدًا من هؤلاء الـ”مُعارضين” لا يتطرّق، لا مُباشرةً ولا بصورةٍ غير مُباشرةٍ إلى الحقوق الفلسطينيّة المنهوبة والمسلوبة، ولا أحد يتحدّث عن الحقوق التاريخيّة للشعب العربيّ الفلسطينيّ، إنّهم يُشدّدون في طرحهم على الانتماء لإسرائيل القويّة، العنجهية، المارقة وعلى عظمة جيشها، الذي بحسبهم يقدِر على هزيمة الجيوش العربيّة مُجتمعةً، وبالتالي فإنّ هذا الجدال المُبتذل يؤكِّد مرّةً أخرى أنّ توجّه الكلّ الإسرائيليّ هو نحو السيطرة على الأراضي الفلسطينيّة، التي تبقيّت، ولكن بأساليب لا تجلب الأضرار للأمن القوميّ للكيان، أوْ في المُجتمع الدوليّ، ويُساهِم بحسبهم إلى زيادة عزلة إسرائيل في الساحة الدوليّة.

***

ونرى أنّ تصريحات حسين الشيخ، المسؤول الفلسطيني عن العلاقات مع إسرائيل وأحد أقرب مستشاري رئيس ما يُسّمى بالسلطة الفلسطينيّة، محمود عبّاس، لصحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكيّة، خطيرة جدًا، وما كان ليُدلي بها دون الحصول على ضوءٍ أخضرٍ من “سيادة الرئيس”، وبالتالي فإنّ أقواله تُمثّل نهج السلطة الاستسلاميّ ومُواصلة تعويلها على المُفاوضات مع إسرائيل، ووفق الشيخ، فإنّ الضّم يعني عدم عودة العلاقة مع إسرائيل!!!. وتهدف الإستراتيجيّة التي حدّدها السيد الشيخ، كما أكّدت الصحيفة الأمريكيّة، إلى تذكير الإسرائيليين بالأعباء التي سيتحملونها في حالة تفكك السلطة الفلسطينية، وإثبات استعدادهم للسماح للسلطة بالانهيار إذا مرّ الضّم، وقال الشيخ: إمّا أنْ يتراجعوا عن الضم وأنْ تعود الأمور إلى ما كانت عليه، أوْ أنّهم يتبّعون الضّم ويعودون إلى احتلال الضفة الغربية بأكملها، خلاصة تصريحات الشيخ: وقف مخطط الضمّ مُقابِل عودة العلاقات مع إسرائيل، وهنا تكمن الخطورة في موقف السلطة الفلسطينيّة.

***

في السابع من شهر (يونيو) حزيران الجاري، تظاهر آلاف الإسرائيليين في مدينة تل أبيب احتجاجًا على مشروع الحكومة مخطط الضمّ أراضٍ بموجب خطة السلام الأمريكيّة، التي باتت تُعرف إعلاميًا بـ”صفقة القرن”. ورفع المتظاهرون، من اليهود والعرب، أعلام فلسطين وإسرائيل منددين باحتلال الضفّة الغربيّة وبالمستوطنات غير الشرعية. ما يلفت الانتباه في المظاهرة، التي شارك فيها الآلاف من فلسطينيي الداخِل هو يافطة قالت بالحرف الواحد: “الضمّ هو نهاية الصهيونيّة”، أيْ أنّ “يسار” الكيان يريد المُحافظة على الصهيونيّة، وبالتالي لا فرق بينهم وبين نتنياهو الـ”مُتطرِّف” إلّا بالتكتيك، ورغم ذلك، ما زال البعض الكثير من العرب والفلسطينيين أيضًا يُعوِّلون على هذا اليسار، الذي لا يختلِف عن اليمين، إلّا بالتسمية، فمَنْ احتلّ الصفّة الغربيّة وأقام المُستوطنات هو الـ”يسار” الإسرائيليّ، وهو المسؤول الأوّل والمُباشِر عن المجازر الفظيعة التي ارتكبها الصهاينة بحقّ الفلسطينيين.

***

ملاحظة: لا يُشرّف بالمرّة رفع العلم الفلسطينيّ إلى جانب علم الكيان خلال المُظاهرة التي جرت في ساحة المُجرِم رابين.

*كاتبٌ عربيٌّ من فلسطين

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here