الضغط الاقتصادي كرافعة لتمرير صفقة القرن.. لبنان والاردن كمثالين

د. حسين البناء

الدول العظمى، كمهيمن على المسرح الدولي، تستخدم حزمة أدوات ضغط في سبيل فرض إرادتها و تمرير الحلول الكبرى التي تتماهى مع مصالحها الاستراتيجية.

أدوات الضغط قد تكون سياسية، اقتصادية، عسكرية، أو خليط من كل ذلك. من الناحية العملية، فإن محاور الضغط الرئيسة فيما يتعلق بصفقة القرن واقعة على ثلاثة أطراف: لبنان و الأردن و الفلسطينين على وجه الخصوص.

من الواقعي إدراك أن هذه الجهات الثلاث ترزخ تحت وطأة أداء اقتصادي متواضع و مديونية متنامية و عجز موازمة عامة مزمن، الأمر الذي جعلها رهينة لبرامج صندوق النقد و البنك الدوليين، و محكومة باشتراطات المانحين الدوليين و هباتهم لتسيير أعمال الدولة و سد الفجوات المالية في هيكلها الاقتصادي المتهالك.

ثلاثة في ثلاثة:

ما كان يمكن أن يتم الحديث عن حل شامل للقضية الفلسطينية بهذا الشكل الكاسح و القاسي (كما يتم اليوم في صفقة القرن) بدون تحقيق مبدأ (3×3) والذي يقضي بضرورة تحييد دور الدول المحورية الثلاث في المنطقة العربية (مصر، سوريا، العراق) قبل الشروع في فرض الإرادة الدولية المتصهينة على محاور الحل الثلاثة (لبنان، الأردن، فلسطين).

الأمر ببساطة يتمثل في أن (قصم الظهر الاستراتيجي) هو المدخل المثالي لإضعاف الدول. الأردن تم إنهاك عمقه الاستراتيجي بعد تمزيق سوريا و العراق. لبنان تم عزله عن سوريا ليترك وحيدا أمام إسرائيل. فلسطين ممزقة بين (ثنائية فتح رام الله و حماس غزة) بدون بوابة مباشرة مع مصر و دورها التقليدي في المنطقة. بكلمة أخرى، لقد باتت منطقة الشرق العربي (مكشوفة) بالكامل أمام اللاعبين الكبار و فرض إرادتهم بدون أدوات ممانعة فعالة.

حقائق سريعة:

الأردن مدين بما قيمته (41 مليار دولار)، ما نسبته (94% من الدخل المحلي) و عجز موازنة سنوي (1.7 مليار دولار).

لبنان مدين بما قيمته (82 مليار دولار)، ما نسبته (153% من الدخل المحلي) و عجز موازنة سنوي (6 مليار دولار).

أما السلطة الوطنية الفلسطينية فإن كامل النموذج الاقتصادي يعتريه التذبذب و الارتهان للوضع الأمني و المعونات الاقتصادية الخارجية بشكل رئيس، بالإضافة لتحكم إسرائيل بتدفق العوائد الضريبية و المعابر و الحدود.

يتضح مما سبق مدى الوضع الاقتصادي الحرج للدول الثلاث المعنية مباشرة بترتيبات صفقة القرن، و من المؤكد بأن ورقة الضغط الاقتصادي ستكون حاضرة في ذهنية (إدارة أمريكية يترأسها رجل أعمال) لا يتحدث سوى بلغة الأرقام و المصالح التجارية البحت.  الواقع الاقتصادي بالغ الحساسية، و هو مرتبط بشكل حاسم بمعيشة الناس و قدرة الدول على الاستدامة، و الجميع يدرك بأن الضغط الاقتصادي سيكون هائلا جدا في حالة انسحاب المانحين الدوليين من تقديم الهبات و المعونان المالية السنوية المعتادة لثلاثية صفقة القرن، وعلى المدى القصير، وفي ظل غياب بدائل، فإنه من الوارد جدا أن تكون الخيارات محدودة و كارثية على تلك الدول و صاحب القرار فيها.

المطلوب من ثلاثية صفقة القرن:

في ظل اندفاع أمريكي غير مسبوق تجاه إنجاز حل سريع يتماهى مع الرؤية الصهيونية و مصالح بعض أنظمة دول المنطقة الداعمة للحل، وفي ظل الظروف الإقليمية المثالية لفرض الإرادات للدول العظمى، وفي ظل التحييد التام لثالوث العروبة التقليدي (مصر، سوريا، العراق)، فإن المطلوب من دول المنطقة المعنية بصفقة القرن (ثلاثية الأردن، لبنان، و الفلسطينيين) حسب تصورات صفقة القرن يقع في إطار تجنيس و توطين اللاجئين الفلسطينيين ببلادهم التي يقيمون فيها مع نزع صفة اللجوء و حق العودة و التعويض عنهم، و ترسيم حدود الدويلة الفلسطينية في إطار الجدار العازل و تثبيت المستوطنات القائمة، وتمكين إسرائيل من مكامن المياه و الطاقة، و توحيد القدس و إشراف الإسرائيليين على إدارتها. بكلمة أخرى، المنتهى سيكون شبه دويلة فلسطينية غير مستدامة، ليكون مآلها التصفية في إطار اتحاد ما للضفة الغربية مع الأردن، كما كان قبل قرار فك الارتباط، و تبعية لغزة مع مصر.

بعض أنظمة الدول العربية تقف مع الرغبات الأمريكية في الحل، تقربا لإسرائيل و أطراف في المجتمع الدولي المتصهين، على أمل إضفاء الشرعية على تلك الأنظمة و تسويقها عالميا و السكوت عن تجاوزاتها على الحريات و حقوق الإنسان و الديمقراطية. الأكثر تأثيرا أن تلك الأنظمة هي على رأس قائمة الجهات المانحة لثلاثية صفقة القرن، و لطالما كانت رافعة مالية و اقتصادية لدول المنطقة الفقيرة.

واقعيا، تستطيع الولايات المتحدة قطع المدد للدول المستهدفة بالصفقة، وهذا يعني إفقارها و إرباك المشهد الاقتصادي و السياسي فيها على المدى القصير و المتوسط.

عملانيا، لا يمكن قطع المعونات بشكل كامل عن الدول المستهدفة؛ لأن ذلك قد يعني مواجهة سيناريوهات خطيرة في هيكل السياسات و ردود الفعل للأنظمة و شعوب المنطقة، التي قد تكون معاكسة للمصالح المرجوة على المنظور الاستراتيجي.

أكاديمي وخبير سياسات (الأردن)

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. من المؤسف والمجزن أن هذه الدول وغيرها قد جنت على نفسها بنفسها.. كان الاردن مصدرا للمنتوجات الزراعية بشقيها الحيواني والنباتي وتحول إلى دولة مستوردة لها. لم تطرح الحكومة أي مشروع وطني يدعم إقتصادها بل على العكس باعت كل ما تملكة من مصانع وخدمات لشركات أجنبية وصدعت رؤوسنا بالشريك الاستراتيجي وبالانضمام لمنظمة التجارة الدولية التي أدت إلى إشتداد المنافسة للانتاج المحلي وازدياد البطالة والفقر. والذين قدموا النصائح لخصخصة القطاع العام هم أنفسهم الذين لجأوا للاقتراض من البنك الدولي ومن كل من يعطي القروض وأوصل الاردن إلى هذه الحالة.
    أما فلسطين فقد كانت تنعم بإقتصاد الانتفاضة والاعتماد على الذات وعلى الزيت والزعتر إلى أن جاءت السلطة الوطنية وحولت معظم المنتجبن الى موظفي سلطة بلا عمل وبلا هدف وبلا مستقبل وتحت تسميات أمنية مختلفة (أمن وقائي وأمن رئاسي وأمن عسكري …الخ ) وعهد لدايتون بتدريبهم وتسييسهم. بإختصار “البسة عضت ذيلها.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here