الصين تتجاوز موقفها السياسي من الأزمة السورية وتطور علاقاتها الاقتصادية بالخليج

DOLLARS.jpg55

 

بيروت ـ عدنان كريمة ـ الأناضول:

مع الأخذ بالاعتبار المفاهيم الاقتصادية للعلاقات الدولية والتي تتحكم بها المصالح المشتركة، تبرز أهمية الاستثمار السياسي بتحديد مواقف الدول من التطورات الإقليمية في ضوء الصراع القائم وتحالفاته، وكذلك تحديد أثمان هذه المواقف التي تعكس تطوراً مهماً في تعزيز حركة التجارة والاستثمار بين الدول المعنية.

وفي هذا السياق، يجري تساؤلا مهما، إذ كيف تطورت العلاقات العربية الصينية في السنوات الأخيرة، على الرغم من وقوف الصين ضد مقترحات جامعة الدول لحل الأزمة السورية واستخدامها الفيتو مع روسيا ثلاث مرات في مجلس الأمن الدولي للحيلولة دون اتخذ موقف ضد نظام بشار الأسد؟.

لقد اعتبرت بكين، أن موقفها تجاه الأزمة السورية اتسم بالثبات والموضوعية منذ البداية، مؤكدة على ضرورة احترام رغبة الشعب السوري وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا. ولأن الصين تسعى دائماً إلى ضمان حصتها من الطاقة، وهي تعتمد في ذلك على المنطقة العربية، فقد أعلنت مرارا، خشية الدخول في خلاف سياسي يتبعه خلاف اقتصادي مع الخليج الغني بالنفط، أن جوهر السياسة الصينية هو السعي إلى تحقيق التعاون في إدارة الشؤون الدولية، وأن موقفها يتلخص بضرورة التعاون والتفاوض لحل هذه النزاعات الموجودة بمنطقة الشرق الأوسط.

وهكذا انطلقت الصين في استخدامها “الفيتو” في مجلس الأمن من استيائها المتزايد حيال ما تعتبره “سياسة أمريكية” هدفها حرمانها من الوصول إلى مصادر الطاقة في الشرق الأوسط.

أما عن معارضتها التقليدية للتدخل العسكري وخصوصاً الضربة الأمريكية التي كانت مرتقبة ضد سوريا، فهذه المعارضة تعود ولو جزئيا إلى تاريخها الذي يسجل معاناتها من التدخل الاجنبي في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، فضلاً عن العقوبات التي فرضت عليها بقيادة الولايات المتحدة لسنوات طويلة أثناء الحرب الباردة، الأمر الذي جعل الصينيين حساسين للغاية إزاء كل من التدخل والعقوبات، وهم بالتالي مترددين في دعم هاتين الخطوتين، حتى وان كانتا تستهدفان أنظمة سلطوية في الشرق الأوسط، مثل النظام في سوريا.

العلاقات الاقتصادية

على الرغم من أن “الفيتو الصيني” لم يكن فاعلاً، بل أنه جاء داعماً لـ “الفيتو الروسي” الذي كان يكفي وحده لتعطيل قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأزمة السورية، غير أن معظم المسؤولين في الحكومات العربية وفي الإدارات والهيئات الاقتصادية، وصلتهم إيضاحات الموقف الصيني من خلال زيارات بعض قياداتهم إلى بكين في العام 2013، ومن بينهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والرئيس اليمني عبد ربه منصور، والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وكذلك زار الصين نحو 24 مسؤولاً عربياً في العام الماضي 2013، من بينهم ستة وزراء خارجية من مصر والسعودية وسوريا والسودان واليمن والصومال، كما قام العديد من المسؤولين الصينيين بزيارات لمنطقة الشرق الأوسط، شملت معظم البلدان العربية.

ولكن مع ترحيب الجانب العربي بالجهود الصينية لتطوير التعاون بينهما، فإن معظم المسؤولين العرب وخصوصاً في بعض دول الخليج، اعتبروا أن “الفيتو الصيني” مهما كانت أسبابه، فإنه موقف سياسي لا يرقى إلى مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي سجلت تطوراً كبيراً في السنوات الأخيرة.

ورغم ذلك، فقد استمرت هذه العلاقات بتطورها الملحوظ واللافت للمراقبين.

واستضافت الصين في 9 ديسمبر/ كانون أول الماضي، الدورة الخامسة لمؤتمر رجال الأعمال العرب والصينيين، والدورة الثالثة لندوة الاستثمارات لمنتدى التعاون العربي الصيني، وذلك بمشاركة نحو 500 شخصية عربية وصينية من الرسميين وقيادات الغرف العربية ورجال الأعمال والهيئات الخاصة بترويج الاستثمار والشركات المتخصصة في قطاعات التمويل والاستثمار، والطاقة والتعدين والكيمياء، والاتصالات والالكترونيات، والمقاولات والبناء، وغيرها.

وجرى، في إطار المنتدى، توقيع العديد من الاتفاقيات للتعاون في شتى المجالات التجارية والاستثمارية.

وفي 17 يناير/ كانون ثاني 2014، عقدت في بكين الجولة الثالثة للحوار الاستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، وبحث الجانبان إقامة منطقة التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون والصين.

التجارة والاستثمار

ووفق بيانات المجلس الصيني لتنمية التجارة الدولية، فقد بلغ حجم الحركة التجارية بين الصين والبلاد العربية أكثر من 222 مليار دولار في العام 2012، منها 155 مليار دولار حصة دول مجلس التعاون الخليجي، وأهمها السعودية بنحو 75 مليار دولار.

وتعتمد الصين بشكل رئيسي على نفط منطقة الخليج، وقد استوردت في العام 2012 أكثر من 55% من احتياجاتها النفطية من دول مجلس التعاون، ويتوقع أن تصل الى 65% بحلول العام 2015.

ومع تعزيز العلاقات الاقتصادية وتطور عمليات الاستثمار المشتركة وصل عدد الشركات الصينية التي لها فروع في دبي وحدها إلى أربعة آلاف شركة، وبلغ حجم اتفاقيات مشروعات المقاولات للشركات الصينية في دول الخليج إلى 71.3 مليار دولار، موزعة على قطاعات التعمير وبناء الطرق والجسور والموانئ ومحطات توليد الكهرباء والاتصالات وغيرها.

وبذلك أصبحت الدول الخليجية الست، ثامن أكبر شريك تجاري للصين في العالم، وثامن أكبر سوق للمنتجات الصينية، وتاسع أكبر سوق تصدير للصين.

وأكدت دول الخليج في بيانات رسمية، أنه تم الاتفاق على خطة عمل مشتركة للتعاون الثنائي مع الصين تمتد حتى العام 2015، وتتضمن آليات وبرامج تعاون في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والاقتصاد والزراعة والمواصلات والسياحة والتدريب، بالإضافة إلى المجال المالي ومجالات التعاون الأخرى.

ويبدو أن العام 2015، سيكون عاماً مميزاً، حيث سيحتفل الجانبان الصيني والعربي على مرور 60 سنة على العلاقات الاقتصادية القائمة بينهما.

وبما أن أول اتفاقية للتعاون التجاري، وقعتها الصين في العام 1955 وكانت مع لبنان، وأن اللبناني، عدنان القصار، وهو رئيس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية، كان أول رجل أعمال عربي يقيم علاقات اقتصادية وتجارية مع الصين، فقد تقرر أن يعقد منتدى التعاون العربي الصيني دورته السادسة في لبنان في العام المقبل.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here