الصين الرابح الأكبر من عزل “ترامب”.. و”بايدن” مضطر إلى التهدئة والتعاون معها لإنجاح برامجه الداخلية

د. طارق ليساوي

تابعنا بالأمس خطاب “بايدن” بمناسبة حفل  التنصيب، الخطاب عموما لا يحمل أي جديد و ركز بشكل أكبر على الداخل الأمريكي ، أما في الخارج فهو يؤكد عل عودة الولايات لقيادة العالم ، و الشيء المؤكد بالنسبة لي أن إدارته ستكون إمتداد لرؤية و استراتيجة الرئيس السابق “أوباما”، و يلاحظ ذلك من خلال الخطاب و من خلال فريق العمل الذي إختاره “بايدن” …

مبدئيا ما ينبغي التنبيه إليه هو ضرورة التحفظ و عدم المراهنة كيرا على الإدارة الجديدة، و كلامي هذا موجه إلى الشعوب العربية و الإسلامية و خاصة الفئات التي تتطلع إلى التغيير و التحول الديموقراطي في بلدانها، فالإدارة الجديدة لا تختلف كثيرا عن إدارة “ترامب” و لعل الفرق بينهما أن “ترامب” كان واضحا و غير دبلوماسي في تعاطيه مع مختلف القضايا الدولية، فهو يحترم القوي و يهين الضعيف، بينما “بايدن” أو “أوباما” أو “كلينتون” فهم متمرسين في السياسة ، و يختارون كلماتهم و خطابهم السياسي بعناية و دقة ، لكن التوجه على الأرض لا يختلف بالمطلق عن سياسات “ترامب”…

فمن زاوية التفاؤل يحق للصين أو إيران أو تركيا أن تتفاءل بإمكانية التوصل لتسوية مع الإدارة الجديدة ، لأن هذه البلدان لها من أوراق الضغط و مقومات القوة ما يؤهلها للتفاوض مع أمريكا و فرض أجندتها، فخطاب “بايدن” يعبر عن بعض الملامح الناظمة لإستراتيجيته القادمة ، فتركيزه على إدارة أزمة كورونا و تداعياتها الاقتصادية و المالية ، يقتضي طبعا بيئة دولية مستقرة و تحالفات منسجمة مع تصوره، و هنا سوف نجده يتجه إلى تسوية خلافاته مع الصين و الانتقال من المواجهة و الصدام إلى التهدئة و الحوار و التعاون، و هذا التوجه عبرت عنه أيضا بكين، منذ إعلان فوز “بايدن” رسميا و بعد أحداث إقتحام الكونغرس..

فالقيادة الصينية  تؤكد على مبدأ الحوار و الإتفاق مع واشنطن، و هو ما عبر عنه وزير الخارجية الصيني، “وانج يي”،فقد صرح قبل أيام و قال بوضوح بأن  العلاقة بين بلاده والولايات المتحدة وصلت إلى “مفترق طرق جديد”، لكن يمكن لهذه العلاقة أن تعود إلى المسار الصحيح، مشيرا إلى أن سياسات واشنطن تجاه بكين في الآونة الأخيرة أضرت بمصالح البلدين وجلبت مخاطر جسيمة للعالم، و قال بأن  هناك فرصة أمام الجانبين لفتح نافذة جديدة من الأمل، وبدء جولة جديدة من الحوار و هي دعوة صريحة  للإدارة “بايدن” بأن الصين ستختار طريق التفاوض و التعاون و التهدئة، فسياسات “ترامب” ألحقت ضررا كبيرا  بالصين خاصة بعد تفشي وباء كورونا المستجد…و قد أكد  الوزير الصيني واشنطن إلى ضرورة  إحترام الخصوصية الصينية و احترام النظام الاجتماعي ومسار التنمية اللذين اختارتهما الصين، وقال لو أن واشنطن تتعلم من الدروس لأمكن إيجاد تسوية  لخلافات البلدين…

ف”بايدن” بخلاف كل الخطابات فهو مضطر إلى التهدئة مع الصين، على الأقل مؤقتا، لأننا ينبغي أن نضع في المقابل أن أمريكا بحكم الأمر الواقع لم تعد اللاعب الوحيد على الساحة الدولية إن على مستوى النظام الاقتصادي أو المالي أو السياسي …فالصين اليوم تشكل أرضية لتحالفات دولية تشمل مجموع العالم و تسيطر تدريجيا على مفاصل العالم و يكفي هنا الإشارة إلى مبادرتين تقدهما الصين و لهما تأثير بالغ الأهمية في محاصرة أمريكا و تقييد هيمنتها على العالم و مقدراته ، فالصين تحاول أن تؤسس لعولمة بخصائص صينية ، و لنظام تجاري و مالي خاضع لليوان بدلا من هيمنة الدولار ..

المبادرة الأولى : “الحزام و الطريق”  عولمة بالخصائص الصينية:

 “الحزام والطريق”، هي المبادرة التي أطلقتها الصين عام 2013 لإحياء طريق الحرير القديم، وهو الأكبر على مستوى المساحة والكلفة المالية، بعد مشروع “مارشال” لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تغطي النسخة الجديدة من طريق الحرير أكثر من 68 دولة…والمبادرة خطة صينية لتوسيع الممر التجاري لبكين، وتعزيز الروابط التجارية ونقل السلع والبضائع بين آسيا وأوروبا وإفريقيا بضخ قروض لإقامة شبكة من البنية التحتية تربط بين القارات الثلاثة، وتشمل عدد من الطرق البرية والبحرية بما في ذلك مرافئ وسكك حديدية ومطارات في مناطق مختلفة.

وعلى الرغم من مرور 7 سنوات على إطلاق المبادرة لا تزال تفاصيلها تعاني من ضبابية شديدة، على الصعيدين النظري والتنفيذي، حيث يطغى على معظم أخبارها الطابع الدعائي والترويجي… و قد إزداد هذا التعتيم و الضبابية مع تفشي وباء “كورونا”، و الذي ألحق ضررا اقتصاديا و معنويا بالصين.. فمن دون شك، أن القوة الناعمة للصين أصبحت على المحك ، و الصين مطالبة بترميم صورتها التي تضررت، نتيجة للدعاية الغربية عموما و الأمريكية خاصة، التي جعلت الفيروس مرتبط بالصين ” الفيروس الصيني”..

لكن في نفس الوقت يمكن أن يكون هذا المشروع طوق نجاة للصين، في ظل الهجمة الغربية الشرسة التي تعرضت لها طيلة عام 2020 ، و أيضا في سياق النزعة الحمائية التي انتهجتها العديد من البلدان الغربية، التي كانت مهدا للتحرير الاقتصادي و إلغاء الحمائية… فالصين اليوم في أمس الحاجة إلى مشروع “الطريق و الحزام” ،  لأنه سيمكنها من التحكم في فضاء سياسي واقتصادي، يمتد على قارات العالم القديم ويعيد تعريف شكل التحالفات المقبلة وطبيعتها…

و في سياق تنفيذها لهذا المشروع راهنت الصين على الدول الفقيرة والمتعثرة للقبول بقروضها السخية، فأنشأت شبكة طرق في “باكستان” ومحطة قطارات في “كازاخستان” وميناء بحري في “سريلانكا” وصولاً إلى إنشاء جسر جديد في لاوس …(و قد رأينا في المقالين السابقين المخاطر الناجمة عن هذه المشاريع التي تمت بتمويل صيني..)

كذلك، حرصت الصين على إغراء دول تعاني كثافة سكانية كبيرة، وعجزا في التنمية الاقتصادية والبنى التحتية،  فوسعت من  استثماراتها على مساحة جغرافية  تضم نحو  63% من سكان العالم عبر مشاريع كبيرة ومعقدة تحاول بناءها في دول من مناخات سياسية واقتصادية صعبة…لذلك فإننا نعتقد أن الشراكة مع الصين في ظل الظروف و الشروط الراهنة لا تخدم التنمية بالبلدان النامية المشاركة في مشروع “الطريق و الحزام”..

المبادرة الثانية : إتفاقية أسيا و المحيط الهادي ”  RCEP “:

في الوقت الذي يكرر “بايدن” مقولته بأن  أمريكا ستعود  لقيادة العالم، و أن العالم شهد في السنوات الماضية “صعود الديكتاتوريات” و هو يعني ضمنا الصين ، لكن الثقة المفرطة التي يعبر بها بايدن لا تنسجم مع الواقع الدولي ، ففي الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة أكبر كارثة صحية و اقتصادية في تاريخها كالحديث، و لم تستطع بعد محاصرة فيروس كورونا و عدد الإصابات و الوفيات لا زال في تصاعد مستمر… في ظل هذه الظروف، نجد أن الصين منذ فترة تتجاوز الشهرين، لم تسجل أي إصابة بالفيروس في صفوف مواطنيها، و أن الإصابات المسجلة هي من قبل الوافدين على الصين، بل إنها تشهد عودة الإقتصاد الصيني لسابق عهده ، بل إن الصين توسع خياراتها التجارية و الاقتصادية في مواجهة أمريكا و حلفاءها الغربيين تحديدا …

فالرئيس “جو بايدن” من دون شك يعلم  بتوقيع الصين و العديد من الدول في أسيا و المحيط الهادي يوم الأحد  15 تشرين الثاني – نوفمبر 2020، أكبر اتفاق للتجارة الحرة فى التاريخ وهو اتفاق “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” المعروف إختصارا ب “RCEP” ، فهذا الاتفاق ينقل عمليًا قيادة التعددية الاقتصادية والتجارة الحرة، و العولمة الجديدة إلى الصين وحلفائها، وهو ما يفرض على أمريكا  خيارات مغايرة لسياسات إدارة “ترامب”، عندما نزع إلى تبني الحمائية ورفض المعاهدات والاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف… ولتوضيح أهمية هذا الاتفاق يكفي الإشارة إلى  الملاحظات التالية:

أولا- الاتفاق يشمل ما يقرب من ثُلث سكان العالم، ونحو 30 % من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، وهو ما يمثل شراكة اقتصادية إقليمية شاملة تتضمن تخفيض الرسوم الجمركية تدريجيًا ومكافحة الحمائية، وتعزيز الاستثمار، إلى جانب السماح بحرية حركة البضائع والخدمات والاستثمارات داخل المنطقة، حيث تشمل الاتفاقية (الصين واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا) إلى جانب الأعضاء الـ 10 فى رابطة دول جنوب شرق آسيا الآسيان (بروناى وفيتنام ولاوس وكمبوديا وتايلاند وميانمار وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا والفلبين)، ورغم انسحاب الهند التى شاركت فى المناقشات مبكرًا، بسبب مخاوف تتعلق بالواردات الصينية الرخيصة، قالت الدول الأعضاء، إنه لا يزال هناك متسعًا أمامها فى أى وقت بعد نفاذ الاتفافية للانضمام إلى (RCEP) كما يمكن لأى دولة غير ذلك الانضمام بعد 18 شهرًا…

ثانيا-على الرغم من أن الصين ترتبط باتفاقيات تجارة حرة ثنائية مع عدد من الدول، لكن هذه المرة الأولى التى تُبرم فيها اتفاقًا تعدديًا، يتم الجمع فيه بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية في اتفاقية تجارية واحدة، خاصة و أن هناك نزاعات تاريخية ودبلوماسية سابقة، بين الصين واليابان من جهة ؛ بين اليابان وكوريا الجنوبية من جهة أخرى ، و هذا يعني أن الصين نجحت في تغيير بوصلة حلفاء أمريكا التاريخيين بالمنطقة…

فالموقف المتشدد الذي تبناه “ترامب” في مواجهة الصين، عمليا هو الاختيار الاستراتيجي للدولة العميقة  في  الولايات المتحدة و هو نفس التوجه الذي سيسير فيه “بايدن” و إدارته ، لأن وقف الصعود الصيني مسألة مصيرية لحماية المصالح الحيوية لأمريكا ، فقد رأينا أن إستراتيجية “ترامب” تجاه الصين حظيت بتأييد واسع داخل أمريكا ، و ساهمت بشكل مباشر في النتائج التي حققها في الانتخابات الأخيرة، بل إن قاعدة واسعة من معارضيه يؤيدون قراراته و يصفقون لها، لأنها تصُبُ في مصلحة منع هجرة الوظائف و رؤوس الأموال إلى الخارج…فهذه التذابير من دون شك، سَتسُهم في المدى القريب في  تنمية و تحفيز الإقتصاد الأمريكي، بل ستفرض على الشركات و المؤسسات الصناعية التي تريد ولوج السوق الأمريكي البحث عن أساليب للتكيف مع الرسوم الجديدة ،ومن ذلك البحث عن نقل الإنتاج إلى الداخل الأمريكي..

 لكن هذا التوجه يضر بالإقتصاد الأمريكي على المدى المتوسط و يشكل أكبر تهديد للهيمنة الأمريكية …فالولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد في الساحة الدولية فقد ظهر منافسين جدد، ويملكون من المؤهلات و القدرات المالية والسياسية ووسائل الضغط ما يمكنهم من كبح جماح الإندفاع الأمريكي…فما تعتبره الإدارة الأمريكية  إنتصارا و حصارا للصين على المدى القريب يمثل على المدى المتوسط و البعيد أخر مسمار في نعش العصر الإمبراطوري الأمريكي، فالسياسات العدوانية التي تبناها ترامب ، غيرت خريطة التحالفات الدولية ودفعت بحلفاء أمريكا، إلى الإبتعاد عنها و البحث عن بدائل و ترتيبات دولية موازية، لمواجهة الهجمة الأمريكية المهددة لأساسيات العولمة المالية و الإقتصادية،  التي تشكلت و توسعت  بعد الحرب العالمية الثانية بهندسة و تخطيط و تنفيذ أمريكي بدرجة أولى…

و بنظري فإن مصير الهيمنة الأمريكية و الرفاه  الإجتماعي و النمو الاقتصادي بداخل أمريكا  و هيمنة الدولار على النظام المالي و التجاري الدولي، أصبح رهينا  بالموافقة الصينية على استمرار الوضع القائم ..فموقف القيادة الصينية المهادن لأمريكا نابع من خشية الصين من مزاجية إدارة “ترامب”، و بموضوعية شديدة و بحسب أكاديميين معتبرين بالصين ومنتمين  للحزب الشيوعي، فإن القيادة الصينية تتعامل مع “ترامب” بتحفظ شديد ، و تدرك جيدا أن الرجل خطر يهدد الاقتصاد الصيني،و قد شبه أحد الأصدقاء ب “قاطع طريق” الذي ندفع له إتاوة لإتقاء شره..

و علينا الاقرار أن  “فعالية” ترامب “المؤقتة” و”قدرته الأنية” على تحقيق بعض المكاسب و التنازلات من قبل الصين ، نابعة من تهور الرجل و جنونه و لسان حاله : “عَلَيَّ و على أعدائي”.. فالصين بدورها غير قادرة على المجازفة في الوقت الراهن وذلك للأسباب التالية:

  • الصين غير مستعدة-على الأقل في المدى المنظور- للمجازفة بتحمل تبعات أزمة إقتصادية عالمية تضُر بتوازناتها الماكرو إقتصادية، واستقرارها السياسي و الإجتماعي..

  • الصين تمتلك إستثمارات ضخمة بالدولار في الولايات المتحدة، وهي من دون شك تخشى من الإنهيار الفجائي لقيمة الدولار ، لأن في ذلك تبخر لإحتياطياتها المالية المُقومة بالدولار..

  • الصين مستفيدة من الوضع الدولي القائم، فصادرات الصين باتجاه السوق الأمريكي تجاوزت سقف 500 مليار دولار، بفائض تجاري يصل نحو 300 لصالح الصين، كما أن الصين تحقق فائض تجاري مع أغلب بلدان العالم، فهي تجني مكاسب الإنفتاح التجاري و سياسة التجارة الحرة التي أرستها أمريكا…

لكن  الإبتزاز الأمريكي للصين من الصعب أن يستمر إلى ما لا نهاية، فهذه الأخيرة تحاول الخروج من المصيدة بالتدريج، ودون إحداث هزات إرتدادية عنيفة قد تمس إستقرار الداخل الصيني، و في حالة تمكنها من خلق بدائل أمنة ، فستكون العواقب وخيمة على الولايات المتحدة، و قد رأينا كيف أنها توسع خياراتها الاقتصادية و التجارية ، و تحاول تشكيل تحالف دولي مساند لرؤيتها التنموية و الدبلوماسية…

فصعود “بايدن” و عزل “ترامب” خطوة إيجابية لصالح الصين لأنها تخلصت من عقلية “ترامب” التي يمكن وصفها بالجنونية و المتهورة، مع العلم أن هذا الأسلوب له تأثير بالغ الأهمية في الضغط على القيادة الصينية، فمبدأ الرجل و جنونه و لسان حاله : “عَلَيَّ و على أعدائي”.. يرهب الصين، فالصين بدورها في حاجة إلى بيئة دولية مستقرة لضمان استمرار نهجها التنموي، لذلك أعيد التأكيد لا ينبغي المراهنة على الخلاف الصيني الأمريكي فكلاهما محتاج للأخر …و هو ما سنحاول توضيحه في مقال موالي ان شاء الله ..والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون…

أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق ٱسيوي. أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة…

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here