الصومال.. مبادرة “ولو بشق حجر” للمساهمة بترميم المنشآت الحكومية

 مقديشو / الأناضول

بعد نحو ثلاثة عقود من الخراب والدمار، تسعى الحكومة الصومالية لرد الاعتبار للمسرح الوطني واستعادة رونقه من جديد، من خلال مبادرة تطوّعية أطلقتها بهدف ترميم المنشآت الحكومية التي دمرتها الحروب الأهلية.

يستقبل “المسرح الوطني” يوميًا نحو 400 شاب متطوع؛ بينهم موظفون حكوميون وغير حكوميين في محاولة لإعادة بناء ما دمره آباؤهم خلال الحروب التي أكلت الأخضر واليابس.

في الساحة الأمامية للمسرح، تبدأ أعمال توزيع الأدوار على المتطوعين صباح كل يوم؛ ما بين منكب على إزالة القاذورات ورص الأحجار، لمساعدة عمال البناء فيما يعكف آخرون على تنظيف أقسام المسرح، وهدم الجدران الآيلة للسقوط.

متحدثًا إلى الأناضول، قال شرماركي عبد الله صلاد، (موظف حكومي ومتطوع)، إنه في غاية السعادة لمشاركته في مثل هذه المبادرات.

وأكد أن أغلى شيء عند المواطن، هو أن “يساهم في بناء بلده ولو بشق حجر”.

وأشار إلى أنه وكثير من أقرانه ملتزمون بتحقيق حلمهم بالمساهمة في إعادة بناء المنشآت الحكومية، لتكون ثقافة وتاريخًا يورثونه لأبنائهم والأجيال القادمة.

من دون كلل أو ملل، يعمل المتطوعون نحو 6 ساعات يوميًا، يستمدون طاقاتهم من كلمات أناشيد وطنية وأغانٍ تقليدية تصدح في أرجاء المسرح، تؤجج حماسهم، وتجدد نشاطهم، وتبدد متاعبهم.

على حجر، تجلس الشابة المتطوعة أسمهان علي محمد، لتأخذ استراحة قصيرة بعد 3 ساعات من العمل المتواصل، قبل أن تقول للأناضول والغبار يزين وجهها: “مشاركتي في هذا العمل التطوعي تشكل بالنسبة لي فخرًا عظيمًا، وأنا محظوظة جدًا لأكون جزءاً في بناء بلدي”.

وأشارت إلى أن الجيل الجديد يتوق إلى مثل هذه الأعمال التطوّعية، وكان ينتظر منذ عقود من يرشده ويقود زمام المبادرة؛ داعية المجتمع الصومالي للمساهمة في هذه الأعمال التي تنير درب الوطن.

ويقول القائمون على المبادرة، إنها تستهدف المنشآت التي بُنيت تطوعيا في عهد الحكومة المركزية التي انهارت عام 1991 إبان الحرب الأهلية، واليوم يعيد التاريخ نفسه طالما الوطنية حية في قلوب الصوماليين حيث يجري ترميم جميع المنشآت الحكومية.

من جانبه، قال المنسق العام في المبادرة، إسماعيل معلم عبد الله، إن أعداد الراغبين في الانضمام تقدر بالآلاف، وتتجاوز العدد المطلوب وأغلبهم موظفو، ما يعكس جاهزية المواطن الصومالي للمساهمة في بناء وطنه رغم الآلام التي يعيشها في مراحل حياته الحاضرة والماضية.

وأوضح في حديث للأناضول، أن المبادرة التطوعية ستشمل المسرح الوطني، والمتحف الصومالي، والمستشفيات الحكومية، والمكتبة الوطنية، والتماثيل الوطنية، واستاد مقديشو، ومركز الحرف اليدوية إلى جانب بعض كليات الجامعة الوطنية.

ويشارك المتطوعون يوميًا في خدمة المبادرة، حيث يتناوب العمل موظفون بالوزرات، وطلبة المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني إلى جانب مجموعات من المغتربين الصوماليين من أجل المساهمة في الخدمة الوطنية الجليلة.

وسبق أن أطلق رئيس الوزراء الصومالي، حسن علي خيري، مبادرة الأعمال التطوعية في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، لإعادة بناء المنشآت الحكومية بهدف تشجيع المواطنين على الأعمال التطوعية، وترسخيها في حياتهم اليومية.

سِجل تاريخ تدمير المسرح الوطني، لا يقتصر على الحروب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، بل يمتد إلى الوقت الراهن حيث تعرض لهجمات انتحارية في محيطه وداخله نفذتها حركة “الشباب”، ما يجعله شاهدًا عبر الأزمنة على الصراعات الصومالية المختلفة.

ويعاني البلد المضطرب الواقع شرقي إفريقيا من هجمات متكررة لحركة “الشباب” المتمردة منذ نحو عشر سنوات.

وأوقعت هجمات الحركة 2078 قتيلًا و2507 جرحى، بين يناير/ كانون الثاني 2016 و14 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، حسب الأمم المتحدة.

في زوايا وأطلال المسرح، تتوارى حكايات وأسرار كثير من الصوماليين الذين عاصروه عندما كان أكبر منصة ثقافية لتوعية المجتمع، ويستهوي أفئدة عشاق الفن والموسيقى الصومالية.

“للإنسان دائمًا حنين في ماضيه”، بهذه الكلمات استهل حديثه للأناضول أبوكر عثمان، (65 عامًا)، وهو أحد رواد المسرح قبل 30 عامًا، مستجمعًا ذكريات لياليه بحلوها ومرها.

قبل كل حكاية يرويها، ينظر “أبوكر” إلى السماء، وكأنه يخطف منها الكلمات، ثم يهرول إلى المقعد الذي كان يجلس فيه إبان الزمن الجميل، يسترجع تفاصيل من أروع الروايات التي شاهدها، ومنها راوية “مشاكل الحب” عام 1984.

ومضى قائلا إن عادوا لك الأماكن القديمة فمن يعيد لك الأصدقاء القدامى في إشارته لأصدقائه الذين سهروا وعاصروه ورحلوه في حياته.

واعتبر “أبوكر”، أن إعادة ترميم المسرح الصومالي تُساهم بشكل فعال في صون ثقافة وتقاليد المجتمع في ظل غزو الثقافات الأجنبية طوال السنوات الماضية.

وفي مقديشو، تشكل قاعات الفنادق مسرحًا للفنانين الجدد بعد توقف المسرح الصومالي عن العمل بفعل الحروب والصراعات، حيث تغيبت السينما والروايات التي كانت تشكل يومًا ما مصدر إلهام للمواطنين عن الوجود.

والمسرح الوطني كان منبرًا؛ ليس للفن الصومالي فحسب، وإنما لثقافة القرن الإفريقي حيث يتألف من ثلاثة طوابق، ويضم ساحة كبيرة لمشاهدة الروايات تسع نحو 1500 مشاهد، وفقًا للقائمين على المبادرة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here