الصندوق الأسود بين الدهاء الغربي والغباء العربي: من يملك اسرار مقتل خاشقجي

د. وائل عواد

كنت أبحث بين القصاصات القديمة لما كتبته في صحف عربية ولفت انتباهي تحقيقات كتبتها لجريدة  المدينة السعودية قبل 22 عاما” عندما وقع حادث تصادم بين طائرتين مدنيتين فوق سماء العاصمة الهندية دلهي 12-11-1996 وقمت بتغطية الحدث لتلفزيون الشرق الأوسط والصحيفة السعودية التي طلبت مني ذلك.وطالما أن الأخبار عن السعودية تملأ صفحات الجرائد العربية والعالمية ومازال الحوار جاريا” على الشاشات المرئية ،وجدت فرصة للدخول في هذه الجوقة واستذكر السبق الصحفي في نقل الخبر.

السبق الصحفي الأول ،كنت من الأوائل الذين علموا بالحادث في نادي المارينز في دلهي يومها، عندما حضر كابتن طائرة نقل أمريكية إلى النادي وقال أنه شاهد قبل قرابة نصف ساعة ، نار تندلع في السماء وعلى ما يبدو حادث تصادم بين طائرتين وبالفعل تأكد الخبر أن طائرة سعودية مدنية وأخرى  كازاخستانية تصادمتا في الأجواء الهندية سقطتا على بعد 80 كم  بقرية شارخي دادري غربي العاصمة دلهي .وبدأنا بتغطية الحدث الأليم و هرعنا إلى مكان سقوط الطائرتين ولم يكن هناك صعوبة في الوصول لمكان الحادث وتغطيته بشكل دقيق ومهني. واستمريت في متابعة الحادثة والتحقيقات لكشف النقاب عن ملابسات الحادث الذي راح ضحيته جميع ركاب الطائرتين.وكانت صحيفة المدينة،تنشر الأخبار يوميا” وكذلك تلفزيون الشرق الأوسط الذي  كان مقره يومها في لندن .كانت صعوبة التغطية  في فرق الوقت بين نيودلهي وغرينتش التي سرقت النوم من عيوني خصوصا” مسألة اللقاءات المباشرة في نشرات الاخبار و كانت الساعة متأخرة في الهند لاطلع المشاهد العربي على التفاصيل .على اية حال , كل تفاصيل التغطية مازالت موجودة واللقاءات مع المسؤولين الهنود وأسر الضحايا وشهود عيان وغيرهم .الصعوبة الكبرى التي كنت أواجهها هي الحصول على تصريح من مسؤول سعودي وفي كل مرة اتصل بالسفارة  يقولون لي: راجع الرياض!

السبق الصحفي الثاني، كان محتويات الصندوق الأسود للطائرة وفك الشيفرة للمحادثات بين برج المراقبة ومع كل من كابتن الطائرة الكازاخستانية والسعودية والتي تبين من خلالها خطأ في حساب المسافات التي حددها برج المراقبة  إلى كابتن الطائرة الكازاخستانية والتي أدت إلى التصادم . كانت المهمة شاقة في الوصول إلى أحد المسؤولين  المشرفين  من فريق التحقيق. قمت بتزويد الصحيفة السعودية بالتفاصيل الدقيقة للمحادثات وساعدني في ذلك أيضا” أحد الاخوة السعوديين الذين كانت تربطني به علاقات طيبة في دلهي .بقينا لساعات طوال طيلة الليل قضيتها في  ترجمة الشيفرة وكنت ارسل الأخبار تباعا” للصحيفة التي تأخرت بإصدار عددها بانتظار التفاصيل كاملة وبالفعل تم ذلك. انفردت جريدة المدينة بنشر التفاصيل وبيعت عشرات الآلاف من النسخ . وبعد أكثر من أسبوع من نشر جريدة المدينة للتفاصيل محتويات الصندوق الأسود، أكد مساعد وزير الدفاع  والطيران المدني السعودي الأمير فهد بن عبد الله  للصحيفة :”أن ما نشرته صحيفة المدينة يتطابق تماما” ومحتويات الصندوق الأسود للطائرة “. ونشرت الصحيفة تصريحاته على صفحتها الأولى كما هو مبين  …

تذكرت هذه التغطية وصعوبة الحصول على المعلومة من الجانب السعودي الرسمي إلا بالعودة إلى الرياض وبين ما يجري من تغطية وتداعيات حادثة قتل الصحفي جمال خاشقجي وجثته التي مازالت مفقودة . من لديه الصندوق الأسود ؟ الجميع لديه تسجيلات استخباراتية ومتابعة القضية معقدة ومحبكة بأحكام والرياض تجنبت الرد الفوري وفسحت المجال لجميع الاحتمالات والسيناريوهات.

لوكان الجانب السعودي قطع الطريق على خصومه من البداية واعترف بالجريمة وألقى القبض على المتهمين وإخضاع المشتبه بهم للتحقيق لكان الموقف تغير، ولم تأخذ هذه القضية أبعادا” دولية .لكن يبدو أن الرياض ساهمت في اقناع العالم بان الجريمة وراءها ولي العهد وإن لم يكشف النقاب بعد .الجميع يعلم ان ولي العهد يسيطر على الاجهزة الاستخباراتية والعسكرية واستطاع تطويع  معارضيه ومنافسيه داخل الأسرة الحاكمة .ولذلك مهما كان كان متقربا” للغرب ومنصاعا” لسياستهم تجاة المنطقة إلا أنهم الآن لن يقدموا له صك البراءة .فالقضية خرجت عن اطارها المحدود واصبحت تهم الرأي العام العالمي ولابد من معاقبة المتهمين وجلبهم للعدالة .

ليس مستغربا” أن يكون أن يكون احد العناصر المسؤولة عن عملية القتل ،قد أعطى التفاصيل لأحدهم وليس مستغربا” أن يكون حصل على ضمانات بعدم التعرض له في حال طلب للتحقيق.ولكن الأهم من ذلك ،تركيا والغرب يملكون التكنولوجيا وأجهزة التنصت والتجسس ويزرعونها في كل مكان . لو أي مكالمة قد تمت بين الرياض والمتهمين أثناء ارتكاب الجريمة فإن ذلك مدّون لديهم وليسوا عاجزين عن الكشف عنها لكنهم يفضلون المراوغة والمساومة والابتزاز المادي والسياسي وإطالة التحقيقات وهذا سيزيد الأمور تعقيدا” ويسيء لدولة إسلامية تحتضن الحرمين الشريفين ولولي العهد بالذات المتهم الرئيسي وهو خادم الحرمين !

لماذا يستخفون بعقولنا؟ هل حقا” نحن سذج أم أغبياء ؟هل حقا” يعكس قادة العرب صورة حقيقة عن شعوبهم؟ الحكومات الغربية تمارس الدهاء مقابل الغباء لدى البعض من قادتنا وتجّرنا نحو الهاوية بملء إرادتنا .بعض القادة يجّوعون شعبهم لتبقى ذليلة منصاعة وتقبل بأي حل يفرض عليها. نعيش في عالم بغيض ومؤلم .نتوجع لما يحدث ونمارس ذكاءنا في  استهداف وتدمير بعضنا البعض .نشعل الحروب والفتن ونزرع الضغينة والحقد وتدفع المليارات لننتقم ونثار .

انتكاساتنا هي انتصاراتهم

غباؤنا هو دهائهم

حماقتنا هي حنكتهم

سذاجتنا هي مكرهم

هم يبنون أوطان ونحن نبني مزابل

ديكتاتورياتنا هي ديمقراطيتهم

رموزنا التاريخية هم أساتذتهم

ثرواتنا هي ازدهار لهم

برميل نفطنا أرخص من برميل حليبهم

ثرواتنا الطبيعية هي موروثاتهم

قادتنا وملوكنا هم ملكهم

ضعفنا وذلنا هي قوتهم

 حصادنا من بذورهم

جعجعتنا هي طحين لهم

عندما هربنا من الاعتقال في الزبير بالعراق أبان الغزو الأمريكي عام 2003 ، استلمتنا القوات البريطانية التي علمت بقضيتنا. وبعد ملاسنات مع الضباط البريطانيين واتهامهم بالتقصير في التعامل معنا ، تم نقلنا إلى الكويت . وأتذكر جيدا” عندما كان وزير الإعلام الكويتي مشكورا” على الحدود وهمس ضابط بريطاني باذن رجل من الأمن الكويتي وطلب منه عدم تصويرنا أو إجراء اي لقاء صحفي لأنني كنت قد هددتهم باني سأفضحهم تقاعسهم والفوضى وقلة الخبرة لديهم ومشاركتهم بالغزو مع الولايات المتحدة وإلى ما هنالك .بعد عودتي للهند اتصل بي ضابط استخباراتي من المخابرات البريطانية عرف عن نفسه وأنه يريد مقابلتي للاطلاع على شكواي . وبدأ يتردد للهند يطلب مني التعرف على صور لمعتقلين مازالوا مفقودين او لبعض العراقيين المتهمين بالتقرب مع نظام الرئيس الراحل صدام حسين قد يكونوا وراء عمليات القتل او الاعتقال .وكنت أقول ما أعرفه من معلومات مازلت أتذكر تفاصيلها بدقة  وذلك لقناعتي أن أي معتقل يجب ان يطلق سراحه .وفي إحدى زيارة للضابط البريطاني لمنزلي في الهند ، أراد أن يأخذ عينة من لعابي وهنا صعقت وقلت له أنت تعتبرني مشتبه ؟ لقد استقبلتك لمساعدتك ولكن يبدو أنك لا تفهم ثقافتنا وحضارتنا باكرامي واستقبالي لك في منزلي .أردت مساعدتك طوعيا” ولم أطلب منك اجرا” وانت لست أهلا لذلك. لم يعد بيننا لقاء بعد اليوم وبالفعل كان آخر لقاء معه  ولم أعد أسمع عنه شيئا” .ما أردت قوله لا احد يثق بك حتى ولو كنت صادقا”، أنت عربي  فما بالك لو كنت عميلا” ؟

 الذي يملك الصندوق الاسود بإمكانه حل الشيفرة وتسليم التفاصيل وإغلاق الملف بأقرب فرصة قبل أن يتحّول الصندوق الأسود إلى صندوق باندورا مليء بالديدان والعقارب .

نيودلهي -الهند

www.waielawwad.com

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. باسمه تعالي
    الي كاتب المقال الدكتور وائل عواد
    السلام عليكم
    و هل مقتل خاشقجي هو صندوق اسود؟؟؟؟
    ابو منشار هو القاتل. و القضيه واضحه كالشمس.
    ابو منشار قتل الالاف من الرجال و الشيخ و النساء و الاطفال من اهل اليمن الابرياء و لم يتحرك اي حد من الدول العربيه او الدول الاسلاميه (الا ايران) و الدول الغربيه كلها و التي كانت و لاتزال تساعد ال سعود (و نهم ابو منشار) و شيوخ الامارات. هل تسمي قتل اهل اليمن صندوقاً اسود اخر.
    عجبي!!!!!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here