الصراع القطري السعودي ورجع الصدى المصري

abdala raqidi.jpg666

عبدالله راقدي

أثارت التصريحات المسربة مؤخرا والمنسوبة إلى أمير قطر التي دعا من خلالها إلى إعادة النظر في العلاقات مع إيران باعتبارها قوة إقليمية إسلامية، أو ما تعلق بمنظمتي حماس وحزب الله، حالة من عدم الرضا واﻹستياء والرفض في الرياض والقاهرة وأبوظبي. ترجمت بشن هجوم قوي من قبل وسائل الإعلام المرئية عبر كبريات القنوات التلفزيونية ومقالات الجرائد. حيث أجمعت كلها على شيطنة قطر بل والتعاطي معها على أنها المهدد للأمن والاستقرار في منطقة الخليج. مما أفرز جدلا سياسيا واسعا وتساؤلات عديدة من قبيل: هل الصراع بين بعض دول الخليج مؤشر على تدشين مسعى جديدل إعادة هندسة نظام إقليمي خليجي؟ وهل المستهدف من هذا التجاذب إيران وقوى المقاومة أم أن للصراع رجع صداه الاستهدافي هناك في مصر؟ وإلى أي مدى يمكن الرهان على قدرة السعودية في قيادة قاطرة المنظومة الخليجية الشرق أوسطية الجديدة؟ وهل الصراع مع قطر هو تحصيل لترتيبات ما بعد العولمة؟

        ويكاد مسعى  إعادة ترتيب منطقة الخليج في ظل توكيل السعودية بقيادة المنطقة العنوان الابرز  المتزامن مع وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة والذي يحمل رؤية جديدة للعالم تختلف عما كان قائما خلال الثلاث عقود الأخيرة. فإستنادا إلى شعار”أمريكا أولا”، تبنت إدارته مقاربة التفوق الامريكي على حساب القيادة العالمية. ويستدعي المنظور العمل بإستمرار على حماية مصالحها حيث ما وجدت، وهذا عبر المراقبة والتحكم والسيطرة على مناطق النفوذ. وتأتي زيارة دونالد ترامب إلى السعودية وإبرامه صفقات ومعاهدات بلغت 34 بقيمة 380 مليار دولار، كخطوة تهدف إلى تحصيل ماتراه القيادة الجديدة حقوق أمريكا جراء قيامها بحماية حلفائها ( تسديد الفاتورة مقابل الحماية)، من الارهاب الذي تمثله “حركة حماس، حزب الله وإيران”، علاوة على مسعى الحد من النفوذ الروسي في المنطقة.

       ويبدو أن ترتيب المنطقة بما يضمن خلق نوع من التجانس والتوافق داخل البيت الخليجي وبما يسمح بجعل القيادة عند السعوديين كفيلة بضمان الشروط الإبتدائية قبل الدخول في المواجهة المحتملة مع الخصوم والأعداء المتأهبين، أو المستقبليين. ففي هذا السياق، كتبت الواشنطن بوسط، “يبدو أن هناك عوامل حولت المشهد الجيوبولتيكي في الخليج. وأشارت إلى أن إدارة ترامب تعتزم تبني مجموعة من السياسات الإقليمية التي تتماشى إلى حد بعيد مع الرؤية في أبوظبي والرياض من تلك التي الموجودة في الدوحة.” لكن هل تدرك إدارة ترامب كما كتبت “اندي سليم” بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، “أن الخطوة التي أقدمت عليها دول الخليج أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت إدارة ترامب على دراية بتبعات إطلاق العنان للسعوديين في المنطقة. وهل هو مسعى إلى إنهاء ما يسمى بالظاهرة القطرية؟ أم كونه لا يعدوا أن يكون مساومة رفعت فيها السعودية وحلفائها سقف مطالبهم من أجل إعادة قطر إلى لعب دورها الطبيعي بما يتناسب وقدراتها.

إنها نهاية العولمة السياسية: فأي دور بقي لقطر؟

      ففي سياق العولمة السياسية حيث تسفيه ظاهرة الدولة ذات التراث الواستفالي وعبر تقليص وظائفها وفي اطار حالة الإرباك التصورية التي تعاني منها، تنامى دور قطر ذات الإمكانيات البسيطة لتلعب دور مالئ  الفراغ الجيوبولتيكي. وفرت للولايات المتحدة القاعدة العسكرية العيديد التي كانت المركز الرئيسي لإدارة الحرب على العراق عام  2003 وعلى الطالبان في أفغانستان، فضلا على قيامها بدور الوساطة واحتضانها لمعاهدة الصلح بين حركة فتح وحماس الفلسطينيتين. علاوة على حصولها على حق إحتضان فعاليات كأس العالم 2022. وبحسب صحيفة فاينانشل تايمز“غضبت السعودية لأن البلد الصغير القريب منها يرفض أداء دور ثانوي، وطور سياسة خارجية مختلفة مستقلة، ولهذا فلا يوجد ما هو جديد في النزاع الذي تراكم بين الرياض وقطر، الذي وصل ذروته يوم الإثنين، عندما تحركت السعودية ودول خليجية وعربية أخرى وقطعت العلاقات الدبلوماسية معها.

      وسطع نجمها لأن المنظور الأمريكي العولمي يدعم الإسلام “المعتدل” بعد نهاية الحرب الباردة، في ظل إتهام للوهابية السلفية بالتطرف والإرهاب، وبإعتباره أيديولوجية العنف، مستشهدين بما يحصل من عنف في أفغانستان وباكستان ومناطق أخرى من العالم. وتكرس الامر مع تفجيرات الحادي عشر سبتمبر على إعتبار أن 15 من 17 الخليجيين كانوا سعوديين.

     وازداد التحرك القطري في مصر إبان فترة حكم الإخوان المسلمين ما أشعر السعوديين. أن ثمة إمكانية للتعامل مع الإسلام المعتدل الممثل من قبل الإخوان المسلمون”، فأوعز لقطر لتكون داعمتهم وحاضنتهم لاسيما بعد عزل حكومة مرسي من قبل مؤسسة الجيش. ففي ظل المراجعات الحاصلة بما فيها إعادة التشكيل والضبط الجيوستراتيجي، هل حسمت إدارة ترامب موقفها من قطر باعتبارها جزء من الماضي العولمي في إتجاه السعودية؟ إذن المستهدف إيران ورجع صداه هناك في مصر لطالما كان للسعودية نزعة للقيادة الإقليمية حيث ظلت باستمرار غير مستعدة أن تتقاسم الريادة والدور الرئيس في مجلس التعاون الخليجي، بل وفي العالم العربي في فترة مصر عبدالناصر أو العراق صدام أو الجزائر بومدين. ففي ظل التوازنات الدولية الجديدة لم يعد ممكنا أو مقبولا من الدوحة أن تلعب هذا الدور المتحكم أو المساهم في أداء المنظومة الإقليمية الخليجية. فتبعا لما مخطط له في المنطقة، تعمل السعودية على تلافي أي تهديد جدي لمكانتها ولما هي مكلفة به في المرحلة القادمة، لاسيما في ظل غياب العراق وإنشغاله بمسعى إعادة ترتيب أوضاعه، ومصر المثقلة بمشاكلها السياسية والاقتصادية، سوريا التي تواجه حرب متعددة الأطراف والمستويات، وإنكفاء الجزائر على إعادة ضبط وترتيب أمورها بعد فترة من الحرب على الارهاب. يبقى السؤال المطروح هل قطر هي المستهدفة ومن ثم قوى المقاومة في المنطقة أم قوى أخرى سيكون رجع صدى هذه الأحداث تأثيرا عليها.

        قطر لم تخطئ عندما سعت إلى تبني تيار الإخوان ومن ثم فكرهم كإيدولوجية وإنما أخطأت في عدم تقدير خطوات دعم الإخوان سواء أثناء فترة حكمهم أو بعده.  كان عليها أن تدفع بالإخوان إلى إحداث مصالحة مع تراث حكم يمتد لأكثر من قرن من الزمان، أو بلغة السياسة التصالح مع الدولة العميقة والذهاب بخطوات محسوبة من أجل مصر الأمة والقيادة. أخطأت لأن الفكر الإخواني في عمقه يكرس المركزية والتفوق المصري. ونفس الشيء حصل بعد إسقاط حكم الرئيس مرسي، فعوض أن تتوسط بين الإخوان والمؤسسة العسكري  لاحداث المصالحة وتدعم مصر ماليا بعد بما يؤدي إلى نهضة مصر ويعيد لها مكانتها كقوة إقليمية موازنة، إندفعت في إتجاه تسخير وسائل الإعلام المختلفة والمنابر الدولية من أجل محاربة نظام السيسي ووصفه باللاشرعي والانقلابي. مقابل ذلك ومنذ 2013 إلى غاية إعلان السعودية تشكيل التحالف الإسلامي العسكري قدمت السعودية والإمارات والكويت للنظام المصري مساعدات قدرت قيمتها بأكثر من 33 مليار دولار, كما ساهمت في توفير حاجات مصر من البترول والغاز لمدة خمس سنوات. وساندوا الحكومة مصر في حربها ضد حركة الإخوان،  بل إعتبروها حركة إرهابية تماشيا مع التوصيف المصري.

         إجراءات ساهمت في تعميق سوء التفاهم القطري المصري، بل والحيلولة دون حصول أي مسعى تعاوني أو تنسيق لقيام محور قطري -مصري يكون مهددا لمكانة السعودية كقوة أولى إقليمية. ومثل هذه الاجراءات كفيلة بتجاوز التفسير المباشر الذي يرى في  السلوك السعودي إستهدافا لإيران وحركات المقاومة، للقول أن رجع صدى التعبئة السعودية هناك في القاهرة وفي مركزية مصر كدولة محورية.

       وكون مسار التحول العالمي لايزال في بداياته ستظل المنطقة مسرحا لتجاذب الكثير من جيوستراتجيات مختلف القوى العالمية والإقليمية، وبحيث لن يقتصر الأمر على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها، بل ستعمل روسيا وإيران وتركيا وقوى أخرى على الحضور المباشر،      وإبقاء الشرخ قائما بين أعضاء مجلس التعاون بل وأكثر من ذلك ستسعى لتقديم نفسها كبديل عن لبلدان خليجية من بعضها الاخر،  ولعل تغريدة وزير الخارجية الإيراني ظريف عبر حسابه في “تويتر تصب في هذا الإتجاه قائلا”: “الإكراه ليس حلا أبدا، الحوار أمر حتمي، خاصة، في شهر رمضان الكريم”، مشيرا إلى أن “الجيران دائمون ولا يمكن تغيير الجغرافيا”، ومصادقة البرلمان التركي على نشر قوات تركية بقطر بناء على إتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في 2014.

أستاذ العلاقات الدولية جامعة باتنة .1

E-mail: [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. اوافق استاذ لهذا الطرح المنطقي… المنطقة اصبحت فيها متغيرات كثيرة لدرجة يصعب علي المحللين تحليل السياسات … فالسعودية تري ان قطر خرجت من بيت الطاعة وخرجت عن الجماعة اما قطر فترة انه يحق لهها انطلاقا من سيادتها التعامل مع الدول علي منطق المصلحة البتة…. دخول اطراف مثل تركيا وايران يزيد الجرح عمقا ويوزم الوضع… لكن الي اي مدي ستجح قطر في سياستها الجديدة وما عي اثاره بالنسبة للدول الاخري مثل دول مجلس التعاون وفي حالة فشلها فهنا يعني اثرها بالنسبة للعائلة الحاكمة حاليا … في الحقيقة هي معادلة لاكثر من متغير يصعب التنبؤ بما هو ات….. شكرا للك استاذ مسبقا لتحلليلك

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here