الصراع العربي الصهيوني صراع بين الديمقراطية والاستبداد

 

د. معن علي المقابلة

   مشهد الطائرة التي اقلت رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو ومنافسه زعيم حزب “ازرق ابيض” بيني غانتس في طريقهم للعاصمة الامريكية واشنطن للالتقاء بالرئيس الأمريكي ترمب للإعلان عن رؤيته للسلام او ما اخذ يعرف بصفقة القرن ، وغياب اي زعيم عربي بما فيهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يختصر حكاية الصراع العربي الصهيوني ، هذا الصراع  الذي يمسك بخيوطه ويفرض قوته على الارض الكيان الصهيوني ، هذا الكيان الذي لا يعتمد على قوته العسكرية فحسب بل على قوته السياسية ونظامه الديمقراطي ايضاً ، فليس غريباً هذه الصرامة في التعامل مع حالات الفساد في الطبقة السياسية الحاكمة وان لا احد فوق القانون ، يشهد على ذلك المحاكمات التي ادانت عدد ليس بالقليل من رجال الحكم بتهم الفساد واساءة استخدام السلطة وزجت بهم في السجون ، كرئيس الدولة الأسبق موشيه كاتساف الذي ادين بفضائح جنسية ومالية ، ورئيس الوزراء الاسبق إيهود اولمرت والذي أُدين ايضاً بتجاوزات مالية ، ورئيس حزب شاس ووزير الداخلية الأسبق ارييه درعي ، كما خضع رئيس الوزراء الاسبق أرييل شارون للتحقيق لثلاث سنوات تتعلق بمخالفات في تمويل حملته الانتخابية لرئاسة حزب الليكود عام 1999م ولم تتم ادانته ، بل تم ادانة ابنه عضو الكنيست “عمري” والذي حُكم بتسعة اشهر ودفع غرامة مالية قدرت بـ(65) الف دولار ، أرييل شارون بطل حرب رمضان(أُكتوبر) او حرب يوم الغفران كما يسميها الصهاينة الذي افسد على العرب نصرهم في هذه الحرب باختراقه لثغرة الدفرسوار وغيرها من الانجازات لهذا الكيان ، رغم كل ذلك كان من الممكن ان يدخل السجن ، ولا تشفع له هذه الإنجازات ، كما ويتعرض رئيس الوزراء الحالي نتنياهو لتهم فساد قد تذهب به الى السجن اذا ما أدين ، هذا الزعيم الذي يصول ويجول في عواصم العالم ومنها العواصم العربية لخدمة كيانه والجميع يطلب وده بما فيهم الأعراب.

   عندما تتجاهل الادارة الامريكية اصحاب القضية الفلسطينيين والعرب ، ولا تستطيع تجاهل زعيم المعارضة في الكيان الصهيوني ومنافس نتنياهو وتدعوه للحضور الى جانب الاخير ، فاعلم ان الشعوب هي صاحبة القرار في هذه الدول ، بل ان ما يقوم به ترمب ونتنياهو لا تعدو عن “صفقة”  بين الاثنين لتعزيز حظوظهم في الانتخابات القادمة في بلديهم  والسلعة هي فلسطين ، بينما في المقابل تدرك الادارة الامريكية ان الفلسطينيين والعرب موافقتهم تحصيل حاصل بقليل من الضغط ، لعلمها ان هذه الانظمة تحكم شعوبها بالحديد والنار وان القرار بيدها وحدها ، وهذا ما اكده ترمب نفسه عندما ذكر ان البعض نصحه بعدم نقل السفارة الامريكية للقدس والاعتراف بها اي بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل خوفاً من ردود الافعال العربية سواء الشعبية او الرسمية ، الا انه اتخذ القرار ولم يحدث شيء يذكر الا من بعض الاحتجاجات الشعبية التي تم السيطرة عليها من قبل هذه الانظمة.

مسيرة القضية الفلسطينية ما هي الا مسيرة تنازلات من قبل النظام الرسمي العربي ، هذا النظام الذي لا تزال الكثير من انظمته تحكم في البلدان العربية منذ نكبة فلسطين علم 1948م كالأسر الحاكمة في الأردن والمغرب والخليج العربي ، اما باقي الدول ما هي الا صور اخرى من هذه الانظمة تجمعها نظام الحكم المستبد ، هذه النظم التي اقصت شعوبها من هذا الصراع ، سواء كان هذا المستبد كما يحلو للبعض وصفه صاحب توجهات وطنية كجمال عبد الناصر او صدام حسين الا ان هذين الزعمين اضرا بالواقع العربي ايما ضرر بفعل استبدادهم ، فالأول خسر حرب عام 1967م خسارة مخجلة لا تزال اثارها الى يومنا هذا ، والثاني دمر ما تبقى من تماسك النظام العربي باحتلاله للكويت وفتح الباب على مصراعيه للتدخل الاجنبي فيها.

فاذا كانت مسيرة القضية الفلسطينية مسيرة التنازلات فلم تكن هذه التنازلات لتكون لولا هذه الانظمة المستبدة التي قدمت مصالحها الخاصة  والمحافظة على عروشها ، على قضايا الامة المركزية ،  فلم يكن الفشل مرتبط بالقضية الفلسطينية فحسب بل تعداه الى فشل في التنمية والتعليم والحداثة وتعزيز مفهوم المواطنة لدى شعوبها ، فنظرة فاحصة الى تقرير مؤشر الديموقراطية الذي يصدر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية في بريطانيا (The Economist Intelligence Unit) نجد الدول العربية تتذيل التقرير منذ سنوات ففي السنتين الاخيرتين 2018/2019 كان معدل المؤشر للدول العربية( 3.54 و3.53 )على التوالي من عشرة نقاط ، اذ صنفت خمسة عشر دول عربية أنظمة حكم مستبدة  ، بينما جاءت ثلاث دول ضمن تصنيف انظمة هجينة وهي على التوالي المغرب (5.10) ولبنان (4.36) والجزائر (4.01) اما الدولة العربية الوحيدة التي دخلت التصنيف كدولة ديمقراطية بها نواقص هي تونس (6.72) ، بينما في المقابل نجد الكيان الصهيوني يصنف كدولة ديمقراطية بها نواقص (7.86) اي بفارق اكثر من درجة عن تونس ونحن نعلم ان سياسة هذا الكيان العنصرية تجاه المواطنين العرب داخل “إسرائيل” هي التي تمنعه من دخول التصنيف كدولة كاملة الديمقراطية ، ومخرجات هذا التقرير تنسجم ايضاً مع تقرير منظمة الشفافية الدولية في دراستها عن مدركات الفساد ، فعلى الرغم من تراجع الكيان الصهيوني من (28) في هذا المؤشر سنة 2016 الى (35) سنة 2019 من اصل 180 دولة الا ان الفارق يبقى مرتفعاً بينه وبين الدولة العربية الاقرب اليه وهي السعودية اذ جاء ترتيبها (51).

 الاستبداد بيئة خصبة لترعرع الفساد وهذا الثنائي اسقط دول وامبراطوريات وهذا ما يدركه الكيان الصهيوني الذي يدرك ان اي تساهل بمحاربة الفساد ستجعله دولة هشة في محيط معادي لوجوده ، ويدرك ان النظام الديمقراطي عنصر قوة للدولة ولهذا يحارب بكل قوة التوجهات الديمقراطية في الدول العربية ، ويدعم النظم المستبدة ولو بطرق غير مباشرة او ليس معنياً بان يركز على استبدادها في صراعه معها.

    أخيرً وليس آخراً ، ان صراعنا مع هذا الكيان العنصري والذي يتبجح بانه الدولة الديمقراطية الوحيدة في فضاء جغرافي من الدول المستبدة لابد ان يقوم على أساس ديمقراطي ويستند على تبنى استراتيجية قومية تسعى فيه لاستقطاب حركات التضامن الدولية، وتتبنى فيه خيار المقاومة ، وتفضح ممارسات هذا الكيان العنصري الاستعماري ونظام والأبارتهايد ، كما على منظمة التحرير الفلسطينية ان تنسحب من جميع الاتفاقيات بعد ان تعيد هيكلة نفسها على اسس ديمقراطية وتعود الى اساس نشأتها كحركة تحرر وطني.

باحث وناشط سياسي / الاردن

Maen1964@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. سناء ابو الخطب – القدس المحتلة –
    اتفق تماماً مع ما ذهبيتي اليه ،فالكيان الصهيوني كيان عنصري ، انا في المقال اتحدث عن ديمقراطيته على شعبه من اليهود والديمقراطية ليس خياراً لهذا الكيان بل ضرورة لاستمراره ، ولا احد يختلف انه يمارس كل بشاعته على اهل البلاد الأصليين.

  2. الدكتور معن المقابلة
    علينا ان لا ننخدع بإدعاءات اسرائيل والحلفاء من الدول الغربية حول ديموقراطية هذا الكيان. وانا هنا لا ادافع عن الدول العربية وانما اجزم ان اسرائيل لم تكن يوما ديموقراطية. واليك بعض الامثلة: عندما ضمت اسرائيل القدس في عام 1967 هل اخذت موافقة السكان في القدس؟ وهل قامت باستفتاء سكان الجولان عندما ضمتهم بالقوه ؟ ما يجرى هو فاشية مغلفة بالديموقراطية. يمكن ان يصوت الكنيست بالاغلبية ان نهر الاردن هو نهر اسرائيلي فهل ستسمي ذلك ديموقراطية لانه فاز بالاغلبية وجرى تصويت حر علية؟ ماا لو صوت اي شعب عربي على تبعية مدينة حيفا وكانت نتيجة التصويت لصالح الاغلبية التي تبنت هذا التصوت؟ رغم ان حيفا هي بالاصل عربية ومحتلة. لقد فازت حماس بالانتخابات الفلسطينية فماذا حدث؟ تم محاصرة غزة في اليوم التالي واعتبر ذلك تعصب ديني وليس ديموقراطية علما بان المراقبين الدوليين ومنهم كارتر صرح بان الانتخابات كانت حرة ونزيهه وشفافة.
    ارجو من دكتورنا العزيز ان لا ينخددع بفاشية اسرائيل رغم غلافها الديموقراطي. 6 ملايين فلسطيني يحكمون بالحديد والنار وتصادر اراضيهم وتهدم بيوتهم ويقتل ويسجن ابناؤهم بقرارات يقرها الكنيست الاسرائيلي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here