الصادق بنعلال: عن ملوك الطوائف.. الجدد؟

 

الصادق بنعلال

ما من شك في أن جل المعنيين بالشأن العربي ، من مثفقين و إعلاميين و سياسيين  مدركون تمام الإدراك أن الانهيار شبه الكلي للحياة الاجتماعية العربية لا حل له إلا عبر الإصلاح السياسي الجذري ، و  تبني النظام الديمقراطي المتعارف عليه أمميا ، كوسيلة مثلى لمأسسة الفعل السياسي بعموم المعنى ، حيث المنافسة الحرة و النزيهة على السلطة بين الهيئات السياسية المدنية ذات المرجعية الأيديولوجية المختلفة ، يكون الحكم فيها للشعب ، و الفصل بين السلطات و استقلالية القضاء و الإعلام .. و في هذا السياق يؤكد منظر العقلانية العربية خالد الذكر محمد عابد الجابري ، ( كل كتابة في السياسة هي كتابة سياسية متحيزة ، و نحن متحيزون للديمقراطية ) ، مما يعني من جملة ما يعني أن النضال من أجل الديمقراطية ليس مجرد اختيار تكتيكي ضيق ، بقدر ما أنه قرار النجاة من الطوفان ، إنه موقف استراتيجي صارم لمواجهة التحديات الوجودية في سياق دولي / إقليمي عصيب .

بيد أن الأقطار العربية الصغيرة منها و الكبيرة ، تبدو نائمة في العسل ، مستسلمة لقدرها المأساوي ، غارقة في وحل الصفقات المشبوهة مع الأعداء / الأصدقاء ، و هل هناك فرق ؟ على حساب مصالح شعوبها الحيوية . تحيط ( بالعالم العربي ) دول كبرى ذات مشاريع استراتيجية مفصلية عملاقة ، إسرائيل النووية الساعية إلى تقويض أي عمل عربي وحدي فاعل ، و التواقة إلى الهيمنة الاقتصادية و العسكرية ، و لعب دور المحور في الشرق الأوسط ، و تركيا التي حققت نجاحا أسطوريا في المواءمة بين القيم الإسلامية السمحة و مستلزمات الحياة الإنسانية الراهنة ، و هي الآن ماضية في حماية تجربتها الديمقراطية بأناة و روية و ثبات ، و إيران الدولة الإسلامية الشيعية التي تمكنت رغم الحصار الدولي  الكبير من بلورة قوة عسكرية و سياسية محترمة ، و هي الآن تفاوض المنتظم الدولي بقدر كبير من الكفاءة و الندية . فما هو هامش الفاعلية السياسية المثمرة ” للأمة العربية ” في ظل هذا التحدي غير المسبوق ؟

فأما الزعماء و أصحاب القرار و  ” المعالي و السمو ” ، فقد اختاروا الحكم الفردي التحكمي الاستبدادي        و الاصطفاف إلى جانب الدول الغربية الكبرى أمريكا و إسرائيل تحديدا ، ” محجة بيضاء ” ، و طوق نجاة  مفضلا،  للحفاظ على المناصب مهما كان الثمن ، و لو أدى الأمر إلى اقتراف كل أنواع القمع  الممنهج  والاستئصال و التشهير بالمدافعين عن الكرامة و العدالة و الحرية ، و التصفية المادية و الرمزية للمنافحين عن القيم الإنسانية الرفيعة ، و تجويف الحياة السياسية من قواها الحية ، أما الشعوب العربية البئيسة فلم يتركوا لها إلا سلاح الاحتجاج و العصيان و الانتفاضة ، ضد كل أصناف الظلم الاجتماعي بالغ الخطورة ، و اعتقادنا الراسخ أن الضامن الوحيد لاستمرار الأنظمة العربية و قدرتها على الصمود في وجه الخصوم ، شعوبها الرازحة تحت نير العبودية و الفساد ، و الكرة كانت و ستظل دائما في مرمى  الحكام العرب ، فإما الانحياز إلى الشعب و التطلع إلى العمل العربي المشترك الساعي إلى النهوض التنموي الشامل ، و  إما الاستنجاد بالأجنبي الاستغلالي الميكيافلي ، فنعيش حلقة أخرى من سلسلة ملوك الطوائف حيث الضياع و الخراب و الخسران المبين .

* كاتب من المغرب – باحث في قضايا الفكر و السياسة

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here