الصادق بنعلال: التعليم المغربي أزمة اللغة أم.. لغة الأزمة؟

الصادق بنعلال

1 –  لسنا معنيين بالدفاع الوجداني غير المفيد عن اللغة العربية ، ولا بصوْغ آيات المدح و التبجيل للغة الضاد ؛ فهذه الأخيرة أكثر استعدادا للتعبير عن مكانتها و وزنها و جدواها في ” السوق ” اللغوية الكونية  لكن نجد أنفسنا مضطرين للاتفاق مع المهتمين  العرب و الدوليين المحايدين ، حول الانتشار و الإشعاع الملحوظيْن الذين تعرفهما اللغة العربية في الجهات الأربع من العالم ، بل إنها أضحت من أبرز اللغات العالمية استعمالا، عبر الوسائل التواصلية التقليدية و الإلكترونية ، و بفضل دواعي سياسية و اقتصادية و ثقافية معروفة، سطع نجم العربية في عدد غير قليل من الدول الرائدة في التنمية و العلوم خارج الفضاء العربي الآسن ، و لعل استخدامها في وسائل إعلامية دولية فائقة التطور من قبيل الفضائيات التلفزيونية و المواقع الإلكترونية ، و قدرتها على التعاطي مع مختلف قضايا الإنسان المعاصر السياسية و العلمية .. متناهية الدقة و التخصص ،  من شأنه أن يثبت فرضية  مفادها أن اللغة العربية قادرة  على أن تتسلم قصب السبق، و تنطلق للمساهمة في بناء تجربة حضارية مشرفة كما بنتها في الماضي العربي المجيد، و يا للمفارقة ! إذا نظرنا إلى التقارير الدولية الأخيرة للتنمية البشرية، لاستنتجنا دون عناء يذكر أن التعليم الأكثر تطورا في البلدان العربية هو ذلك الذي يستند إلى العربية في تلقين العلوم الدقيقة كالرياضيات و الفيزياء، مثال ذلك الأردن و العراق و سوريا و مصر و فلسطين ،  و يا للغرابة ! فإن الذين يطالبون باعتماد اللغة العامية في التعليم الابتدائي المغربي ، و الفرنسية في تدريس المواد العلمية يعزون تدني مستوى التعليم بالمغرب إلى اعتبارات تعوزها البراهين المقنعة ، من قبيل عدم  التنفيذ الفعلي لمضامين الوثائق و المشاريع التربوية المتوالية : كالميثاق الوطني للتربية و التكوين ، و الحال أن هذا الميثاق يوصي بوضوح  بالتوسل باللغة العربية أداة للعملية التعليمية – التعلمية ، و بالتالي   إذا كانت العربية لا تتحمل مسؤولية ضعف المنظومة التعليمية الوطنية فأين الخلل ؟ و كيف يمكن إنقاذ هكذا قضية وطنية بالغة المكانة ؟

2 –  بداية يمكن القول إن عددا كبيرا من المنظومات التعليمية العالمية تشكو من أعطاب بيداغوجية وفلسفية نوعية ، بفعل التحولات الثقافية و الاجتماعية و التربوية ، التي يشهدها الوعي الإنساني الراهن   و هي الآن في بحث مستمر  لا يهدأ عن إمكانيات العثور على الحلول الكفيلة بكسب رهان الصراع على المراتب العليا في النمو و التقدم نحو الأفضل ،. و المغرب كبلد عربي محوري مطالب بإحداث ثورة بنيوية في نسقه التعليمي، و المضي قدما صوب بناء مجتمع المعرفة و الديمقراطية و الحداثة.

و أول خطوة في سبيل إنجاز تجربة تعليمية وطنية منتظرة هي القطع النهائي مع مسلكيات التجريب الآلي و النقل غير الفعال عن تجارب البلدان الأخرى ، و الانشغال بالمعارك و الصراعات المفتعلة التي يذكيها بعض أدعياء الثقافة و المتطفلين على شأن السياسة التربوية  ، و الانكباب على المطارحات  العلمية الجادة ، و الاحتكاك بمستجدات أدبيات الفكر البيداغوجي العالمي ، و تنزيل المواثيق و القوانين التي جاءت نتيجة اجتهادات تربوية و مجهودات وطنية مضنية ، و تفعيل المؤسسات الدستورية ذات الصلة بالمجال التعليمي .

3 – يكفي أن نترجم على أرض الواقع الملموس مشروع قانون أكاديمية محمد السادس للغة العربية ،  قد تم الإعلان عنها سنة 2003 ،  تهدف إلى تعزيز و تحسين اللغة العربية و معالجة اختلالاتها ، و أجرأة مواد و فصول الظهير الشريف بإعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم (2006) ،  من اختصاصاته الإدلاء بالرأي في كل القضايا المتصلة بالمنظومة الوطنية للتربية و التكوين ، و تنفيذ مقتضيات الميثاق الوطني للتربية و التكوين الداعية إلى أن يرقى نظام التربية ببلادنا إلى مستوى امتلاك العلوم و التكنولوجيا المتطورة ، و المساهمة في تطويرها بما يضمن القدرة التنافسية للمغرب و انفتاحه على العالم  . لا بل يكفي تأمل البرنامج الاستعجالي المثير للجدل و المُطالب بتجسيد المفردات  التعليمية الكبرى من قبيل ؛ تعميم التمدرس  و تطوير الهندسة البيداغوجية ، و الجودة و ترشيد تدبير الموارد البشرية و إرساء حكامه منظومة التربية و التكوين ، و أخيرا و ليس آخرا نجد في الرؤية الاستراتيجية من ” أجل مدرسة الإنصاف و الجودة و الارتقاء ” ، و مشروع قانون الإطار المرتبط بمنظومة التربية و التكوين ما من شأنه أن يؤكد  محورية اللغة العربية و جدواها في تلقين المعرفة في مختلف تمظهراتها و ميادينها ،   في المقابل ” نفاجأ ” بخرجات إعلامية استعراضية باستمرار  لمسؤولين سياسيين تتناقض بحدة مع هذا المنجز التربوي الوافر !

4 – إن أمام المعنيين بالشأن  السياسي و التربوي ببلادنا طوق نجاة بالغ الأهمية ، للعبور نحو ضفة الأمان و الاستقرار في ظل أزمة هيكلية حادة ، إنه الإرادة السياسية المتينة التي تتبلور في قرارات مادية ملموسة  تنزع نحو الترجمة الفعلية على أرض الواقع  ،  و  ” التنزيل الديمقراطي  ” لمقتضيات التشريعات المشار إليها سابقا ، و النظر إلى المسألة التعليمية كأولوية وطنية فعلا لا قولا ، مع التشبث باللغة العربية الفصيحة كأداة لتلقين العلم و المعرفة ، و الانفتاح على اللغات الأكثر أهمية و فائدة  الإنجليزية و الإسبانية و الفرنسية ، لمواجهة إكراهات العصر المعقدة ، و الاستثمار المفصلي و العقلاني في ميدان التعليم ،  و تأهيل الموارد البشرية ، باعتبارها رأس مال حقيقي لمجتمعات الغد ، مجتمعات الكفاءات و القدرات الذهنية الاستثنائية التي بإمكانها وحدها أن تنتشلنا من مغبة السقوط الحضاري ، و اللحاق بركب دول التنمية الشاملة   !

* كاتب من المغرب

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ملاحظ ان المغرب ونخبته الثقافبه تقوم في هده المرخله بدور ثقافي تنويري كبير كخلقة وصل بين الاصاله والمعاصره بين الثقافه العربيه والغربيه والفرنسيه على وجه الخصوص عبر عشرات ومئات المفكرين والمترجمين والمهتمين بالشأن الثقافي بشكل عام واللغه العربيه في المملكه المغربيه ولو من وجهة نظر خاصه تشهد تطورا ملموسا حتى على الصعيد الشعبي فمثلا عندما كنت تلتقي اخا مغربيا قبل عقدين اوثلاثه فابالكاد كنت تستطيع تمييز ما يقول اوما يريد اما الان فالوضع مختلف جدا لاسباب اغلبها معروف كانتشار الفضائيات (نشرات اخبار اعمال دراميه قنوات الاطفال الناطقه بالفصحى الخ) وغيرها نعم هناك اصوات نشاز في المغرب العربي موتوره لها عقدها وارتباطاتها ا لخارجيه و متعلقه باوهام لا محل لها من الاعراب اوالنجاح ولها كل الحريه في تعبيرها السلمي عن رؤاها ورؤيتها وبينناا وبينها ما يفرضه الواقع ويرسمه المستقبل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here