الشيخ الحسن البمباري: من جديد الحراطين في موريتانيا بين الهوية والانتماء

الشيخ الحسن البمباري

منذ عدة سنين و موريتانيا تسعى جاهدة إلى الخروج من نفق ميراثها السيئ في مجال الحقوق و العدالة الاجتماعية و الهيمنة الكبيرة للمنظومة القبلية على دواليب الحياة السياسية والفضاءات العامة الاجتماعية والدينية .

و قد مثلت قضية الحراطين كمكون موريتاني ثقابا لمختلف الانكسارات الكبرى في تاريخ موريتانيا و التاريخ هنا ليس بمعناه الاجتماعي و إنما بالأساس التاريخ الدولاتي ، الذي لم يحدد فيه معالم العقد الاجتماعي ومنطلقاته، اهو عقد اجتماعي قبْلي أولي قبَلي؟ أم عقد اجتماعي عضوي علمي؟ ينطلق من الواجب الحق وضرورات الدولة الحديثة التي أصبح همهما الأوحد ترقي كل فرد على سلم المواطنة.

بطبيعة الحال في الدول التي لا تحرك فضاءاتها العامة من قبل انتليجانسيا يثق فيها الجميع ، يترك هذا الأمر لمجموعة الاعتقادات الاجتماعية التي تصنف الحراطين كبيظان دون صقل لعروبة المجتمع البيظاني نفسه و بالتالي بقي تاريخ موريتانيا الاجتماعي تاريخ من التعميمات التي انهارت بشكل مفاجئ أمام الأسئلة المزعجة التي تدفع بها مستويات الوعي في شرائح مختلفة من المجتمع، فالقول (أنا حرطاني) لم يثر الجدل على المستوى الحقوقي فسب بل تسلل إلى دواليب السياسة و التيارات القومية التي لم يعد الحبل الذي تلاعبت به كثرا متاحا على (قارب) كاهل الحراطين و الذين أصبحوا يدركون أكثر من أي وقت مضى أنهم لا يريدون أن يكونوا جزءا من الكل الاجتماعي، بل يجب النظر إليهم كمكون بالتساوي مع الكل الوطني الموريتاني الذي أصبح يراد له أن يكون (بيظاني و زنجي و حرطاني …) .

لم يعد الثابت الآن في موريتانيا أن الهويات المصموت عنها هي هويات بيظانية في مقابل هوية زنجية فرضت اللغة لها الاعتراف بالتمايز الثقافي و الإثني و اعترف لها بهويتها الافريقانية و انتمائها الموريتاني . بل إن فرض هوية ثالثة وصل إلى مرحلته الأخيرة و دخل إلى الجدل على جميع الصعد و المستويات و خاصة في  ما هو سياسي و حقوقي و إن تم  تحيين نقاش الفرض الدستوري .

الإشكال الآن ليس الهوية التي لا تحتاج إلا منظومة ثقافية و اجتماعية و منظومة من الانفعالات و الثقافة المتناقلة من جيل إلى أخر، و هذه المعايير يعتبر معظم الباحثين أنها متوفرة عمليا في مجتمع الحراطين بل إن المشكل ما مدى فاعلية الاعتراف بالفعل بهوية الحراطين و تميزها قانونيا بعد ما تمايزت اجتماعيا و ثقافيا ؟و أي دور لهذا الاعتراف في تحقيق مشروع المواطنة الذي يعد المسعى الأهم لمختلف النشطاء في(وعن) مجتمع الحراطين؟ .

ثم إن مسالة الاعتراف هذه لابد أن تضع في الحسبان الإطار البنيوي لدولة الحقوق و المساواة و التي أدنى ما فيها أن يكون لكل المكونات الوطنية الحق في كتابة عقد اجتماعي قائم على قوة القانون و ليس قانون القوة فحسب ، فالحراطين و مهما كانت هويتهم عرب أو أفارقة أو غير ذلك هم مكون و متغير اثبت و جوده في الساحة الوطنية و يفرض مكانه في نسيج الأمة المنشودة و بالتالي فان الحقوق يجب أن تبقى خارج المساومة سواء حسم جدل الهوية أو لم يحسم في المستقبل المنظور .

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى والكل سواسية أمام رب العباد.تحية لك ونتمنى المزيد لتعم الفائدة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here