الشيخ الحسن البمباري: حكومة غزواني بين المتاح و ما ينبغي “وجهات نظر”

 

 

الشيخ الحسن البمباري

استهلال …

كان الرئيس معاوية ولد  سيدي أحمد الطائع ذات مساء في الباحة الغربية للقصر الرئاسي، فإذا بأحد الجنود من الرتب الدنيا يقطع بعض الأشجار، فلما سأله لماذا يقطع هذه الأشجار، أجابه الجندي أنه أوامر من قائد أعلى منه.

يقال أن الرئيس معاوية يومها ضحك حتى كاد يسقط، ثم أشار للجندي بمواصلة عمله.

–**–

يثير بعض أنصار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني جدلا حول حكومته التي وصفت بالتخلي عن حلفائه السياسيين والذين عملوا على نجاحه في الميدان، درجة أن تلك الآراء بدت وكأنها تسوق للمبادرات التي كانت مثار تهكم و تشكيك طوال الحملة السياسية الماضية، فحتى الذين وصفوا ب “اتكلبيتي” يبدو أن التعويل كان كبيرا على ظهور أسمائهم في الحكومة الأولى لرئيس الوزراء المختار من طرف ولد الشيخ الغزواني.

في الحقيقة ظهر وجهان لهذا الجدال الأول ما قدمته إحدى المقربات من وزيرة الشؤون الاجتماعية السابقة لمينة بنت أمم حين وصفت بالوزراء بأنهم “ليس منهم من انتخب الرئيس ولد الغزواني”، الخطاب الآخر قدمته إحدى وجوه الخارجية الموريتانية مريم بنت أوفى حين اعتبرت “أن السياسيين لم يكن لهم أي دور في نجاح الرئيس المنتخب حديثا”، الوجه الثالث والذي بدا أكثر تفاؤلا كان من منصات التواصل الاجتماعي التي احتفت للمرة الأولى بتعيين وزراء في حكومة، بل وسارت إلى أن الحكومة كانت حكومة “تكنوقراط” تستحق فرصة ليُرى ما هي قادرة على فعله، ولكن كل ذلك الشد والجذب انتهى بتصريح الناطق باسم الحكومة قيد الجدل الذي كان مفاده ” نحن حكومة المأمورية الثالثة”.

لا يخفى على أحد أن اختيارات غزواني كانت قريبة جدا من برنامجه الانتخابي، وان كان لم يخرج من الفكرة المحلية التي تقول بعدم تعيين أي معارض بالمعنى التقليدي للكلمة، بل انه من المعارضة في موريتانيا رفض التوزير حتى ولو عرض عليها ( مخالفة بذلك التجربة الفرنسية التي كثيرا ما جمعت بين الديغوليين والاشتراكين بين الاليزيه و الحكومة، والحالة الأوروبية التي تفرض الجمع بين الشعبويين واليسار بمختلف أطيافه في السنوات الأخيرة)، ولكن الهاجس الذي ظهر على حكومة غزواني أن الرجل قد حسم أمرين أساسين لمستقبل البلاد، أولهما أن تعديل الدستور لم يعد متاحا على الإطلاق للبقاء في السلطة، أي انه بحاجة إلى العمل في أفق خمس سنوات و الخروج بطريقة تسمح بأن يبقى له اثر، الضرورة الثانية هي أن الرئيس الجديد يعيش هاجس الخروج من جبة الرئيس المغادر وليس مستعد أن يكون تجسيدا لمأمورية ثالثة بطريقة ناعمة.

المنتقدون للحكومة الراضون عن الرئيس يلعبون ذات اللعبة السياسية التقليدية التي تقوم على مركزة كل شيء في الرئيس التدشينات و التعيينات والانجازات…الخ، إلا أن مثل هذا التوجه لابد من تجاوزه بشكل ما إن أراد الغزواني فعلا خلق أنموذج مختلف على الأقل، وهو ما يحتم على النقد الموجه إلى هذه الحكومة التي وصفت بأنها حكومة تكنوقراط، أن يكون هو الأخر نقدا تكنوقراطيا وبأسئلة ذات طبيعة تكنوقراطية أيضا ” من قبيل ما الذي أنجز في المجال “أ” او “ب” ” بعيدا كليا عن الأسئلة السياسية التي سيطرت على الحكومات التي عرفت البلاد، “ما مدى رضا القبيلة أو المجموعة “الكبلة” أو “الشرك” الساحل””، وفي مثل هذه الظروف فان الامتعاض أو الرضا الذي أظهرته بعض القبائل و الشرائح لا يجب أن يكونا مهمين في عملية تقييم حكومة يقال لنا إنها مجموعة من الرجال المناسبين في الأماكن المناسبة، وليس من الوارد أن يجد ردة فعل من الرئيس المنتخب بشكل علني.

اختيارات الرئيس ولد الغزواني تعكس إلى حد بعيد البعدين الداخلي والمحلي، فالحراك الحقوقي في داخل البلاد والنضالات الشبابية التي صنعت منها منصات التواصل الاجتماعي قوة تأثير كبيرة كلها عوامل ظهرت بشكل جلي في الحكومة الأولى، هذا مع الضغط المهم الذي يشكله الإقليم والفرص التي يتيحها حلم الغاز المنتظر، مما سيمثل مرحلة أولى لتطبيق فكرة “التنظير بشكل عالمي والتصرف بشكل محلي”، أي لن يكن ولد الغزواني بول كغامي ولكنه أيضا لن علي بونغو أو مستواتي الثالث، وفي جميع الحالات لان الشعب الموريتاني غير مستعد ليشابه الشعب الرواندي، ولا هو بالذي قبل التوريث بشكله الإفريقي في الغابون و إيسواتي.

خلال الفترة الماضية ومنذ توليه رسميا للرئاسة مازال ولد الغزواني يتصرف كرجل الجيش يقرب من يثق بهم و يعرف أنهم يعتمد عليهم في معركته القادمة، وأنهم لن يولوا الأدبار بأي حال، و من ذلك اختيار ولد الوزير الأول و ووزير الداخلية والتعليم العالي، كلها خيار من المعروف أن الرئيس يثق فيها ثقة كبيرة جدا.

ولكن ما على الرئيس إدراكه إن السياسية تلعب بطريقة أخرى تماما، وهي تقريب العدو، ليس اتقاء لشره وإنما للتفنن في استخدامه كدرع في المعركة، فمن المعروف أن من تثق بهم سيفهمون لماذا ليسوا دروعا في معاركك فهم من يخطط لها من وراء الكواليس.

للعبرة

في الفلم الهندي “ساركار3 SAEKAR” رمى آميتاب باتشان -بطل الفلم- بحفيده إلى العدو متهما إياه بالخيانة، ومخططا معه لخدعة انقلاب على جده انطلت على الجميع، ثم قرب الخونة في قصره إلى أن أطلق عليهم النار واحد تلو الآخر من بعد متر واحد، حتى الخائن الأكبر الذي كان مسافرا في رحلة طويلة أطلق عليه النار على الأريكة التي كان ” ساركار نفسه يجلس عليها”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here