الشهيد خالد جهاد

 

 

بسام ابو شريف

ترى من بقي من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حيا ليتذكر خالد جهاد .

في ذكرى استشهاده أكتب عنه كنموذج من جيل من المقاتلين الأشاوس الذين لم يعرف الخوف طريقا اليهم ، ولم يرعبهم قصف العدو ولا صواريخ طائراته .

جيل تشققت منه الأكف من حفر الخنادق ، وزرع الألغام في طرق العدو ومن قبضات مدافعهم الرشاشة .

جيل كان لايخطئ في التهديف عندما يمسك بقاذف البي 2 ثم البي 7 ثم البي 10 ، خالد جهاد كان نموذجا من نماذج هذا الجيل الذي لم ير من الحياة الاصورة الوطن السليب ، ولم يحلم الا بتحريره والعودة له .

اختير من بين المقاتلين الأشداء ، هو وعدد آخر من المقاتلين ليشكلوا فريق الحماية للأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتور جورج حبش .

كان دائما في حالة التأهب للانقضاض كالنمر عندما يهم … صامت لكن عينيه تتكلمان …. لا بل تطلقان شررا في كل اتجاه …. لايمزح ولايضحك ولا يتكلم …. انما يرى ويحصي ويقيس ويقاتل وهو على أهبة الاستعداد ان خاطبته يجيبك بنظراته … وعندما ينظر لايحرك رأسه بل عينيه فقط .

عيناه واسعتان سوداوان تتكلمان كما يتكلم الكلاشينكوف ما قال لا لأمر …أو مهمة صعبة أو حتى مهمة مستحيلة . أثناء الفترة التي قضيتها ” بعد حادثة اغتيالي ” في العودة للحياة والعمل … اختار الرفاق خالد جهاد ليتولى مسؤولية أمني وحمايتي مع آخرين ” محمد ياسر ” وقد استشهد في بقصف اميركي وهو مقاتل شجاع من سوريا ” درعا ” .

خلال قيامه بمهماته معي تعرفت عليه أكثر وخاض معي تجارب لها دلالاتها .

ومن هذه التجارب الخطيرة قصة اختطاف  مزعومة لشاب ماروني من عائلة لبكي . وجاء لي أصدقاء لبنانيون يشكون ويتهمون ويعاتبون الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ومنهم صديقي ميلان عبيد ” أخو جان عبيد ” .  وراح يعاتبني بلهجة المتهم .

فسألته بهدوء هل أنت متأكد مما تقول ؟

أجاب بالايجاب .

فاتصلت فورا بمخيم تل الزعتر قبل أيام من المجزرة المقززة التي ارتكبها الكتائبيون والاسرائيليون ضد آلآف المدنيين هناك وقتلوا المئات وهجروا الآلآف .

سألت ابو أمل ” استشهد بعدها بيومين ” عن هذا الشاب ” لبكي ” ، فقال نعم موجود عندنا ، لكن لم يخطف لقد جاء هو ودخل المخيم وقال اريد أن أبقى عندكم ، وحاولنا اعادته الى منطقته لكنه رفض وهو ضيفنا هنا .

وكان ذلك على مسمع من أصدقائي الذين اشتكوا ، كانت المعارك محتومة والقصف يقطع الطرق ، كانت الطريقة الأفضل لسد كل الطرق على الأقاويل والشائعات هي أن نجلب السيد  “لبكي ” ونسلمه للمطالبين به .

كان خالد جهاد كعادته ينتحي زاوية من زوايا مدخل يؤدي الى غرفتي ، يبدو مسترخيا وينام على حضنه رشاشه لكنه يقظ بعينيه المراقبتين واللتان لاتهدآن لحظة ولاتكفان عن اطلاق

الشرار في كل اتجاه .

استدعيته وقلت له : هذه مهمة خطرة لست مضطرا أن توافق عليها ، أترك الخيار لك .

وشرحت له المهمة – التوجه تحت القصف الى مخيم تل الزعتر من كورنيش المزرعة وجلب

” الضيف ” السيد لبكي .

لم يناقش بل سأل : أموجود لدى أبو أمل ؟

قلت نعم

نظر الى ساعته وقال : اذا لم أعد خلال ساعة ابحثوا عني ، وخرج مضى الوقت ببطء شديد ، وكأن عقارب الساعة لاتتحرك ورحت ألوم نفسي على مجازفتي بحياة مقاتل كالنمر ينقض على العدو . وتوتر الجميع … وقال أحدهم بعد أن قاربت مهلة الساعة على الانقضاء : ما كان ذلك ضروريا !…

هم ايضا شعروا بتأنيب الضمير . ثم ساد صمت ، وامتد حتى عبرت عقارب الساعة حدود المهلة . مرت دقيقة … ثم دقيقتان ثم خمس ولم يعد خالد .

اتصلت بأبي أمل فقال لي مر خالد وأخذ الضيف قبل نصف ساعة .

وعند انتهاء المكالمة سمعنا صوت كوابح سيارة غدت صريرا عند المدخل .

أسرعت للشرفة ورأيت خالد جهاد يقود الضيف نحو مدخل البناية حبث مكتبي .

دخل النمر خالد وأمامه السيد لبكي ، فهب الذين انتظروا تحريره من الخطف لاستقباله .

جلس وقال : شو الحكاية ؟  ليش جبتوني هون ؟ ” ، انا بدي أظل في المخيم ، أنا بحب الشباب هناك ارجعوني للمخيم .

ونظر الجميع الى بعضهم البعض ، وسألوه الى أين يريد أن يذهب الآن ، فهو حر .

نظر اليهم مستغربا ، وقال انا حر طبعا ، أنا رحت مخصوص عالمخيم شباب زي الورد وأنا مش مجبر ولا مخطوف ، هذا اختياري ومابدي أروح معكم بدي أرجع للمخيم !!

نظرت الى خالد جهاد الذي ضحى بحياته وخاطر بها لجلب هذا الرجل ، رأيته يجلس في زاويته بهدوء ويحتضن رشاشه ، واصبعه على الزناد .

وفجأة هب واقفا واقترب مني قائلا : ” معلم هل تسمح لي باجازة اربع ساعات ” .

قلت له : بالطبع ولكن وين رايح ؟

قال : في معركة في الفنادق أريد أن أشارك فيها وأعود .

عاد بعد اربع ساعات ، كان الانهاك باديا عليه .

ابتسم نصف ابتسامة وقال الصيد كان جيدا !

لم أسأله ولم يفصح ، ذهب ليقاتل الانعزاليين الكتائبيين الذين كانوا يحاولون اختراق منطقة الفنادق ، ثم عاد لمهمته .

قاتل في الأغوار وجنوب لبنان وحمى الدكتور جورج حبش وحماني بعد أن حاولوا اغتيالي وعندما خرجنا من بيروت بقي هو ليقاتل الاسرائيليين الغزاة واستشهد في بيروت .

رحمه الله كان نموذج المقاتل النمر .

سياسي وكاتب فلسطيني

 

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. سيدي أحداث 2007 نقطة سوداء في ملف عدة أطراف فلسطينية لايجب إغفالها أو تجاهلها؟؟ لها ما لها وعليها ما عليها عند الأستحقاق والمحاسبة الكل رح يُحاسب .؟ في القانون الثوري لايوجد من هو فوق القانون .؟؟ من ناحيتي لا أ ريد نسيانها أو طيها ..؟ ولكن هناك أولويات وإستحقاقات .. ؟

  2. السيد المحاضر انا كتبت ( هناك ) اي بعض الاحداث وليس كلها وهي مرتبطه بعبقرية كل شعب وكل امه . هل تريد مثلا نسيان احداث 2007 م بغزه ام لا . ان لم تتس ونتناسى سنبقى ننهش بعض والعدو يتفرج وقس غلى باقي احزابنا وطوائفنا والصراعات والدماء التي سالت في لحظة حماقه تاريخيه .

  3. لاتصلبوا المسيح مرتين …. ؟
    لا ياسيد راكان ……لن ننسى ولن نُساوم ولن نُصالح ولو على الدم بالدم ..الظلم المخزي الدي وقع على الشعب الفلسطيني جريمة لاتنسى ولاتغتفر ولن تسقط بالتقادم ..والله كل عظمة في قبورنا ستبقى تلعنهم الى يوم يبعثون ..وسيلعنهم التاريخ وستلعنهم كل الأجيال القادمة وستلعن كل من ساوم وكل من باع وكل من شترى ..وهاهي الأمور تتكشف وهاهي الوثائق تخرج تباعاً لتفضح من باع فلسطين ليقيم مجده على قبورنا في حيفا ويافا … فيا شيخ التاريخ سجل هدا التيه المخزي …وهدا التقاطر المُهين وهدا العُري العربي وهدا التهافت على بيع ما تبقى من كرامة أمة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس …فيا سيدي دعنا من فلسفة أرنست رينان وجنونه…..؟؟ فأرنست رينان وغيره ماهم إلا أبواق صهيونيه قدرة .؟…. وأكررلا تصلبوا المسيح مرتين…… ..؟

  4. هل تريدنا ان نقرأ مابين السطور . ام هل تريدنا ان نؤول ..مع تقديرنا للتضحيات .هناك احداث في التاريخ يجب ان تنسى ( ارنست رينان )

  5. اين الجبهة الان وهي ثاني قوى ألمنظمه؟ تنكرتم لتاريخهم النضالي و للكفاح المسلح مع باقي الأعضاء وانخرطت في اوسلو بقياده ملك التفريط عباس الذي يعترف بعد ثلاثين سنه مفاوضات انه لم يحرز اَي تقدم في عمليه السلام وليس لديه اَي خطه بديله غي “القبض على الجمر” مع انه وعاءلته وزمرته يعيشون في فلل ولديهم بطاقات الvip ويتلقون الرواتب ويكدسون الثروات في حين ان ابناء الشعب العاديين تقطع عنهم المعونات ويقبضون على الجمر.
    من الاخر، اين الجبهة الان وما موقعا ودورها في مقاومه الاحتلال ولا نقول التحرير لانها ملتزمه كشقيقتها بأوسلو؟

  6. (وعندما خرجنا من بيروت بقي هو ليقاتل الاسرائيليين الغزاة واستشهد في بيروت .)
    * – توقيع سفر الخروج من بيروت عام 1982 كان أسوأ قرار إتخدته منظمة التحرير الفلسطيه بل لاأبالغ إدا قلت قرار الخروج من بيروت كان أسوأ من قرار توقيع إتفاق أوسلوا المُخزي ..رحم الله خالد جهاد …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here