الشاعر العظيم.. قصة: ناجي ظاهر

شهدت الايام الاخيرة في حياة شاعر الجليل، الملقب بشاعر الامة، احداثا لم يكن يتوقعها احد ممن عرفوه، عن البعد او حتى عن القرب، ويقال والعهدة على الرواي، ان مشاكله ابتدأت بعد ان تمكن من ارتقاء سلم المجد، وبات اسمه يتردد على السنة معظم ابناء منطقته، وتجاوزها الى مناطق اخرى، بل ان الشعراء الشباب في منطقة الجليل، رأوا في نموذجا حيا للشعر، فراحوا يتتبعون خطى كتاباته ويقلدونها، على اعتبار انها غيض من فيض عالم الشعر البعيد.. ومن غير السهل الوصول اليه، الا لأفذاذ الرجال.. مثله.

ابتدأت مشاكل شاعر العروبة، عندما احيل الى التقاعد، وتقلّص دخله ليقتصر على مخصصات الشيخوخة الشهرية من مؤسسة التامين الحكومية الرسمية، وقد تفاقمت هذه المشاكل رويدا رويدا، حتى اضحت مشكلة يومية، تحتاج الى علاج خاص، يمكن حياة الشاعر وسفينتها التائهة في محيط الاحلام، من الرسو على شاطئ هادئ.. امن. وكان ان توجهت اليه زوجته ذات ليلة مخبرة اياه ان ابنهما الاكبر عثر اخيرا على فتاة احلامه، وانه ينوي الارتباط بها، عندها انفرجت اسارير وجه الشاعر وارسل نظرة حافلة بالذكريات والمعاني نحو زوجته، فتاة احلامه الاولى، وسألها عن المطلوب منه؟ فردت عليه قائلة المطلوب هو ان نُعد لابننا مبلغا من المال لمساعدته في الارتباط بمن اختارها قلبه. تحرك الشاعر في سريره، وهو يهمهم بكلمات مفادها انها تعرف اكثر من سواها ان دخله القليل بالكاد يكفي لشراء المتطلبات الاساسية لبيتهما، ما ان نطق الشاعر هذه الكلمات، حتى اكفهر وجه زوجته، عندها سألها الشاعر عما تقترحه فردت عليه قائلة يجب ان نوجد الحل، واضافت يُفضل ان يرتبط الشاب في هذه الايام العصيبة، حماية له ووقاية من بنات الحرام واصدقاء السوء. فهم الشاعر النبيه ما تود ان تقوله له زوجته، فقال لها اعتقد انه علي ان اعثر على عمل اضافي باي حال. افترشت وجه الزوجة ابتسامة محببة الى نفس زوجها الشاعر، وقالت له وهي ترد الباب خلفها: عليك نور.

اغمض الشاعر عينيه كما اعتاد في حالات ضيقه، وهي كثير، وراح يفكر في طريقة تمكنه من العثور على عمل في سِنِّه المتقدمة، تناول صحيفة وراح، أول مرة منذ سنوات، يبحث عن ملحق “مطلوب للعمل” قلّب صفحاته. الا انه لم يعثر على الصفحة المطلوبة، فقال لنفسه ربما كان قريب او زائر غريب،  احتاج الى تلك الصفحة فانتزعها من الملحق.

 فتح الشاعر عينيه في صبيحة اليوم التالي مبكرا وقبل ان يستيقظ اهل بيته، توجه الى كشك بيع الصحف، اشترى منه صحيفة، وراح يقلب في ملحقها الى ان عثر على صفحة مطلوب. خلال مطالعته هذا الملحق دهمته مفاجأة غير متوقعة، كان احد اصدقائه من ايام الشباب قد اعلن عن حاجته لموظف في مكتبه. اتصل الشاعر بصديقه المعلن وسرعان ما جاءه صوته مرحبا مهللا، وداعيا اياه ان يُقبل اليه بسرعة البرق، مضيفا ان فنجان القهوة ما زال ساخنا وانه لن يشربه الا معه وفي حضرته.

فَردَ شاعرُ الامةِ جناحيه وطار ليحط بسرعة ضوئية في مدخل مكتب صديق الامس الاخ العزيز الغالي، ولما كان باب صديقه مفتوحا، فقد دخل اليه وتعانق الاثنان بقوة شوقهما الكامن للأيام الخوالي. سكب صاحب المكتب القهوة في فنجان صديق الامس البعيد، وراح الاثنان يستذكران تلك الايام المحفورة في القلب والذاكرة، مثل النقش في الحجر، فكان بإمكانك ان تستمع اليهما يتضاحكان من مسافة لا باس بها من المكتب، ومضى الوقت بين ذكرى وضحكة، وكان لا بد من الفراق، بعد ان جرى الحديث بين الاثنين في كل شيء وعن كل شيء الا عن الموضوع الذي جمع شملهما والّف بين قلبيهما.

في البيت استقبلت المرأة زوجها الشاعر سائلة اياه، وعلى طرف فمها ابتسامة: ” قمحة والا شعيرة؟”، فبقي الشاعر ساكتا صامتا، عندها ايقنت زوجته انه اخفق في مسعاه. في الليل ران على البيت سكون كاد ينطق من شدة الحيرة، وراح الشاعر يفكر بطريقة اخرى، تمكنه من العثور على عمل اضافي، يُحسّن بواسطته دخله، ويقدم الى نجله ما يحتاج اليه ليرتبط ويواصل بالتالي المسيرة الحياتية لآبائه واجداده، وفجأة انبثق شعاع من قلب الظلام، بالضبط مثلما ينبثق شعاع القصيدة من هناك، كيف نسي الشاعر تلك الصحيفة التي عمل فيها محررا ادبيا في بدايات حياته، لقد غادرها ومشت وراءه في حينها السلامات والترحيبات، وما زال صوت صاحبها يرن في اذنه عندما قال له، وهو يصافحه، اعتبر هذه الصحيفة بيتك الدافئ، وتأكد انه سيكون لك دائما فيها مكان ومكانة محفوظان.

انتظر الشاعر، في صبيحة اليوم التالي، ان تنقضي الساعات الاولى للصباح، اذ لا يصح ان يزور الصحيفة باكرا جدا لطلب عمل، كما انه من واجبه ان يمنح اصحابها الوقت الكافي للتفرغ له، للقاء به والجلوس اليه، بيد ان ما حدث خالف كل هذا، فما ان شعر الشاعر بحفيف ثوب زوجته يلامس باب غرفته، حتى شعر بضرورة التوجه الى مكاتب الصحيفة لطلب العمل المضمون. مجددا. تناول الشاعر من فوره تلفونه الخلوي وضغط على رقم الصحيفة، بانتظار ان ترد السكرتاريا عليه، سوى ان ما حدث كان مفاجئا، فقد جاءه صوت الراد الآلي يعلمه، باللغة العبرية، ان المكتب حاليا مغلق، وان بإمكانه ان يتصل في وقت لاحق. عاد الشاعر الى دفاتره القديمة ليتأكد من انه لم يخطئ في رقم تلفون الصحيفة، فاظهر له دفتره انه لم يخطئ، عندها دق قلبه وهو يقول “الله يستر”. غير ان الله لم يستر فقد تبين له، بعد الفحص والتنقيب، ان الصحيفة انتقلت من مكاتبها القديمة الى اخرى جديدة، بل تبين له اكثر من هذا ان صاحبها ومؤسسها يرقد في المستشفى لتلقي العلاج من مرض خطير الم به.

حمل الشاعر نفسه وتوجه الى المستشفى، ليكتشف بعد سؤال وجواب وقرع عدد من الابواب، ان صاحب الصحيفة المقصود قد فارق الحياة. انتابت الشاعر صدمة حقيقية اغرقته في ثناياها وزوايا فارضة عليه السكوت المطبق، وعاد الى بيته ليجد زوجته بانتظاره وعلى فمها سؤال بات تقليديا” قمحة والا شعيرة”. لم يجب الشاعر هذه المرة ودفع باب غرفته ليستلقي على سريره، وينام بصمت.

بعد ايام من هذا الحادث الاليم، توجه الشاعر العظيم الى المقهى بعد ان هجره مدة سنوات اختصارا للمصروفات وتخلصا من مطاردة الراغبين في عرض ما كتبوه من قصائد واشعار عليه. ما ان اقترب الشاعر من مدخل المقهى حتى استقبله صاحبه بكلمات طالما اعتاد على سماعها منه: ” نورت”. بعدها انهال عليه الاصدقاء، ليتخذ كل منهم مقعده اقرب ما يكون من شاعره الحبيب، واندفع كل منهم في حديث يهمه، في حين اثر الشاعر ان يكون مستمعا كريما. غير انه.. ما ان استمع ان هناك مؤسسة حقوقية تبحث عن مدير لها بعد وفاة مديرها السابق، حتى لمعت في ذهنه خاطرة، فهو يعرف سكرتير تلك المؤسسة تمام المعرفة، بل انه ما زال يتذكر يوم تباهى ذلك السكرتير امام جمع كبير من المثقفين قائلا انه فخور بان يكون احد تلامذة شاعر الامة المبجّل.

استأذن الشاعر من فوره وتوجه الى مكاتب المؤسسة الحقوقية المقصودة، اتخذ مجلسه امام سكرتيرها الشاب، وافتتح الحديث معه عن العمل. بسرعة مرغوب بها علم منه ان المدير السابق قد توفي وانهم بالفعل يبحثون عن مدير كفؤ لشغل منصبه ومواصلة دربه، عندها اخرج الشاعر السبع الشاب الشجاع من داخله، واخبر صديقه السكرتير، انه على استعداد ان يشغل ذلك المنصب، اعتدل السكرتير في مجلسه وهو يسال شاعره العظيم عما اذا كان جادا في قوله فاكد له هذا ما سمعته اذناه. عندها ارسل السكرتير الشاب ابتسامة خجلة نحو الشاعر قبالته وقال له بمنتهى البرود: “لا اعتقد ان هذا الموقع يليق بك. انت اكبر منه بكثير”.

خرج الشاعر من مكتب المؤسسة، وتوجه صوب بيته. مشى ومشى ومشى. كان الطريق الى بيته طويلا.. اطول مما اعتاد، عندما وصل، دخل غرفته غير عابئ بسؤال زوجته التقليدي.. واغمض عينيه مستدعيا ملك الكرى.. لكن دون جدوى.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here