الشاعر الأمريكي المجدد روبرت دنكان قراءة جديدة

ترجمة أحمد فاضل

كان  عدد  قليل  من الشعراء قد شكلوا محوراً مهماً في  المشهد  الشعري الأمريكي ما بعد الحرب مثل روبرت دنكان  (  7 يناير /  كانون  الثاني  1919 أوكلاند ، كاليفورنيا  – 3 فبراير / شباط  1988 )  ، فقد  كان أحد  الشخصيات الرئيسية والمهمة  فيما  عُرف  بعصر  نهضة   الشعراء في أمريكا – سان فرانسيسكو  ومدرسة  بلاك  ماونتن   للشعر  بقيادة تشارلز أولسون ،  وقد أجرى   دنكان    مراسلات طويلة مع كُتّاب طليعيين مثل جاك سبايسر وروبن بلاصر وتشارلز أولسون وروبرت كريلي ودينيس ليفيرتوف  بعد أن أصبح شخصية ذات قيمة عريقة  في الشعر حتى بعد وفاته في عام 1988، وقد  ملأَ     دنكان  قصائده بتأثير من الحداثيين المرموقين  مثل  عزرا باوند   وفنانين   من   الخارج   مثل  الشاعر والرسام  الإنكليزي  وليام  بليك ،   كانت   قصائده كثيراً ما احتوت على التلميحات والرموز  الخاصة  واللغة   التعبيرية  التي جعلته  يتحكم  في  مسارات  نصوصه الشعرية .

ومنذ  اقتناع  والديه بالتبني  بأنه  كان  شاعراً رائعاً  منذ  شبابه ، أما  هو  فقد  وصف  نفسه  بأنه  مليء  بالملذات  الفنية   وخاصة  الموسيقية  ،  ودائماً   ما   يسترشد بإيمان  شامل بالسلطة الروحية على شعره  ، هذا  الاختيار  وفر  السياق  المفيد  للقصائد  التي  أنتجها في الستينيات ، من بينها ” الكلمات المفتوحة على الحزن ” التي نشرت  لأول  مرة  في مجلة ” الشعر ”  الأمريكية   عام   1958،  هذه  القصيدة    قطع  من  خلالها  الفجوة  بين  الخطوط    التقليدية والبدايات المبكرة له ، أتبعها بأخرى مثل ” التحول ” و ” مرور فوق الماء ” ، حيث  يقدم  دنكان   في   شعره هذا للقراء شخصيات واضحة وحتى   بعض   الاستنتاجات  مثل  : ” الشعر لا يمكنه إطعام  جائع   ، لكنه  يمكن  أن يساعدنا في استكشاف ذلك الجوع ” ،  وهو  أيضا  يعطي  الأولوية  لإيقاع   القصيدة  والزخم  في  قواعد  بناء  الجملة  ، فقصائده   مليئة  بالتورية ، التناقض ، والترابط  كذلك .

أما مجموعته المميزة ” افتتاح الحقل “الصادرة عام 1960 يقدم  دنكان  فيها صورتين ، حيث يوفر في الأولى نظرة ثاقبة لمشروعه الأكبر في بناء قصيدة  غير  نمطية  ومفعمة  بالحكمة  ، ففي إحدى قصائد المجموعة  يحكي  عن  سمك  السلمون  الذي يطفو على المنبع ،  فهو يتعلق بالرحلة نحو المعرفة أكثر من  المعرفة  نفسها ، هو بحث  دائم  عن أصل  ما  مثل  هجرة  سمك السلمون إلى المكان الذي  نشأت  فيه  ،  أما  الصورة  الثانية  فهي  عن   الكيفية  في  قيامه  بتلك  الرحلة  بأسلوبه  العالي ،  فالاقتباسات  التي  يدرجها  مأخوذة  من  رسالة رفض تلقاها من جون  كرو رانسوم  ، وهو  شاعر دافع  عن  العقل  في  عمل أي نص شعري ممكن وضعه ضمن ذلك السياق وبعيداً عن الخيال ،لكن دنكان يخالفه ويعتبر الخيال  جزء  لا يتجزأ من  عمل الشاعر حتى وهو يؤنسن الأشياء دون أي افتعال .

أعلن  دنكان  ذات مرة أنه ليس تجريبياً  بل شاعراً  ” مشتقاً ” ،  وهو  نزاع  أثبتته  قصيدته   ” جذور وفروع  ”  1964 ،  وهو ما   استشهد   به     من  تصريحين  لوليام  بليك ،  فقد  كان  عمله  ذا  تأثير كبير على دنكان ، لكن القصيدة احتوت على العديد  من “الاشتقاقات “الأخرى بعضها يشير إلى قصيدة  ” النجم الساطع ”  لجون كيتس  على سبيل المثال ، أو يتم الاستشهاد بها مباشرة في القصيدة مثل  مدح دنكان لصديقه تشارلز أولسون ، لكن هناك صلات أخرى   أكثر   دقة  ،   وأكثر  وراثية   تؤثر  على  موسيقى  القصيدة أو تفكيرها ، إن  تأكيد دنكان هنا هو  أن  : ” ما أنا عليه فقط أعمل ” ، ويبدو  وكأنه تأثر أيضاً بولاس ستيفنز ، ولكنه يعبر بشكل أوسع عن  إليوت  بتقاليده  الأدبية  المعروفة ، وكون  أن  فكرتها  ” مشتقة ”  من  إليوت  كما  يقول  فهو  لا يستثني   حتى  وايتمان  أيضاً  فجميعهم   دائماً   ما يشكلون لديه نواة القصيدة الناجحة .

أما عن موقفه من الحرب فيلخصه بقصيدة ” النار”

التي  كتبها  في  ذروة  الحرب  في   فيتنام ،    هذه القصيدة   تقدم   لمحة   عن   دنكان   أكثر   جذريه وشمولية  ، ومع  تقدمه  في  العمر  بدأ في الضغط على حدود  القصيدة الفردية  ، وغالباً ما كان يعمل في سلسلة منها  امتدت عبر مجاميع متعددة  ،  في واحدة من تلك القصائد  ” الممرات” يمارس دنكان ما سماه  ” التأليف بالحقل ” ، بقياس  سطوره   في مقابل  مساحة  الصفحة  بدلاً من الالتزام  بالأشكال الإنكليزية   التقليدية   ،   حيث   تسمح  هذه اللوحة  الموسعة   بمجموعة   هائلة   من   المواد     بخلط الأسطورة  بالحادثة  التاريخية مع الغنائية الشعرية

إذا  أعطى  هذا  القصيدة  المركزية الوضوح الذي تحتاج له حتى في وقعها الموسيقي ، وهو  هنا   لا يقلد  حركات  الطبيعة  من  غيوم  وأمطار  وأنهار وطيور فحسب  فقد  تتوقف  حركتها  جميعاً هنا أو هناك ، لكنه  لا يتوقف  ، وإنما  يستمر  في  رحيل مزمن ويرجع  هذا الصراع إلى سيرة دنكان ،  فقد كانت  له علاقة متوترة مع أمه بالتبني .

كانت كتب دنكان التالية  التي شكّلت عمله الشعري الواضح  المعالم  المكون  من جزأين  وهو آخر ما أكمله قبل وفاته ، ومن بين أكثر كتبه إثارةً للنقد في هذه الأعمال النهائية مسلسله ” ممرات ” و ” هيكل من ريح ” ، حيث  يقدم  دنكان  هذه القطع الشعرية  على أنها ” دراسات ” موسيقية أو ” اسكتشات ”  ، لكن  هذا  العمل  المتأخر  يشير أيضاً  إلى عودة ما يسميه  ” بالسمع الأول ” كتبها  بطرق أكثر حرفية والانتهاء  منها  يقول دنكان عنها : ” أنها نبعت من إحساس فردي عميق للغة .

* نشأ  بنيامين  فويت  في مزرعة خيول في شمال ولاية نيويورك ، حصل على شهادة الماجستير في الشعر  من  جامعة  ألاباما ،  وهو  الآن أستاذ زائر للغة  الإنكليزية  في  كلية ماكاليستر في سانت بول بولاية مينيسوتا  .

عن / مجلة الشعر الأمريكية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here