السيد الزرقاني: الكاتبة “ريم أبو عيد” و…… المعادلات الصعبة في رواية “سان استيفانو “

السيد الزرقاني

 “أن تكون مختلفًا عن الآخرين يعني أن تدفع ثمن اختلافك في كل لحظة من لحظات حياتك.. حتى وإن كان الثمن هو شعورك بالغربة عن الزمان والمكان.. وأن تشعر بالغربة يعني أن تنصهر في بوتقة المعاناة الأبدية ولا تجد الخلاص إلا بخلاص روحك من أغلالها المادية المتمثلة في ذلك الجسد الذي تسكنه دون اختيار منها والذي يلزمها أن تستكمل دوره على خشبة ذلك المسرح العبثي المسمى بالحياة “

– هكذا جاءت رواية “سان استيفانو” للكاتبة  “ريم أبو عيد ” الصادرة عن دار “جولدن بوك”في 269 صفحة لتطرح علينا العديد من المعادلات الصعبة في العلاقات الإنسانية والاجتماعية عبر انطلاقة من نهايات أزمنه متعددة ، حاملة بداخلها أطروحات  متعددة وتدفع القارئ إلي حلة من حالات التخيل البصري والزمني عند الانخراط في تلك الرواية التي تعد علامة متميزة في البناء الأدبي والفني بما تحمله من رؤى متعددة ،وصراع مشوق بين شخوص أراها قد أحسنت الاختيار في المسميات  الزمنية والمكانية لتحريكها لهم علي مسرح الرواية من خلال تبني نظرية سردية في غاية الجمال  حتى أن القارئ لا يمكن الهروب فيما بين السطور بما تحمله من إسقاطات  رمزية أضافت إلي النص الأدبي الكثير من القيم  الأدبية التي تتميز بها الكاتبة ،فهي تعشق عبق الماضي بكل مؤثراته الزمنية والمكانية وتنسج حكايات مترابطة المضمون والأفكار والرؤى  تأسر القارئ داخل مكنون اللغة الجميلة بأفكار وصراعات  تحلق فيها بكل استمالة وإثارة ثم تهبط في نهايات منطقية ليولد عالم جديد في واقع حياتي جديد حيث  نجدها تواصل المسيرة في نص أدبي جديد  الذي يعد استكمالا لروايتها السابقة ” متروبول “والتي أشارت إليها في اكثر من موضع بالرواية  حتي في نهاية الرواية أن الكثير من القصص حول الإسكندرية مازالت ممتدة في المستقبل فهي تعتمد دائما علي إنهاء حدث ليبدأ بداخلها حدث جديد وأقصوصة جديدة وبطل جديد في حس روائي جديد وهذا ما نراه في ص 62 (اتجه ناحية باب الشقة بخطوات أثقلها الألم وغادر غير آسف عليها وصفع الباب بقوة وقسوة وكأنه يصفع ذلك الماضي الذي جمعهما يومًا ما.. ارتج جسدها في تلك اللحظة وهي تجلس على طرف فراشها ثم انكفأت تبكي كما لم تبكِ من قبل.. لم تكن تبكيه أو تبكي صورتها التي أضرمت فيها النيران عمدًا في مخيلته.. ولكنها كانت تغسل نفسها من كل أدرانها التي علقت بها.. أغمضت عينيها بارتياح..)

– فالرؤية الروائية عند الكاتبة ذلك النهر الجاري الذي يشق الغابة، ويأخذ من خصائص الطبيعة نكهة الحياة وتعدد المشارب وأخيلة الظلال وحواراتها مع زهرة النور، ومجسات الرواة وفي أياديهم عصيّ التنقل من مسرح إلي أخر ، وعلى رؤوسهم يحطّ طائر الأفكار المتولدة والمتداخلة ، ليستمر النهر في الجريان عبر الزمن وصولاً إلى بداية الشلال قبل أن تقول المؤلفة كلمتها، وأبطال الرواية الذين يتشابكون في صراعاتهم هم من يحددون طبيعة الأحداث التي تشق مجرى النهر مُوْدِعَةً حكاياتِها المتوالدة وجدان المتلقي، الذي سيغوص عبر الصور الشعرية التي تشكل تيارات الوعي فنزبد عند جوانب الضفتين، قبل أن يتكون السؤال في ذروة الشلال المعربد بقلق شديد حيث تكمن في طياته الدهشة.. والأحداث المتداعية تنثال حتى أعماق المعنى كالسؤال الذي سينتهي به المطاف ليذوب في بحر النهاية ممتداً حتى آخر الأفق الذي لا بد ويستيقظ على الخاتمة،لتؤكد لتا إيمانها التام بفكرة تناسخ الروح ما بين الحاضر والماضي “سارة سمعان – سارة رياض ” أفكار تتوالد علي مسرح الكاتبة  وان اختلفت العتابات باختلاف الزمن ومع تطور أحداث الرواية مابين الزمن الماضي والحاضر والربط بين الأحداث نجد أنفسنا بين تاريخيين متباعدين في العادات والتقاليد  والأعراف والأحداث السياسية  حيث استغلت الكاتبة إحداث الحرب العالمية الثانية لتضع القارئ في بؤرة الحدث التاريخي من حيث المنطق والايدولوجيا السياسية وتخطي بعدها الدرامي إلي ما

هو ابعد من ذالك في تناول الجنسيات المختلفة وإثرها في الحدث الدرامي بطريقة الفلاش باك في لحظة التذكر ،إلا أن الكاتبة  تتمتع برؤية عاشق صوفي يتحاشى حديث الجسد ويعظم أشجان الروح وسماء العاطفة، ويرصع ذلك بألفاظ هي الجواهر في عقد المحبة، برغم لهيبها الذي يكوي الوجوه والقلوب.

– تلك الرواية  تحتوي على العديد من القصص كلها معزوفة على وتريات الرجل والمرأة في علاقات متعددة تختلف باختلاف الزمن ومرور العلاقة بينهما، وتطورها سواء بالشكل السلبي أو الإيجابي، إلا أنها كانت حريصة كل الحرص على إظهار هذه العلاقات في شكلها المرضي لها ولثقافتها الممزوجة بين الحاضر بكل أبجدياته المعلوماتية وتقنياته الحديثة والماضي بكل مفرداته المكانية والزمنية ومسماياتة اليومية ، حيث تقر بان اللذة والألم وجهان لعملة واحدة، تربط بينهما نهايات أعصاب لا تفرق بين هذا الشعور وذاك، حين يصل أيهما إلى ذلك العمق، فيمتزج الشعوران ليصنعا معا تلك النشوة باللذة أو النشوة بالألم.حيث نجدها تسطر في بداية الفصل 22(إن الحب لا يأتينا.. ولكننا نحن من نذهب إليه حيث ينتظرنا.. إنه يبحث عنّا كما نبحث عنه.. ينادي علينا لنتبعه.. يضع لنا ورودًا على دربنا نستدل بها على الطريق الصحيح.. يمد لنا يدًا حانية تأخذنا إلى عالم لا يشبه سواه.. يمنحنا تذكرة عبور إلى جنة لم يطأها إنس ولا جان قلبنا.. جنة أحلامنا.. ويمنح من نحب جواز مرور أبدي إلى عالمنا.. إنه تلك العصا السحرية التي تحيلنا إلى مخلوقات نورانية تسبغ على الكون وهجًا وحياة.. ربما كانت قد نسيت الحب في زحام تلك الأحداث الغريبة التي تمر بها منذ فترة ليست بالقصيرة.. وربما تكون قد تناسته متعمدة بعدما خط الفراق كلمته الأخيرة في قصتها هي وعمر.. كل ما أصبح يشغل بالها الآن أن تتمكن من الخروج من تلك المتاهة التي تبتلع أيامها..)

لتعبر لنا عن فلسفتها في الحب وهو محور تلك العلاقات المتابينة التي تزخر بها الرواية منذ الانطلاقة الأولي في إحداث الرواية وتطورها حتي النهاية إلا أننا يمكن أن نزيح الستار  عن عدة محاور للرواية وهي :-

1- المحور الوصفي والتحليلي:-

– حيث لجاءت الكاتبة إلي إتباع الأسلوب الوصفي والتحليلي للاماكن  المعنية  بالحدث في الرواية  معتمدة علي تلك النقاط المتعددة لتتخذ منها مسرحا للانطلاق أو إدارة حوار بين شخوص الرواية أو للتذكر  لمشاهد تفصح عنها لتأكيد حدث آني سيأتي وقد نجحت في الربط بين المكان والزمان الوصفي،حيث اهتمت بالوصف التفصيلي للاماكن  المختلفة ومسميتها ومدلولها  وعلاقتها بالاحداث داخل الرواية ، كما انها اهتمت بالتحليل الوصفي في معظم المشاهد والحوارات داخل متن الرواية   كما جاء في ص 34(  كارلوس جريجوري.. شاب وسيم في أواخر العشرينات من العمر.. من عائلة يونانية مكونة من خمسة أفراد.. الأب  كان يمتلك متجرًا لبيع الحلوى والخمور.. والأم ربة منزل.. وشقيق يكبره كان يعمل نادلًا أيضًا في فندق سان ستيفانو الذي كان يعمل به كارلوس في ذات المهنة.. أقامت أسرته فترة طويلة في الإسكندرية ولكنهم غادروها إلى اليونان حين اشتدت الغارات عليها أثناء الحرب.. عرض على إيفيلين أن ترحل معهم ولكنها رفضت مغادرة بيتها ومدينتها التي نشأت فيها بالرغم من مقتل شقيقها الوحيد في إحدى الغارات.. لم يستطع هو البقاء فغادر على وعد لها بالعودة مرة أخرى بعدما تهدأ الأمور في المدينة.. فكر مليًا وهو يستعيد تلك الذكريات.. أتراها ستوافق هذه المرة على الرحيل معه أم أنها ما زالت تتمسك بالبقاء في مدينة لم تمنحها سوى الألم.)

2- محور التناقض :-

–  احتوت الرواية علي العيد من حالا ت التناقض الزمني حيث احتوت علي عناصر زمنية متانقضة ما بين الحاضر بكل ما يحمله من عناصر تكنولوجية متطورة وماضي سحيق ابان قيام الحري العالمية الثانية حيث نجد محور درامي يدور بين ايفلين وكارلوس وانطونيو في مكان وزمان انقضي ومحور درامي أخر علي النقيض تماما بين “عمر وسارة وغادة وياسر زهران  “بتقنيات حديثة  ومسرح الإحداث ألان ان الكاتبة نجحت في الربض الروحي والمعنوي بين اختلاف الزمن في كلا المحورين  وأضافت عنصر يعيش الواقع ويحرص علي بقاء الماضي بكل جماله متمثلا في شخصية يحي غريب  الذي جعل الحفاظ علي التراث المعماري القديم قضيته  الأبدية وكان حريص علي التقاط صورا لجميع المناطق قبل إزالتها بشكل عشوائي

– احتوت الرواية أيضا علي هذا التناقض الاجتماعي  مابين التعايش السلمي مابين جميع الإفراد في الماضي بين كل من(  كارلوس وايفيلن ) رغم اختلاف الديانات والجنسية وحتي النسب الذي لم تعرفه ايفيلين لنفسها حيث انها لا تعرف لها أب ولكن تعرف الأخ وإلام فقط  وتطور علاقة حب وزواج جديد بين ايفيلين وانطونيو  وتطورها الي شكل اجتماعي مستقر من خلال علاقة زوجية ناضجة  والتناقض التام الذي صحب المجتمع في العصر الحديث  في تلك العلاقة  مابين( إسماعيل ومريم )التي ورفضتها أسرته وأجبرته علي الزواج من شقيقة زوج أخته   وتقسي الشواطئ إلي خاص بالرجال وأخر بالنساء في شكل من إشكال التفرقة والتميز  حيث تحاول كل طبقة ان تتمسك بما اكتسبته من عادات وتقاليد اجتماعية وتجلي ذالك في موقف إسماعيل  داخل المطعم في الفصل11(“لمح إسماعيل ذلك الرجل الذي كانت تتحدث فتاة أحلامه إليه.. كان يقف عند مدخل المطعم يرحب بالنزلاء الذين توافدوا على المطعم لتناول طعام إفطارهم.. هب إسماعيل من مقعده وجرى نحو الرجل قبل أن يفقد أثره مرة ثانية.. تبادل جميع أفراد أسرته النظرات باندهاش الذي سرعان ما تحول لغضب مكتوم من ذلك التصرف الأهوج الذي قام به إسماعيل والذي تسبب في إحراجهم أمام جميع من كانوا في المطعم.. كاد الأب يلحق بابنه ويعنفه إلا أن الأم أمسكت بذراعه ناهية إياه عن معالجة حماقة ابنهما بحماقة أكبر..  ظل  فخر الدين يتابع ابنه بعينيه وبدت عليه الدهشة وهو يراه يقف مع عامل الفندق ويبدو أن حديثًا ما مطولًا يجري بينهما بود غير مفهوم.)

3- محور التضحية :

– وتجلي  هذا لمحور المهم في تلك الرواية في مشاهد عدة وبصور متعددة  ربما كان أصعبها هو انتحار مريم وإسماعيل فداء للحب الذي ولد بينهما  وتطور تلك العلاقة الي  الحد الذي جعل “إسماعيل يغير اسمه الي “ميلاد” من اجل عيون حبيبته المسيحية وعندما يتم اكتشاف تلك العلاقة عن طريق زوج أخته فاطمة التي تقوم هي الاخري بتوبيخ “مريم” وكشف النقاب عن حقيقة ميلاد وبأنه مسلم   وليس مسيحي وتقدم علي الانتحار  لأنها بالفعل كانت تحبه بصدق وتفاني رغم ظروفها الصعبة  وتترك أمها الكفيفة تواجه الحياة بالا عين تبصر بها ، وكذالك قيام “انطونيو” بتغير أسمة إلي إسماعيل  من اجل الفوز بمن أحبته  هذا جزء من التضحية  لانتصار الحب “)  دق باب بيتها وقلبه يدق بلهفة ووجل.. فتحت له امرأة ضريرة عرف على الفور أنها أمها.. تلجلج ثم استجمع شجاعته وادعى أن العم إيليا قد أرسله ببعض المال.. منحها النقود.. وسألها عن مريم.. أبلغته أنها ذهبت لإحضار بعض الطعام.. فانصرف محبطًا.. لم يرها كما تمنى.. سار بضعة خطوات مبتدعًا عن البيت.. رآها آتية من بعيد.. حث خطاه نحوها.. أصابتها الدهشة لوجوده بالقرب من منزلها.. همت بسؤاله عن سبب مجيئه ولكنها أحجمت عن الكلام خجلًا.. ابتسم لها وكأنه قرأ ما يدور برأسها وأجابها دون أن تسأل بأن العم إيليا أرسله للاطمئنان عليهما هي وأمها.. لم يذكر لها أمر المال الذي أعطاه لأمها.. تحدثا قليلًا وشعرا وكأنهما يستكملان حديثًا قديمًا لا يعرفان متى وأين بدأ أول مرة.. وقبل أن يرحل عنها سألته عن اسمه.. أجابها (ميلاد)..(

4- محور التخطيط :-

– من المؤكد ان الكاتبة وضعت مخطط  زمني ومكاني وحركي لكل فصول الرواية التي بلغ عددهم 40 فصل وارها قد برعت في الخريطة في إدارة عنصري الزمان والمكان داخل فصول الرواية  وإنها نجحت في الربط المباشر والغير مباشر بين المجموعات الثلاث التي أدارت بهم متن الرواية  حيث نجد المجموعة الأولي تنطلق من الإسكندرية القديمة أبان الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من تغيرات ديمغرافية وجغرافية  وشملت ” ايفلين وانطونيو كارلوس وسيف “أما المجموعة الثانية التي انطلقت من الإسكندرية إلي القاهرة  في صراع اجتماعي وسيكولوجي  وضمت ” سارة وعمر وياسر ويحيي غريب ” إما المجموعة الثالثة والتي انطلق من فندق سان ستيفانو في لقاء عابر بين بطل تلك المجموعة  والذي اثأر انتباه القارئ منذ الحدث الخاطف في لقاء عابر بين ” إسماعيل – مريم ” وضمت تلك المجموعة  بجانب هؤلاء كا أفراد الأسرة “الوالد والوالدة  وفاطمة الأخت وزوجها ” وكان لهما دورا مخطط لتطور الحدث داخل تلك المجموعة واري أن الكاتبة نجحت في خلق حلقة اتصال روحي ونفسي بين تلك المجموعات الثلاث من خلال الزمان والمكان ولم يخل ذلك بعنصر الترابط والبناء الفني والأدبي للرواية وفق هذ المخطط المسبق

5- المحور التراثي :

– كانت الكاتبة حريصة علي إحياء الذاكرة بكل التراث القديم  في شكل أراه متعمدا منها  لعشقها  إلي الطراز المعماري في الأحياء والميادين في مدينة الإسكندرية وتجلت عبقريتها في تحريك إبطالها واختيار الأسماء  القديمة والعمل علي الربط فيما بين الماضي والحاضر من خلال هذا المصور الذي جعل رساله في محور الرواية هو الحفاظ علي كل التراث المعماري القديم الذي يعد علامة مميزة لمدينة الإسكندرية ممثلا في شخصية “يحيي غريب ” واختيار الاسم كان إسقاط علي الإحياء  المعماري الذي ينم عن عبقرية  المكان في الإسكندرية التي كانت قبلة لكثير من العناصر البشرية الوافدة  ال مصر وحملت  كل المعالم المعمارية  المتنوعة التي أضافت تاريخا عظيما  لتك المدينة وهذا الشعور الذي تملكه  من جراء تلك العشوائية  التي تحاول القضاء علي كل ما هو تراثي فأحس بالغربة في زمن يناضل  وبنور الأجيال القديمة بأهمية تلك الأطر المعمارية التي يحاول الآخرين القضاء عليها بدون تخطيط  او حتى الاستفادة من المختصين في هذا المجال  مما حول المدينة إلي مدينة بلا هوية معمارية علي  هؤلاء الجدد الذين لا يعلمون كارثة ما يقومون به ولذالك حرصت الكاتبة علي ان يكون الفصل الأخير هو حوار الذكريات لتجعل النهاية  مفتوحة حول أسرار أخري لدي “يحيي غريب ” حين نجدها في صفحة 257تقول (  كانت تزداد إعجابًا به كلما زادها من حديثه.. كان يتحدث عن مدينته وكأنه عاشق متيم.. تعددت لقاءتهما.. وفي كل مرة تلتقيه كانت تغوص أكثر وأكثر في عالمه الساحر وترى الإسكندرية وكأنها لم ترها من قبل..  كان يبهرها دائمًا بما يرويه لها من حكايات عن هذه المدينة وعن عشاقها الكثر.. حكى لها عن المعماري أنطونيو لا شاك.. وأراها  ما تبقى من المعمار الذي شيده ذلك العاشق للإسكندرية..  المدينة التي أصبحت قضيته الوحيدة في الحياة وشغله الشاغل وعشقه الأبدي الذي توارثه عن جده..

    طاف بها في كل شبر منها والتقط لها صورًا تذكارية أمام كل بناية جميلة باقية.. أخبرها أنها المرة الأولى التي يشرك فيها فتاة أو امرأة في صوره التي يتلقطها لمعمار الإسكندرية التاريخي.. ابتسمت له ممتنة.. كانت عيناه تنطقان بما لم يبح به من مشاعر.. واكتفت هي بما قرأته من سطور في كتاب عينيه..  )

6- المحور الروحي والسيكولوجي :-

-حرصت الكاتبة علي اربط المباشر والغير مباشر بين نهج روايتها السابقة ” متروبول ” وروايتها الحالية “سان ستيفانو “من خلال تالف الأرواح ما بين شخصيات الرواية وهذا خلق حالة من حالات التشابك الوجداني بينهم والصراع النفسي  خاصة شخصية ياسر زهران  ومليكة  وسارة  وتحول  العلاقة  إلي صراع وشك  خاصة بين سارة وياسر الذي أدركت انه يراقبها من خلال تلك الروح الهائمة حيث تقول في ص 79(   أنهى ياسر المكالمة.. بينما ظلت سارة تحدق في الفراغ وهي ذاهلة.. إنه على علم تام بكل تحركاتها.. كما أنه يعرف أن عمر لم يفق بعد من غيبوبته.. أي شيطان مريد هذا.. شعرت بخوف حقيقي يسري في جميع أوصالها.. أحست برغبة في البكاء ولكنها تماسكت في النهاية)

 ونجحت الكاتبة في رسم تلك الصور الروحية بعبقرية  والتصاعد الوجداني بين مجموعات الرواية في مشاهد رومانسية رائعة كانت حريصة فيها علي التصاعد الحسي والوجداني بين كل عنصرين من خلال تالف الأرواح رغم بعد عنصري الزمان والمكان حين إذا وضعت تلك المشاهد نج ان التالف والتوحد هو العامل المشترك بينهما  نفس الحس والرؤى هنا في الإسكندرية القديمة و هناك في القاهرة الحديثة  إلا أن الرابط المشترك هو المكان الذي ربط بينهما حيث حرس عمر علي إقامة حفل زواجه في فندق سان استيفانو (أخرج عمر علبة قطيفة صغيرة لونها أحمر ومد يده بها إلى غادة.. نظرت إليه مستفهمة.. فتحها وأخرج منها سلسلة ذهبية يتوسطها اسم eve.. ابتسمت له بحب.. ألبسها إياها.. تحسستها على عنقها وهي مغمضة العينين ما زالت ابتسامتها الرائقة ترتسم على شفتيها.. أمسك كف يدها وطبع قبلة حانية على باطنه ونظر إلى خطوطه المتوازية 111 وابتسم ثم أغلقه على قبلته.. فتحت عينيها واحتضنته بهما وهي تسأله..

  • أكنت تعرف إذن؟

  • عرفت أثناء الغيبوبة..

  • ولماذا لم تخبرني أنك عرفت بعدما أفقت مباشرة؟

  • لم أشأ أن أفسد المفاجأة..

    طوقت عنقه بذراعيها وأمطرت وجهه بقبلاتها.. أطل في عينيها المتوهجتين وهو يخبرها بالمفاجأة الثانية التي أعدها لها..

  • سنقيم حفل زفافنا أيضًا في فندق سان ستيفانو..

ثم اقترب من أذنها وهمس بدفىء..

  • ما رأيك في اسم سيف لو رزقنا الله بصبي..)

وفي الجانب الآخر ما بين “انطونيو وايفلين “حيث تقو ل

  (  ظل أنطونيو ينظر إلى إيفيلين بعينين ملؤهما الامتنان.. أرخت جفنيها وأحست بدقات قلبها تكاد ترقص فرحًا.. إنه يعرف إذن ما قامت به من أجله.. ارتبكت قليلًا أتراه يعرف أيضًا عن كل ما كانت تقصه عليه وهو في غيبوبته.. اتسعت ابتسامة أنطونيو وهو ينظر إليها وتكلم لأول مرة..

  • هل بإمكانك أن تخرجيني من هنا؟

    غمرتها سعادة بالغة.. إنها المرة الأولى التي تسمع فيها صوته.. كم هومفعم بالرجولة كملامحه تمامًا.. احتضنته بعينيها وهي تجيب سؤاله..

  • بكل تأكيد.. إن سمح لك الطبيب بالمغادرة..

  • لا يا إيفيلين.. أرغب في مغادرة هذا المكان الآن..

    أصابها الذهول..

  • أتعرف اسمي؟

  • نعم.. لقد أخبرتني به من قبل حين كنتِ تقصين عليّ حكايتك ذات مرة..

    شعرت بالخجل والارتباك.. أدركت أنه كان يسمع كل ما تحكيه له من تفاصيل عن حياتها.. إذن فهو يعرف كل شيء.. سيهجرها بلا شك بعد كل ما عرفه عن حياتها.. بدا عليها الوجوم وهي تتحدث إليه..) ” جاء التناول من خلال التحليل النفسي لكل منها مؤثرا في نمو الحدث  حم خلال الانطواء –الحزن – السعادة –  الحب الكراهية المتعة الجسدية والنفسية الإمتاع – الإحساس بالذنب – الخيانة  تلك هي المفردات النفسية والسيكولوجية التي اعتمدت عليها الكاتبة في البناء النفسي للشخصيات وهذا المحور في الرواية أحيته الكاتبة في براعة من خلال مجموعة من المتناقضات اللغوية والحسية لتبرز لنا التحليل النفسي لكل منها في إطار من الفلسفة   والمنطق  وربما كان تأثرها بالنظريات النفسية هو الغالب علي تناول قضايا المرأة من خلال هذا المنظور النفسي الذي دمر حياة تلك الشخصيات رغم تباين الأحداث لدي كل منهن و وتجلي ذالك في صراع نفسي يعكس الرغبة في التحرر والحب رغم قيود مجتمع يكبل الخطوات ،عبرت عنه مرادفات  موحية و أشارات ، وحالة الانتظار المستمرة للتغيير مع الاستمرار في ملاحقة الأمل.

7- محور السرد الأدبي :-

حيث نجد الكتابة تميل في السرد الأدبي لديها إلي الاعتماد علي الجمل السهلة  البسيطة التي توظفها في تناول وتصاعد الحدث وهذا أضاف إلي النص الروائي لغة جديدة لم تستخدم كثيرا لدي الروائيين  فمعظم الكتاب لا يعتمدون علي تلك الجمل الشاعرية  القصيرة  والبليغة وإنما تعتمد معظم السرد لديهم علي الجمل الطويلة ذات التفاصيل   المكانية والجغرافية بعيد عن تلك المناطق الشعورية التي ركزت فيها الكاتبة “ريم ابو عيد ” في تناولها للحدث إلى استخدام لغة الفصحى القريبة من لغة الصحافة والشارع، الاحتفاظ الذكي بالكلمات الكبرى التي يستخدمها بعض في

صيغة الراوي المشارك؛ لتجعل لغة في متناول فهم الجميع بلا أي تعقيدات  او ملل

8- البناء الفني للرواية :-

– هذه الرواية تحتوي عبي ما يميزها عن غيرها من الروايات من حيث الانتماءات الواقعية والاجتماعية والنفسية ، وتتميز بقوة بنائها الفني ونجحت الكاتبة ” ريم أبو عيد” في الإمساك ببراعة بعناصرها الفنية سواء المكانية أو الزمنية  ، واحتوت علي عنصر التشويق بشكل دائم ومستمر و ظهور الشخصيات بشكل مرحلي حافظ علي البناء الدرامي للرواية دون أخلال وان الكاتبة سارت علي نفس النهج الأدبي المتدرج والرابط بين عنصري الإبداع ألابتكاري في القصة العمق الفلسفي  ونجحت ” ريم أبو عيد  ” في توظيف الشخصيات في خدمة الصراع الدرامي المتصاعد حيث عرض كل الأنماط البشرية بتوازن، مما أضاف متعة للقارئ من خلال تلك الجمل السردية السهلة والبسيطة وتلك العقد وتصاعدها وحلها في حالة من حالات الابتكار والإبداع الأدبي .

  –  وأخير علينا  أن نقر أن الكاتبة ” ريم أبو عيد”تمتلك من الثراء الإبداعي والثقافي  مما يجعل ،  تلك الرواية   تتميز  بثراء مضمونها، وتعدد مشاربها، وانتماءاتها ما بين

 الواقعية والرومانسية والاجتماعية والنفسية؛ فهي مجموعة  تنتمي لكل هذه التصنيفات، الأمر الذي يمكن معه أن نطلق عليها الرواية   الشاملة المتحررة من التصنيف التقليدي لكثير من المجموعات النمطية ، أضف إلى ذلك قوة بنائها الفني؛ والإمساك ببراعة بعنصري الزمان والمكان، والابتكار في تعدد المكان ورحابته، وتعدد العقد والإشاعات بشكل مرحلي بنائي؛ يسهم في تكوين العقدة الرئيسة والحل، والمحافظة على عناصر التشويق بشكل دائم ومستمر، مع نوع من التوتر الشيق، ورسم الشخصيات بهدوء  دون إخلال في البناء الفني والدرامي كاتب وناقد أدبي – مصر

– للتواصل [email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here