السيد الرئيس بشار الأسد: الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة

د. عبد الحميد سلوم

كلام صحيح قاله هذه المرّة السيد الرئيس بشار الأسد بنفسه خلال اجتماعه بالحكومة يوم الخميس 29/11/2018 .. كنا نطلق على الفاسدين بالدولة وصْف ” دواعش الداخل” وهذا يتقاطع مع قول السيد الرئيس أن الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة.. فالدواعش هُم إرهابيون وحينما يُوصف الفاسدون بأنهم الوجه الآخر للإرهاب فهذا يعني أنهم الوجه الآخر للدواعش.

تحدّث السيد الرئيس عن عدة أشكال وأنواع للفساد، وقال بهذا الصدد : ( أنه “يجب النظر إلى موضوع الفساد بمنظور شامل فهو لا يقتصر على استخدام السلطة من أجل تحقيق مصالح خاصة فقط وإنما أي خلل في الدولة هو فساد فهدر الأموال العامة وضرب المؤسسات وتراجع نوعية الخدمات المقدمة هي أوجه للفساد تؤدي إلى تعميم ثقافة الإحباط والفوضى وعدم الانضباط لدى المواطنين ما يعني عمليا تفتيت المجتمع ولذلك يعتبر الكثيرون أن الفساد والإرهاب هما وجهان لعملة واحدة”.

وأضاف السيد الرئيس  أن “محاسبة الشخص الفاسد هي أمر ضروري وأساسي ولكنها ليست بداية عملية مكافحة الفساد وإنما الأهم هو الوقاية والردع″، مشددا على أن “الوقاية تبدأ من البنى والهيكليات والأنظمة والقوانين وكل ما يحكم عمل المؤسسات” ..

كلام صحيح 100 % ، ولكن سأمنح نفسي الحق ، وأنا من انتسبتُ للبعث منذ العام الدراسي 1968 ــ 1969 حينما كنتُ في ثانوية أبي الفداء بمدينة حماه (وكَم رفعتُ الصوت ضد كل أشكال الفساد والإفساد والتخريب والتجاوزات والسلبيات والنطنطة وعقلية المزارِع ) أن أضيف لِما تفضّل به السيد الرئيس القول أن ثقافة المحسوبيات والواسطات والدعم والقرابات والتبنِّي في الدولة، هي أيضا أوجُها متعددة للفساد، قد تأتي بأهزل نوعيات للمناصب على حساب أكفأ نوعيات وتتسببُ بالإحباط.. وأن ثقافة المزارِع وتغييب المعايير وتكافؤ الفرص أيضا في المؤسسات هي أشكالٌ متعددة من أشكال الفساد. وكذلك إسناد المناصب للبعض لعقود من الزمن وهم يتنقلون من منصب لآخر، وكأن الأمهات لم تلد سواهم.

وسوف أتحدث أكثر عن المجال الدبلوماسي الذي عملتُ به 34 سنة في الدولة ولي به باعٌ طويل، وهنا سأوضِّح: أن إبقاء سفراء في مناصبهم 10 سنوات أو 11 سنة أو 12 سنة أو 13 سنة و 14 سنة و15 سنة و16 سنة و 17 سنة و 18 سنة و 19 سنة ، كما هو حاصل اليوم، كل هذا يؤدي أيضا إلى إحباط الآخرين ويجعلهم يشعرون أن الدولة هي لأناسٍ دون غيرهم، وأن هناك أبناء ستّات وأبناء جواري غرباء في الوطن، وكل هذا يمكن تصنيفه في إطار الفساد. الرئيس الراحل حافظ الأسد لم يكُن يسمح ببقاء سفير فوق الست سنوات، حتى تكون هناك عدالة وتكافؤ فُرص أمام الجميع.

حينما نأتي بأشخاص مدعومين ، أ و مدعومات، من خارج السلك (ومنهم من كانوا يعملون خارج الوطن) بينما نقصي خيرة أبناء السلك وأكثرهم خبرة وكفاءة ونظافة يد ووطنية وعطاء وموالاة ونضال مجّاني في حزب البعث لنصف قرن، فهذا لا يمكن تصنيفه إلا في إطار الفساد وإحباط المئات مقابل إرضاء شخص مدعوم هنا وهناك، وقد تكون مؤهلاته العلمية بمنتهى التواضع، ولا يعرف كلمة أجنبية بلغة في الدنيا، في زمنٍ نرى فيه بائع الخضار يعرف اللغة الإنكليزية.

حينما نرى سائقا في وزارة  سيادية لا يحمل أي مؤهّلٍ علمي يمتلك صلاحيات لا يمتلكها نائب أو معاون وزير بِحُكم علاقته المتينة مع وزيرِهِ، وهو من يقرر مصير ومستقبل أكبر المراتب الوظيفية والدبلوماسية لمدة ثمان سنوات، بحسبِ قُربِهم أو بُعدِهم عنه، وبحسب أمزجته المريضة، فهذا يعني أننا أمام فساد تدميري في الدولة. هذا الكلام ليس خياليا، إنه حقيقة يعرفها كبار مسؤولي الدولة.. ولولا أن جاءت أوامر عليا (مرّتين وليس مرّة واحدة) بإبعاد ذاك السائق لبقي حتى اليوم يأمر وينهي ويقرر مصير الناس.. مهزلة.. تصوروا لو أن هذا يحصل في دولة العدو الإسرائيلي..

حينما نرى إسناد مناصب مدراء، أو معاون وزير ثم سفير،  لكوادر من مراتب متوسطة ، ونتجاهل أكبر المراتب وأعلاها وأخبرها وأنظفها وأقدرها ، لأسباب شخصية صرفة، فنحن أمام ظاهرة فساد مُقزِّزة .

إن فساد الضمير هو أيضا أخطر أشكال الفساد الذي هو الوجه الآخر للإرهاب. وفساد الضمير يتجلّى حينما لا نراعي مبدأ تكافؤ الفرص، ولا نحترم الأقدمية والتراتبية ، ولا الكفاءات العلمية واللغوية والخبرة، ولا نطبق القانون بشكل عادل على الجميع ونصنع تعليمات تُميِّز بين أبناء المؤسسة الواحدة، بل أبناء الدورة الواحدة بحسب مستوى المحسوبية والواسطة، فنحن أمام تخريب مُمنهج للعمل وليس تنظيم للعمل.

السيد الرئيس قال للوزراء  أنه : “يجب على الوزارات جميعها العمل بشكل سريع للبحث عن كل الاستثناءات الموجودة في القوانين من أجل إلغائها تماما”.

وهنا سأتوقف عند المرسوم 20 للعام 2016 ، الذي ينظم عمل الوزارة التي عملتُ بها 34 سنة ولم أرى فيها معيارا سوى مستوى المحسوبيات والواسطات والعلاقات الخاصة، وأشير إلى المادة 41 التي تنص على مايلي :

 (  يتم تعيين العاملين في الوزارة وإنهاء خدماتهم وفق أحكام القانون الأساسي للعاملين في الدولة وهذا المرسوم التشريعي حيث تنتهي خدمة العامل في الوزارة عند بلوغه السن القانونية للإحالة على التقاعد وفق التاريخ الميلادي ، ويمكن في حالات الضرورة تمديد خدمته سنة واحدة قابلة للتجديد حتى خمس سنوات بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير ، أما من حصل على لقب سفير فتنتهي خدمته حين إتمامه الخامسة والستين من العمر ، ويجوز بمرسوم بناء على اقتراح الوزير تمديد خدمته سنة فسنة بما لا يتجاوز سن السبعين ، وتدخل مدد التمديد في حساب الترفيع والمعاش ) .

إذا الاستثناء واضح لِمن يُمنحون ألقاب سفراء ويجب تطبيق توجيهات السيد الرئيس وإزالة هذا الاستثناء الذي لا ضرورة له على الإطلاق وتسبّبَ بنقمةِ الكثيرين على هكذا دولة تصدر فيها هكذا مراسيم تمييزية ( ونحن نعرف أن الجميع يحصل على هذا الّلقب بالمحسوبية والواسطة ومن ليست له واسطة فلينقلِع.. إنه غريب في الوطن) ..

فضلا عن ذلك نرى في هذا المرسوم معايير متعددة للتعامُل مع الكوادر، كما هو واضح: فمن يريد الوزير صرفهم على الستين فيستطيع حالا، ومن يريد التمديد له بعد الـ 60 يمكنه ذلك، ومَن يريد بقائه بقوة القانون حتى الـ 65 ثم التمديد له سنة بعد أخرى حتى السبعين يمنحه لقبْ سفير ويفتح له المجال حتى السبعين.

هذا ليس تنظيما للعمل وإنما فوضى بالعمل. لأن السؤال الأهم في كل ذلك ما هي المعايير التي سوف تحكمُ كل حالة من هذه الحالات؟. لا توجد أية معايير واضحة. ومن خلال تجربتي لمدة ثلاثة عقود ونصف لا يوجد سوى الشخصنات والمحسوبيات والواسطات والالتماسات والعلاقات الخاصّة، والشللية والأمراض الاجتماعية ، ولا أود الدخول بتفاصيلها الآن . والسؤال الآخر: هل توجد وزارة خارجية بالعالم تخضع لهذه الحالات المتعددة من التمييز بين كوادرها؟. لا أعتقد ذلك.

بل جاء في المادة 49 الفقرة / ب/ من المرسوم 20 ما يلي : ( لا يقترن منح لقب سفير بتعيينه لرئاسة بعثة دبلوماسية ، بحيث يمكن منح اللقب في الإدارة المركزية ) . أي يمكن للوزير أن يمنح لقب سفير لِمن يرغب من دون أن يكون سفيرا مُعتمدا في بلدٍ ما. وهنا نعود لنفس السؤال: ما هي المعايير لذلك؟. ثُم هل ستنطبق المادة 41 على هذه الفئة التي ستحصل على ألقاب سفراء داخل الوزارة، وسيبقون حُكما حتى سن 65 ومن ثمّ يمكن التمديد لهم سنة بعد أخرى حتى السبعين؟. وفي حال انتقل أحد هؤلاء إلى أية سفارة فكيف سيقدم نفسه سفيرا وهو غير مُعتمَد كسفير ولم يُقدّم أوراق اعتماده لرئيس الدولة المضيفة؟.

عيوب كثيرة، وغموض أحيانا، تعتري هذا المرسوم وأعتقد من الضروري إحالته إلى مجلس الشعب لمعالجتها أسوة بمرسوم وزارة  الأوقاف الذي أثار الكثير من الجدل.

نعم لقد آن الأوان يا سيادة الرئيس ، وإننا في سورية نحتاج إلى عقول رجال دولة وليس عقليات رجالات مناصب يجسدون الوجه الآخر للدواعش.

عقلية رجال الدولة (وهذه تنطبق على المُذكّر والمؤنّث) غير عقلية رجالات المناصب .. من يحملون عقلية رجال الدولة لا تُغيّرهم المناصب وإنما تتيح لهم الفرصة لخدمة الشعب والتضحية لأجله وليس فقط لخدمة جيوبهم وأبنائهم وأقاربهم.. فالمنصب هو مركز، وفرصة بنفس الوقت لخدمة قضايا الناس والإصغاء لهم وفتح المكاتب أمامهم والتحاور مع النُخب في الوطن حول كافة ما يتعلق بشؤون الوطن .. رجُل الدولة تراه متواضعا غيورا على هموم الناس، لا يُقطِّب حاجبيه ولا يردد مدير مكتبه دوما (كذِبا) لكل من يطلب لقاءه : ( مشغول كتير ، ما عندو وقت ، بالاجتماع ، خارج المكتب، إرجع بعدين ، إتّصل بعدين) .. هذا ليس برجُل دولة وإنما رجُل منافع ومكاسب على حساب الدولة وشعبها .. رجُل المناصب كله عُقد نقص ويسعى لتعويضها بالابتعاد عن الناس والتعالي عليهم والمنفخة وحب المظاهر الكاذبة..

من يحمل عقلية رجُل الدولة لا يخشى لقاء الناس، ولا يتهرب أو يهرب من ذلك، بل يستمتع بلقائهم والتحدث إليهم وسماع وجهات نظرهم، أو همومهم وشكاواهم، أو غير ذلك.. وأما رجُل المنصب فلا يعرف كل هذه المعاني .. رجُل المنصب لا يعرف إلا الاستعلاء والمنفخة والتعالي وتعريم الصدر ورفع الرأس ويمكن تشبيهه بالدجاج البلدي أيام زمان حينما كانت الناس في الأرياف تقضي حاجاتها بالخلاء، فيذهب الدجاج البلدي وينكش بالبُراز ثم يأكل ويرفع رأسه للأعلى .. رجُل الدولة لا يبحث عن مجدٍ شخصيٍ له وإنما عن أعمال وخدمات وإنجازات تُقرِّبه من عقول الناس وقلوب الناس .. يتفانى في خدمة الجميع وليس خدمة أصحاب الأموال والمدعومين فقط، ومن لا يوجد له دعما فليذهب إلى الجحيم، فهذا مُواطن درجة عاشرة في الوطن، وهذا مكانه فقط الخنادق والقتال على الجبهات لأجل أن يبقى أصحاب المناصب في مناصبهم ويعيشون البَطر والرخاء والأبّهة مع زوجاتهم وأولادهم البعيدون عن الجبهات، وحتى عن كل الخدمة الإلزامية، ويتمنفخون على بقية البشر بسياراتهم وأساليب حياتهم.

رجُل الدولة ذا شعور عالٍ بالمسؤولية الوطنية، ويحرص على التوزيع العادل لثروات الوطن وأمواله، يضع في مؤسسته معايير تنطبق على الجميع بلا استثناء، لا يعرف الحقد، ويحترم التراتبية والأقدمية والخبرات والكفاءات، ويعطي كلٍّ حقه بلا تجاوزٍ، وبعيدا عن كل العوامل الشخصية، ولا  مكان عنده لشخصٍ مُلتمسٍ ومدعومٍ ومُقرّبٍ من هذا وذاك من المسؤولين وأهل السلطة، ويحابيه نتيجة ذلك، بينما يتعامل مع غيره بكل لؤم وكيد وشخصنة، فهذه عقلية رجالات العصابات وليس رجال الدولة .. رجُل الدولة أرفع من ذلك، أما رجُل المنصب فلا يفهم إلا بذلك، ولا يعرف إلا ثقافة المحسوبيات والمزارِع والواسطات وتصفية الحسابات مع كوادره ، وتبادل المنافع ” وحكلّلي تحكّللك”..  يعني ببساطة هو شخص انتهازي ونفعي وهذه لا يمكن أن تكون من سمات رجُل الدولة ..

رجُل الدولة يجتمع دوما في مؤسسته مع كوادره ويتحاور معهم ويستمع لآرائهم وانتقاداتهم ووجهات نظرهم في كيفية تطوير العمل والقضاء على السلبيات، وأما رجُل المنصب فيخلق جدار برلين، أو جدار الفصل العنصري الإسرائيلي بينه وبين الآخرين.. ولسان حاله يردد: أنا ربكم الأعلى…

رجُل الدولة يفرح ويًقدّر كل من يرفع صوته في وجه السلبيات والأغلاط  والفساد والتجاوزات وانعدام المعايير وتكافؤ الفرص، ويشجعه على ذلك، بينما رجُل المنصب يحقد على كل من يرفع الصوت ويطرح هذه المسائل، ويتهمه بمائة تهمة وتهمة أقلها “الثرثرة”. يعني الوطني والغيور على المصلحة العامة ومصلحة الوطن والشعب هو ” ثرثري” بنظر أصحاب المناصب ، ولكنه مناضلا بنظر رجال الدولة.. فكيف يمكن أن نبني دولة بأصحاب المناصب وبغياب رجال الدولة؟.

رجُل الدولة تدمع عيناه لابن أو ابنة شهيد وأرملة شهيد، ووالدة أو والد شهيد، لأنه يدرك معنى الشهادة ومعنى فقدان أحد فلذات الأكباد، ويسعى بكل السبُل لمساعدتهم وإشعارهم أن رجال الدولة هم أهاليهم وغيورون عليهم، حتى يخففوا عنهم حرقة المصاب والفُقدان واللّوعة، وأما رجُل المنصب فيقول: (شو ما فيه غيركم عندو شهيد .. صرعتونا بالشهداء .. صاروا الشهداء شماعة .. الخ)، وهكذا ، يزدري الشهادة والشهداء وذوي الشهداء الذين لولاهم لما كان هو في منصبه وحائز على المكاسب والامتيازات ..

رجُل الدولة لا يدفع بأبناء الآخرين للموت ويُبعِد أولاده عن الأخطار والمخاطر بشتى السبُل، بينما رجُل المنصب هو من يفعل ذلك، وهو من يشجع أبناء الآخرين للموت كي يحصلوا على شرف الشهادة ويحمل واحدهم لقب ” الشهيد البطل” ولكنه يُبعِد ويُهرِّب أولاده من الحصول على هذا الشرف ولا يريد أن يحمل واحدهم لقب ” الشهيد البطل” .. فهذه هي المسألة الوحيدة التي لا يطمعون بها ولا يريدونها لأولادهم، وأما المكتسبات والامتيازات والسيارات الفاخرة وارتياد المطاعم والكافتيريات والفنادق الممتازة فهذه يحتكرونها، وهذه لا تليق إلا بأولادهم هُم وحدهم.. وأصلا لا أحدا من أولاد الفقراء لديه المقدرة على ارتياد ذلك.

وأريد بهذا الخصوص أن أُعرِب عن رأيي الشخصي في مسألة تتكرر دوما وهي رفد الدولة بـ (فئة الشباب).. بالتأكيد من الضروري إيجاد فُرص عمل للشباب بالدولة.. وأريد هذا لأولادي.. ولكن عند مقاربة المناصب ومواقع المسؤولية فالوضع يختلف.. لأن المسألة ليست بالأعمار وإنما بطريقة التفكير والمفاهيم والعقول المنفتحة والواعية والمتواضعة، ونظافة اليد وحيوية الضمير والحرص على تطبيق العدالة وتكافؤ الفرص ومدى الحماس للعمل والعطاء والتغيير والقدرة على المبادرة واتخاذ القرار وتحمُّل المسؤولية والانفتاح على الناس ومشاغلهم وهمومهم، والمقدرة على التواصل والتواضع والإصغاء والاهتمام والمتابعة، دون أن ننسى الخبرة الحياتية والمؤسساتية وتكافؤ الفرص وغيرها.. فليس بالضروري أن يكون المسؤول من فئة الشباب كي يدرك كل هذه المعاني، بل قد يكون من فئة الشباب ولا يعي معنى هذه المعاني، ويتملكه الغرور والتعالي على الناس مع ضعف الخبرة ، وكمْ كنتُ أرى من فئة الشباب مَن لم تحمِلهم عقولهم وهم يرون أنفسهم خلفَ المكاتب والناس بالخارج تنتظر توقيعهم على معاملة  .. موضوع الخبرة لا يجوز إغفاله، وكم هناك من زعماء العالم أعمارهم بالسبعين والثمانين والتسعين ويقدمون أفضل مما يقدمه الشباب .. ما الفائدة إن كان الشخص شابّا وكان مغرورا ومتعاليا، وعقله منغلقا ومحدودا وتفكيره متخلفا  وظلاميا وغير قادر على المبادرة والتطوير واتخاذ القرار وتحمُّل المسؤولية؟. وبالمقابل قد يكون كبيرا بالعُمر ولكن صغيرا بالعقل والتفكير والممارسة .. ولذا المسألة تحتاج إلى تمحيص كبير وعودة إلى تاريخ الشخص للوقوف على مدى مقدرته على اتخاذ القرار وعلى المبادرة وعلى تحمُّل المسئولية وعلى المقدرة على التواصل وعلى المقدرة على الحوار والإقناع ، وفوق ذلك طبيعة عقله وتفكيره وثقافته وإلى أي مدى هو مُنفتِح  وقادر على التطوير والولوج إلى الأمام .

لقد شجّعني كلام السيد الرئيس للقول بوضوح أننا : لم نعُد نحتمل كذب الكاذبين ونفاق المنافقين وفساد الفاسدين واستهتار المستهترين والاستخفاف بالناس والقفز فوق المعايير والقوانين.. لم نعُد نحتمل تقاريرَ ودسائسَ الصغار التافهين وتحديدِ مصيرِ مواطنٍ من خلال تقارير كيدية وكاذبة يكتبها أحد السفيهين والجاهلين.. ولم نعُد نحتمل انتهاز الانتهازيين ولَعْقَ اللاعقين، وتضحيات أولاد الفقراء فقط كي تتضخّم كروش المتنفذين والمسئولين ..

لم نعُد نحتمل رؤية لصوص وموتورين ومزايدين يزايدون على الوطنيين .. ولا رؤية متكبِّرٍ ومتغطرس وجاهلٍ يحاضر بالمثقفين.. ولا مناصب لِعقودٍ حكرا على المدعومين.. لماذا التمييز المقيت  بين الناس في ذات المؤسسة، فهذا من طبقة الأسياد وذاك من طبقة التابعين.. هذا يُقعِدونهُ على الستين عاما وزميله المدعوم يشغل المناصب حتى السبعين ويتمُّ مأسسة ذلك بمراسيم رسمية غير مدروسة يرفعها هذا الوزير أو ذاك  وتنطوي على الظلم والتمييز.. ألا يعتدي من يقومون بهذه الأفعال على حقوق المئات من أبناء المؤسسة الواحدة أو أبناء الوطن؟. ألَا يندرج ذلك في إطار أشكال الفساد؟.

إلى متى سنبقى نرى مسؤولٌ هنا وهناك، صادَرَ المؤسسة وخصخصها وحوّلها إلى شرِكة خاصّة يرفع فيها من شأن من يريد ويخفض من شان من يريد بِمزاجية مُقرِفة، يقصي من يشاء ويبقي على من يشاء وكأننا في شريعة الغاب..

سيادة الرئيس، أقف معكم بقوة لمحاربة الفساد ، سواء فساد اليد أم فساد الضمير، وخلقِ دولة مؤسسات في وطننا المكلوم.. وأقول لكُم أنه ولا صحيفة من صحف الوطن، حتى من تدّعي الاستقلالية، تقبل أن تنشر هذا الكلام ( وقد جرّبتُ) لماذا؟. لأن الجميع يريد أن يتستر على العيوب والنواقص والسلبيات والفساد، ولا يريد أن تصلكم الصورة الصحيحة والصادقة.. ولذا أتوجه بكل الشكر للأستاذ الكريم والصحفي المرموق عبد الباري عطوان، ولِموقع ” رأي اليوم” المُعتبَر والمشهور، ولكادرهِ ، لأنه نشرَ هذا الموضوع الذي يلامس كبد الحقيقة ولا تنشرهُ صحُف الداخل لأن القائمين عليها لا يريدون للحقيقة أن تظهر وتسود.. ولذلك أنا أميلُ إلى الرأي الذي يقول: أنهم يُخفُون الأمور عن الرئيس ولا يضعونه بالصورة الحقيقية بشكلٍ صادق وأمين..   لا يمكن لأي رئيس بالعالم ، مثلا، أن يمتلك الوقت لقراءة مشروع مرسوم من خمسين صفحة، ولكن يُفترَض بمن صاغوا هذا المشروع أن يكونوا أمناء وموضوعيين وعادلين في صياغتهم له ولا يصيغونه على مقاساتهم الشخصية ..

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

11 تعليقات

  1. معك حق في كل ما ذكرته من صميم المعاناة لنا جميعاً . لكن الشباب اليوم هم أَولى بقيادة العمل. العلم تقدم والنظريات العلمية في البرمجيات والتحكم والتصميم جعلت الكبار عبئاً على العمل وخاصة في المجالات الهندسية . أحييك على المقالة الواقعية ونتمنى لسوريا كل التقدم والاذهار.

  2. “إذا كان المفسدون دواعش الداخل فاين المشانق [؟]”
    سؤال “سوري حر” في غاية الحكمة. إذ يلخص ضرورة “المحاسبة”، واحدة من أهم وسائل نجاح أي سياسة. الوسيلة الأخرى الضرورية هي مكافأة السلوك المتميز ( الأخلاقي، الملتزم، والنظيف ). وبذا يمكن — على سبيل المثال — اصدار “الجائزة السنوية للخدمة الوطنية” أو “وسام الدولة السنوي للتميز في الخدمة العامة” إو “نيشان محافظة ( أو “وزارة” أو “مؤسسة” ) … للخدمة المدنية”؟ مع وجود الإرادة، ليس للإبداع من حدود.

  3. اذا كان المفسدون دواعش الداخل فاين المشانق ..طالما انه لا عقاب ولا ردع يبقى الكلام كلاما والفساد في سوريا كان وما زال لكنه اصبح اخطبوطا وما زلنا نرفع الشعارات ونصف المرض دون الحلول والعلاج..

  4. شكراً حضرة الكاتب المحترم، لقد وضعت يدك على جرح الشعوب العربية كلها.
    تعال إلى لبنان وشاهد بأم العين الفساد من الأعلى حتى الأسفل. الفساد في لبنان يمارس على المكشوف وفي وضح النهار.
    لقد أضحى لبنان بلد المافيا لكثرة اللوبيات المافياوية، مافيا الزبالة، مافيا الكهرباء، مافيا أموال المهجرين، مافيا الأشغال العامة وتزفيت الطرقات، مافيا الكسارات ومعامل الباطون، مافيا المستشفيات، مافيا المخدرات (مع ضباط بنجوم)، مافيا التجارة بالدين وطبعاً مافيا السياسة.

  5. == تصحيح واعتذار == الفقرة الرابعة في الرسالة السابقة يجب أن تقرأ …

    وكما *هبت* الجماهير والقوى الوطنية والشرفاء والمناضلين لدعم الحركة التصحيحية … إلخ

  6. أقتبس من المقال القول التالي: “ثقافة المحسوبيات والواسطات والدعم والقرابات والتبنِّي في الدولة، هي أيضا أوجُها متعددة للفساد” ان هذه الكلمة تختصر كل شيء والحقيقة أن مشاريع اعادة البناء الجديدة والتي تنبيء أسماؤها الغربية التي طالما حاربها نظام البعث, هذه الاسماء الغربية تنبيء بسحق للفقير ومزيد من الرأسمالية والفساد. رفضنا خيانة الوطن ورفضنا المؤامرة ولكن المنطق والعقل يقول أن الصدام بيننا وبين النظام قادم لا محالة. لن نقبل بهذا الفساد بعد اليوم. شبابنا يقتلون دفاعا عن مجموعة من الفاسدين.

  7. هذا مقال هام جدا في موضوعه، صريح وشفاف في طرحه، وجريء في تعاطيه مع مسألة ذات أولوية قصوى في وقتٍ تلملم فيه سوريا أنفاسها وجراحها بينما تخرج منتصرة على المؤامرة الكونية للنيل منها، ومن عروبتها، ومن اصرارها على مقاومة قوى الرجعية والصهيونية والاستعمار وعلى حفظ كرامة العرب.

    أسمعُ في هذا المقال صوتَ مواطن عربي سوري شريف، ينبض حباً للوطن، وحرصا على استقلاله، وغيرة على حفظ المكتسبات الوطنية ودعم مسيرة التقدم والتنمية العادلة والمستدامة. ولا أرى أي اختلاف بين النَفَس الإصلاحي للسيد كاتب المقال وذلك الزخم الشجاع والطموح للرئيس الشاب بشار الأسد. لقد انتصر الرئيس الأسد ضد الهجمة الهمجية الخارجية والواضح أنه على وعي كامل بضرورة تحقيق نجاح مماثل على الصعيد الداخلي.

    إن للرئيس الأسد فرصة ذهبية نادرة للقيام بـ “حركة تصحيحية” جديدة تسعى لتوطين وتمتين مبادئ الحوكمة الرشيدة، والقضاء على كل أنواع الفساد، والتأكيد على مبادئ المواطنة، وتكافؤ الفرص، والمحاسبة، والعدل أمام القانون. هذا وإن السعي إلى صنع سوريا الجديدة يحتاج إلى الدفع بتجارب التعددية والحكم التشاركي وضمان الحريات المدنية والشفافية في اتخاذ القرار وتقوية دور الإعلام الحر الملتزم بقضايا الوطن والأمة. سورية محصنة بجبهتها الداخلية هو قوة دعم لسورية العروبة، والكرامة، والصمود ليس فقط للسوريين بل لكل العرب. وحركة تصحيحية متجددة كهذه يمكن أن تُصنع على نار هادئة ضمن خطة مدروسة ذات معالم وأهداف واضحة.

    وكما تهافتت الجماهير والقوى الوطنية والشرفاء والمناضلين لدعم الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970، بقيادة الراحل حافظ الأسد، فإن بناء سورية الجديدة على مبادئ الالتزام القومي والحرية والعدالة الاجتماعية (وهو تعبير يحاكي “الاشتراكية” ) سوف يلهب مشاعر الجماهير من المحيط إلى الخليج تأييداً ودعماً وفداء لسوريا، ولأبنائها، ولقائدها.

    في سورية متجددة، واثقة، ومنتصرة، فإن موضوعَ ومضمونَ وروحَ هذا المقال تليقُ بحوار مفتوح وصريح في مجلس الشعب يبث على الهواء على مسمع ورؤية كل مواطن ناطق بالعربية. فسوريا التي تقود جبهة الصمود والمقاومة والذود عن كرامة العرب، تسحق ( بل هي مُطاَلبةٌ ) أن تلعب دورا سباقا في بناء مجتمع عربي معاصر كريم وعادل يشارك بإيجابية في صنع حاضر ومستقبل الإنسانية.

    مع كل الاحترام والتقدير لكاتب المقال.
    /..

  8. الاستاذ الفاضل عبد الحميد تحيه طيبه اليك من القلب على هذا المقال الذى هو اكثر من رائع , فى الحقيقه عندما قراة المقال الى اخره احسست بالاحباط والخيبه كونه يصف الواقع الحقيقى للاداره فى داخل مؤسسات الدوله السوريه . هذا الواقع هو واقع سوريا وهو واقع جميع الدول العربيه ( المتخلفه ) بدون استثناء , نعم نحن دول متخلفه والدليل هو واقعنا الذى نعيشه (الذل والهوان) … على اية حال انا اتمنى من رؤساء الدول العربيه التعلم من سيره الحياة السياسيه لرئيس تركيا الحالى رجب طيب اردوغان ( مع العلم انى اكرهه شخصيا بسبب موقفه السلبى فى سوريا ) اردوغان وحزبه منذ توليه السلطه فى بلاده وحتى الان وهو يحارب مظاهر الفساد فى جميع قطاعات دولته ومن عاش فى تركيا منذ التسعينيات يعرف انجازات اردوغان عندما كان يعمل فى بلدية اسطنبول .

  9. نحن عامة نتقن النهب والسلب والقوى يقضي على الضعيف والغنى يزداد أكثر غنى والفقير أكثر فقرا وإلى مثواه القريب بأسرع وقت جدا. هل لو كانت العدالة والمساواة بالبلد يقاوم نظامه لعدة سنوات كان سيتحقق ما حدث فيه من إرهاب ودمار ومحاولة إنقلاب لنهاية الحكم فيه حكم حزب البعث لعقود ليست بقليلة وتأمر عليه العالم الغربي وحتى المحيط وجيرانه العربي والتركي؟ نعم النظام يقاوم بلد مازال يحتله جزئيا كغير البلدان هم إخواننا في الدين وخاصة فلسطين ويحقد ويكره أعداء الدين ولكن هل يترحم على شعبه ويطبق القانون والعدل بدون تمييز وبهتان؟

  10. كدت اظن ان بشار وجماعته ظلموا. يبدو، يا استاذنا، ان العرب مؤزومين بنفس الاوبئة.
    لكن بلادي عندها بترول، اعني ان بلادي وكذا البلدان الخليجية يمكنها الاستغناء عن الاجهزة الكفئة، وعن الرجال والنساء الكفئات، بفضل موارد الضخمة للبترول.
    لا افهم حالتكم يا اخي بسوريا. وخاصة جاركم يتربص بكم في كل الحالات.
    لقد فتحت لبشار نافذة جيوسياسية لابد له ان يحسن استغلالها. بل لابد ان يبدع نظاما ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا ليبدأ على الفور النهوض.
    له ربما في الصين النضام اكثر قربا من حلته، كنظام حداثي ذو رأس بلون واحد.
    كان الله معكم يا اخواننا السوريون.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here