السياسة الدولية وفكرة الحرب والسلام

محمد بن سعيد الفطيسي

فكرة سعي الانسان لتحقيق السلام والتعايش والصداقة والوئام بين الدول والشعوب فكرة حضارية وانسانية قديمة وطويلة تجاذبتها منذ فجر التاريخ الكثير من التناقضات الانسانية والحضارية والصراعات والحروب السياسية وتحولات القوة , حتى وصلت الى ما نشاهده اليوم على ارض الواقع على صعيد السياسة العالمية والعلاقات الدولية .

وكما هو الفرد في علاقته مع من حوله من الافراد , كذلك المجتمعات والدول التي لا تستطيع ان تعزل نفسها عن بقية المجتمعات والدول , بل هي بحكم الضرورة والاختيار كذلك تحتاج الى اقامة العلاقات والتعامل مع بعضها البعض , وقد بذلت البشرية منذ فجر التأريخ كل طاقاتها وسخرت كل امكانياتها وقدراتها لتحقق ذلك الهدف الحضاري والانساني الجميل كما يؤكد ذلك العديد من المؤرخين والباحثين.

فقد جاء في البند الاول لأقدم معاهدة سياسية وعسكرية تاريخية – ق الثالث عشر قبل الميلاد – ما يؤسس لهذا النوع من التوجهات الانسانية والسياسية والقيم الاخلاقية والحضارية ,ومبادئ السلام والتعايش الدائم بين الدول والشعوب , وهي معاهدة التحالف التي ابرمها فرعون مصر (رمسيس الثاني ) مع ( حيثار ) ملك الحيثيين .

الا ان هذه الفكرة الجميلة كما اشرنا سابقا كانت دائما محل شد وجذب في طبيعة التفكير والنشاط الانساني والدولي , حيث ارتبطت وتداخلت بدورها مع علاقات القوة والمصالح السياسية سواء كان ذلك على صعيد السياسات الخارجية للدول او على مستوى سياستها الداخلية . فعلى صعيد العلاقات الدولية وكما يؤكد ذلك روبرت جاكسون في كتاب ميثاق العولمة انه ( من النادر جدا لأي دولة  متورطة في حقل العلاقات الدولية ان تتمتع بالحرية الكاملة , حتى قادة اعظم القوى مقيدون بالظروف والملابسات والتي يجدون انفسهم محاطين بها . قد يكون استقلال الدول وهو متضمن احيانا في مفهوم القوى العظمى انموذجا مثاليا او املا او هاجسا غير انه ليس واقعا ) ([1])

 وهكذا الحال بالنسبة للسياسة الداخلية والتي طالما تركزت كذلك على خصائص تقبع في مقدمتها المصالح التي تربط القوى السياسية والاقتصادية مع بعضها البعض في الداخل الوطني والتي تتغير بدورها بشكل مستمر ودائم بحسب تلك المصالح والتجاذبات , وكيفية النظر والتعامل مع هذه المصالح من قبل تلك القوى , والذي بدوره يحدد طبيعته نوع الدولة ونمط النظام السياسي وشكل القرارات والتوجهات السياسية الداخلية منها او على صعيد السياسة الخارجية والعلاقات الدولية , وليس ذلك فقط , بل ان حتى اصغر القرارات الداخلية في كثير من الاحيان , ترتبط بشكل كبير مع العديد من المتغيرات الخارجية وتتوقف على الاوضاع السياسية الدولية , فمثلا مشكلة ايجاد دستور للمواطنين او القيام ببعض التعديلات عليه وان كان مسالة وطنية داخلية لكنها بلا شك تخضع في جانب كبير منها لمواقف وضغوط دولية , سواء في الناحية القانونية او السياسية .

وهكذا نجد ان فكرة السلام والتعايش الدولي تتداخل بشكل واضح مع فكرة الحرب والصراع , فاذا كان الانسان بدوره لا يستطيع ان يعيش بمعزل عن الاخرين وان طبيعة الحياة والمدنية تدفعه بإلحاح الى التعايش معهم من جهة , فان نفس الفكرة الطبيعية جعلت من عدم احتمال الناس لبعضهم البعض او بسبب اختلاف المصالح والاهداف والتوجهات من جهة اخرى يدخلون في صراعات وحروب دموية , وكذلك هو الحال بالنسبة للجماعات الكبرى والدول في علاقاتها مع بعضها البعض ولكن بوسائل وتوجهات مختلفة تدفعها مصالح اكبر واكثر اتساع وشمولية.

خلاصة الامر ان السلام والحرب في العلاقات بين الدول ليست من القيم التي يمكن اخضاعها لمعايير واضحة وثابته, ولكنهما احد جوانب الهدف النوعي للسياسة , وغاية تتحكم بها الاهداف الاستراتيجية والمصالح السياسية والجيوسياسية وتوجهات النخب الحاكمة , ,وجوانب اخرى كثيرة ومتعددة , وان ( العلاقات دائما هي عبارة عن نوع من الصراع والتنافس , وان ما يدعونه بسلام النفوس ليس سوى المعنى الديني للحق , وما دام السلام كالحرب يحدد العلاقة بين الدول , فانه بالدرجة الاولى قضية سياسية , ولا يمكن اذا تعريفه بتوقف تام للصراع , او انعدام كامل للنزاعات والخصومات , وعدا ذلك فان السلام خلافا للحرب , يتميز بانه لا يسعى الى التغلب على العدو وانكاره , انما هو اعلان حرب مقنع او محو الاسباب التي تؤدي الى الحرب ) ([2]) ومن هنا جاءت فلسفة الحق للقوة والتي يخيل الينا انها الواقع في التعامل الدولي بغض النظر عن اخلاقياتها .

لذا ومن اجل تفسير مستقبل كل تلك المتغيرات الحاصلة في النظام الدولي الراهن , وخصوصا ما يتعلق منها بقضايا توازن القوى الدولية والتغيير في هياكل البناء السياسي ومنظومة العلاقات والسياسات الدولية وضعت العديد من النظريات , ولكن ( مع ذلك فان هناك أشياء لا نستطيع ان نقدم تصورنا حولها , وهناك أشياء أخرى يمكن فهمها ويمكن ان تتغير بصورة أكثر عملية , فضلا عن التغيرات في التقنيات الموجودة في التنظيم والبناء السياسي , وهناك بالفعل تتربص نهاية النظرية لمصلحة نظريات العلاقات الدولية , وإدارة هذه العوامل التي تؤدي الى نشوء تلك العلاقات , وهي ما يطلق عليه بالسياسة الدولية او السياسة بين الأمم , كما يحلو للبعض تسميتها , وهذه العلاقات إما ان تكون سلبية , عن طريق الاحتلال والحروب , او علاقات ايجابية , – عبر تفاهمات سياسية ودبلوماسية ناعمة , او عبر تكتلات وتحالفات تنقسم وتتلاقى على المصالح السياسية او الاقتصادية او غير ذلك , إلا أنها وفي نهاية المطاف لابد ان ترتكز على قيم ومبادئ ونظريات العلاقات الدولية – ويربط هانز مورجنتاو القوة بفكرة التأثير أو التحكم في المكاسب ، وعرف القوة بأنها القدرة علي التأثير في سلوك الآخرين ) ([3])

بالتالي، يمكن تحديد قوة الدولة من خلال طبيعة سياساتها وتوجهاتها الخارجية وشكل علاقاتها الدولية وذلك من خلال التعرف على حلفائها واعداءها , يضاف الى ذلك مدى قدرتها على تحويل موارد تلك القوة والتأثير الى قوة متحققة وليس مجرد توجهات وسياسات سواء كانت موارد تلك القوة موارد سياسية صلبة او موارد ناعمة , وذلك عن ( طريق معرفة المحصلة النهائية للتأثير الذي تمارسه في الدول الأخرى ، بهدف امتلاك مزيد من الموارد. كما تتعامل المدرسة الواقعية مع العلاقات الدولية، علي أنها صراع، الهدف منه تعظيم ما تمتلكه الدولة من قوة )([4])

 على ضوء ذلك يمكن التأكيد على ان قدرة الدول على الحصول على النتائج المرغوبة كثيرا ما ترتبط بامتلاكها موارد معينة , وبالتالي يمكن تعريف القوة السياسية عند تعريفها بأنها تعبيرا مختصرا لامتلاك كميات كثيرة نسبيا من عناصرها كالسكان والإقليم الجغرافي والموارد الطبيعية والقوة الاقتصادية والعسكرية والاستقرار السياسي ومدى التأثير في بقية أطراف المنظومة الدولية ( وتكشف جميع السياسات من داخلية ودولية النقاب عن وجود ثلاث صور أساسية لها , أي ان السياسة بوصفها سياسة تبحث دائما إما بالاحتفاظ بالسلطان او مضاعفته او عرضه , وهناك ثلاث سياسات دولية نموذجية تتصل وتتماثل مع هذه الأشكال الثلاثة الانموذجية من السياسة , فالدولة التي تميل سياساتها الخارجية الى الاحتفاظ بالسلطان دون أي رغبة في إعادة توزيعه لمصلحتها في أوضاع القوة والسلطان , تسير على سياسة الحفاظ على الوضع الراهن , والدولة التي تهدف سياستها الخارجية تبدلا لمصلحتها في أوضاع القوة والسلطان تسير على سياسة استعمارية , أما الدولة التي تنشر سياستها الخارجية عن طريق عرض ما تملكه من قوة وسلطان إما بقصد الاحتفاظ به او زيادته , فتسير على طريق إظهار المهابة )([5])

مع التأكيد ان هذه الصور الثلاث الانموذجية للسياسة الدولية هي ذات طبيعة مؤقته , وبمعنى آخر بأنها قابلة للتغيير والتقلب والصقل والغربلة مع الوقت نظرا لتأثرها بالعديد من التحولات والمتغيرات المتزايدة في هياكل البناء السياسي العالمي وطبيعة العلاقات الدولية , وبمعنى آخر , ان فهم الوضع المستقبلي لطبيعة البيئة الدولية , يجب ان يبدأ بالاعتراف بان الاضطرابات الحاصلة اليوم في هياكل البناء السياسي وطبيعة العلاقات الدولية بين الدول وان كانت كما اشرنا بأنها ذات طبيعة مؤقته ما يدل على تحول حتمي للنظام الدولي ناتج عن حدوث تغيرات في البنية الداخلية لكثير من المشاركين الأساسيين فيه , خصوصا تلك الدول التي يمكن ان نطلق عليها بالمتنمرين الجدد على رقعة الشطرنج الدولية ([6])

عليه يمكن القول ان فهم مستقبل التحولات الحاصلة في طبيعة القوة في السياسة الدولية والتحولات الخاصة بالقضايا المتعلقة بالمتغيرات المعاصرة في هياكل البناء السياسي لبنية النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين , وتحديدا ما يتعلق منها بعلاقات الخصومة والصداقات المتقلبة وطبيعة التحالفات والتكتلات القائمة وتلك الممكن قيامها خلال العقود المتبقية من هذا القرن لا يمكن ان يتحقق سوى من خلال ما يطلق عليه بمصطلح توان القوى , والذي يعد مؤشر قوي للتنبؤ بكيفية سلوك الدول سواء كان بركوب موجة الأقوى والانضمام الى الجانب الذي يبدو قويا بدلا من الجانب الضعيف , او من خلال البحث عن تحالفات وتكتلات موازية يمكن من خلالها احتواء بعض او كل قوة التأثير والتهديد القادمة من تلك الموجة العاتية.

وبحسب تعبير كينث والتز أستاذ العلوم السياسية وعضوا هيئة التدريس في كل من جامعة كاليفورنيا في بركلي و جامعة كولومبيا و احد أبرز العلماء في مجال العلاقات الدولية فان ( الأصدقاء والأعداء على حد سواء سوف يتصرفون كما تصرفت البلدان دائما إزاء تعرضها لتفوق احدها او التهديد بتفوقه : أي أنهم سيعملون معا على تصحيح الميزان , فالحالة الراهنة للسياسة الدولية غير طبيعية )([7])وهذا الأمر أي صراع القوى العالمية وبناء التوازنات والتغيير في طبيعة العلاقات الدولية والتحولات الحاصلة في شكل ومضمون القوة ليس حكرا على القرن الحادي والعشرين , بل هو أمر حتمي وطبيعي طالما حدث وسيحدث وسيستمر بالحدوث على رقعة الشطرنج الدولية  فالعالم السياسي من الناحية الطبيعية أشبه بكائن حي , فهو يموت بموت الدول والإمبراطوريات وانهيارها , ويتوالد ببروز دول وتكتلات أخرى .

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[1] – روبرت جاكسون , ميثاق العولمة – سلوك الانسان في عالم عامر بالدول – ترجمة : فاضل جتكر , مكتبة العبيكان , ط1/2003م

[2] فروند , جوليان , ما هي السياسة , ترجمة : يحيى على اديب , منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي , دمشق / سوريا , بدون ط / 1981م

[3] – مورجنتاو , هانز , السياسة بين الأمم – الصراع من اجل السلطان والسلام – ترجمة : خيري حماد , الدار القومية للطباعة والنشر , ج1 , بدون ط / 1965م

[4] – إسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية : دراسة في الأصول والنظريات، (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 1984)

[5] – هانز مورجنتاو , السياسة بين الأمم , المرجع السابق

[6] – محمد بن سعيد الفطيسي , كتاب نهاية المركزية – الخارطة الجيوسياسية للقوى العالمية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين , مكتبة الضامري / سلطنة عمان , ط 1 / 2012م

[7] – كينث والتز , العولمة والقوة الأميركية , ذي ناشيونال انترست , 2000م

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. صح لسانك وسلمت يداك استاذ محمد سعيد على هذه المقالة الرائعة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here