السودان: مبارك الفاضل واسرائيل ورفع الحصار

baha jamil sidan

بهاء جميل

توقعت أن يكون رد فعل الحكومة السودانية قوياً على الحديث ( منزوع البركة والفضيلة ) الذي أدلى به مُبارك الفاضل ، و دعا فيه للتطبيع مع دولة اسرائيل ، ولكن جاء الرّد ضعيفاً لا يتناسب وخطورة الدعوة  في ذلك التوقيت البالغ الحساسية ، فلقد اعتبرت الحكومة – مثل العوام – أن ما قاله مبارك هو رأي شخصي يخصه وحدة وان لا علاقة للحكومة به ، وفي ذلك خطا ما بعده خطا ، فالمسئول الحكومي لا رأي شخص له فيما يقوله للنّاس في العلن ، أو في وسائل الاعلام ، المسئول الحكومي يقول رأيه الشّخصي لزوجتهِ في البيت ، أو لصديقه  ( المقرب )   لذلك كان من الممكن أن يقول مبارك الفاضل ما قال للواء خالد محمود فوزي أو لياسر عرمان أو لسلفاكير ميارديت لان أي حديث يدلي به أي مسئول حكومي في أي دولة من الدول لا تعتبره الدوائر السياسية وأجهزة المخابرات العالمية راياً شخصياً ، لان المسئول يعبر بصورة أو بأخرى عن راي السلطة التي هو جزء منها .

 ما يؤكد ما ذهبت اليه هو الاهتمام الكبير الذي قابلت به الصحافة العالمية ، والاسرائيلية حديث مبارك الفاضل وزير الاستثمار ونائب رئيس مجلس الوزراء  فمثل هذا الحديث لو كانت أدلت به أكبر شخصية سياسية من شخصيات المعارضة أو من الشّخصيات السّياسية خارج السلطة في السودان لما كان قد وجد ربع الاهتمام الذي وجده حديث مبارك وما ذلك الا لأنّ مبارك وزيراً وجزءً من السلطة الحاكمة في السودان .

مبارك الفاضل الوطيد العلاقة مع مصر تخلّى – عندما دعا الى ما دعا اليه  – عن مبادئ الانسان الحر التي تدفع الكثير من الشخصيات الغربية  التي لا تمت الى الفلسطينيين الا بصلة الانسانية البحتة الى قطع الاف الاميال حتى تأتي الى فلسطين لتقف مع الفلسطينيين في خندق واحد  لتشد من ازرهم  ولتصطف بجانبهم في مواجهة الظلم ، والقتل ، والتشريد ، والحصار.

و مبارك ركن الإسلام جانبا عندما قال انه لا مشكلة في التطبيع ، فاليهود الذين يدعو للتطبيع معهم يبسطون سيطرتهم على المسجد الاقصى أولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، ويسعون لهدمه واقامة هيكل سليمان الاسطوري في مكانه ، وذلك يجعل أي مسلم في العالم يقف موقفاً مُحدداً من تلك الاعمال ، و الممارسات التي تمارس في ذلك المكان المقدّس ، ومن الخطط التي ترسم لهدمه و إزالته .

ومبارك عندما دعا الى إقامة علاقة مع دولة اسرائيل عاد مرة أُخرى – مثله مثل الكثير من النخب السياسية السودانية – لتغليب مصلحة صغيرة مؤقتة ، على مصلحة كبرى دائمة اشد نفعا وأكثر أهمية ، وعاد – ربما عن جهل أو حسن نية مثله ايضا مثل الكثير من النخب – للتّخلى عن ( وطنيته ) التي تخلّى عنها كثيراً قبل ذلك وهو يقف في خنادق أعداء السودان ليُشارك من خلال التجمع المعارض في التآمر على الوطن ، وفي شن الحروب التي تقتل مواطنه ، وتعيق تقدمه ، وتدمر تطوره حتى تسقط الحكومة – أياً كان ثمن اسقاطها – ليجلس هو أصدقائه بعد سقوطها في كرسي الحكم الدوار ليحولوا السودان الى ( سودان جديد )  رسمت خارطته الاجتماعية ، والسياسية ، والدّينية ، والعرقية ، في اقبية مخابرات القاهرة ، وواشنطن واديس ابابا ، واسرائيل ، ويوغندا ، فإسرائيل تعلن عدائها  للسودان ، وتؤلف الكتب في ضرورة تقسيمه الى خمس دويلات صغيرة ، ضعيفة ، وتضع وتنفذ الخطط مع من أجل تحقيق ذلك الهدف ، وهي لذلك تدعم أعداء السودان في شمال الوادي ، وفي جنوبه وفي غربه مثلما تدعم حركات المعارضة  بالمال ، والسلاح ، ليواصلوا القتل المباشر للمواطن السوداني والقتل غير المباشر من خلال إرهاق الاقتصاد بالحروب ، والنزاعات حتى  يتسبب ذلك في افشال كل الخطط الاقتصادية  – وهو ما يحدث فعلا ، حتى يجعل ذلك اشخاصاً مثله يغيرون مواقفهم لمصلحتها .

ولعل اخطر ما في حديث مبارك لا يعارض بقوة المخابرات المصرية التي تحاول جاهدة إيجاد السبل لعدم رفع الحصار عن السودان ، حتّى يبقى غارِقاً في دائرة الفقر والحروب ولا يتمكن ابداً من النهوض أنه جاء في ذلك التوقيت الدّقيق الخطير فالبت في رفع الحصار الامريكي كان على مشارف عدة أسابيع من الساعة التي قال فيها مبارك ما قال ،  ولا شك أن إسرائيل المؤثرة جداً في القرار الامريكي ستكون قد سعت منذ اللّحظة الأولى لاستغلال تلك الدعوة في إبقاء الحصار قائماً بحجة أنه الامر الوحيد الذي نجح في دفع مسئول حكومي سوداني الى النداء للتطبيع مع دولة العدو الصهيوني الطامعة في ايجاد موطئ قدم في السودان المليء بالخيرات صاحب الموقع الاستثنائي حتى تتمكن من السيطرة عليه مثلما تمكنت من السيطرة على عدد  من دول جواره  ، وهو بالتالي سيدفع مسئولين آخرين لتغيير مواقفهم ، فالسودان كان صاحب موقف مبداي من دولة اسرائيل منذ انشائها ، ولم يحدث أبداً طوال خمسين عاما أن غيّر ( مواطن سوداني ) ناهيك عن ( مسؤول ووزير )  موقفه من تلك الدولة ، واظن أن تلك الحجة هي حجة قوية جدا واظن انها ستكون مقنعة بما يكفي للتأثير في بعض صانعي القرار الامريكي، وبالرغم من وجود ابراهيم غندور في أمريكا ، وبالرغم أن بعض المسئولين الأمريكيين قد ادلو بعدة تصريحات مبشرة حتى الان الا انني لا زلت أخشى – وأرجو أن أكون مخطئا – من أن تدفع تلك الحجة بعض صانعي القرار للمطالبة بإبقاء الحصار قائماً ، أو على الأقل لتأجيل رفعه حتّى حين ، وإن حدث هذا فسيكون حديث مبارك – الذي لا أدري إن كان قد قاله عن عمد أوعن جهل  ذلك التوقيت الحساس – هو القشة التي قصمت ظهر رفع الحصار .

صحيح أن دولة اسرائيل اصبحت واقعا لا مفر منه وأن رميها في البحر في واقع الامة العربية وفي واقع عالم اليوم هو أمر خيالي ضلل به بعض الرؤساء  المتحمسين الشعوب المغلوبة على أمرها ، ولكن حتى توقف اسرائيل عن سعيها لتدمير السودان ، وتقسيمه ، فان أي سوداني يطالب بالتطبيع معها سيعتبر اما جاهلا بما تفعله او متجاهلا له ، وحتى تتوقف عن ظلمها ، وقتلها للأطفال ، والابرياء ، وحتى تسمح بإقامة دولة فلسطينية في حدود السابع والستين وعاصمتها القدس بموجب القرارات الاممية ، وحتى تتوقف عن بناء المستوطنات وعن احتلال المزيد من الاراضي ، وحتى ترفع يدها تماماً عن المسجد الاقصى فأي انسان وأي مسلم  يدعو للتطبيع معها هو في الحقيقية خائن للإنسانية وللعدل وللدّين .

كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الان اصبح السودانين مسلمين فى نظركم بعد ان كانت دول عربية مسلمة تحاربة . نحن ليس اول دوله تعترف باسرائيل سبقتنا دول عربية ولليهود سفارات فى تلك البلاد العربية المسلمة ويكفى تصدير جارتنا للغاز ومياه نهر النيل لليهووود

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here