السودان على صفيح ساخن بين انقلاب عسكري.. وبشير من دمشق.. وعودة مهدي منفي

د. محمد عبدالرحمن عريف

البداية مع ما تشهده المدن السودانية من مظاهرات احتجاجية ضد غلاء المعيشة والاوضاع الاقتصادية المتردية اذ طلب عدد من المحتجين باسقاط الرئيس السوداني عمر البشير وذلك بالتزامن مع عودة زعيم المعارضة السودانية الصادق المهدي من المنفى. الأمر الذي قد يدخل هذا البلد إلى مرحلة أخرى من التطورات السياسية والاجتماعية. حيث اندلعت احتجاجات عارمة في مدن سودانية متفرقة، تندد بالغلاء وتدعو لرحيل النظام الحاكم في أعقاب استفحال الأزمة الاقتصادية، واشتدت المظاهرات في عطبرة وبورتسودان التي وصلها الرئيس السوداني عمر البشير لحضور مران عسكري جوي.

تشهد المدن السودانية منذ ثلاثة أسابيع شحاً في الخبز اضطُر المواطنين للانتظار لساعات أمام المخابز. ويستهلك السودان 2.5 مليون طن من القمح سنوياً ينتج منها 40 في المئة وفق أرقام حكومية. ويعاني البنك المركزي السوداني من نقص في العملات الأجنبية الامر الذي جعله يخفض قيمة الجنيه السوداني خلال 2018 أربع مرات، في حين زادت السلطات المحلية سعر رغيف الخبز من جنيه إلى خمسة جنيهات. ويبلغ سعر الدولار الرسمي 47.5 جنيه وفي السوق الموازية 60 جنيهاً.

نعم حرق متظاهرون في مدينة عطبرة شمالي السودان، دار المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم للسودان، بولاية نهر النيل، فيما اندلعت مظاهرات بحي الامتداد الشمالي قادتها نساء الحي تردد شعارات «شرقت شرقت عطبرة مرقت، والشعب يريد إسقاط النظام». الاحتجاجات تفجرت وسط المدينة بعد خروج طلاب المدرسة الصناعية. وفي عطبرة بولاية نهر النيل شمال السودان بدأ بعد تردي الوضع المعيشية ووصول سعر الخبز لثلاثة جنيهات. والشرطة لم تستطع احتواء المظاهرات باستثناء محاولات تفريق محدودة قرب مواقع محددة في المدينة. وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع دون احتكاك مباشر مع المتظاهرين، في حين أغلق سوق عطبرة أبوابه.

في تطور لاحق أفادت أنباء بأن المتظاهرين تمكنوا من الوصول إلى مبنى المحلية وأضرموا فيه النيران بينما انسحبت قوات الشرطة التي كانت تتولى حراسته. ومع ازدياد حدة الاحتجاجات قررت لجنة الأمن في الولاية فرض حظر التجوال في عطبرة اعتباراً من السادسة مساء وحتى السادسة صباحاً، كما تقرر تعليق الدراسة إلى أجل غير مسمى. واحتفى ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بصور أظهرت جنوداً يتبعون للقوات المسلحة وهم يحيون المتظاهرين. وكذلك شهدت مدينتا بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر، والنهود في ولاية شمال كردفان، غضباً شعبياً مماثلاً.

لقد شهدت مدن السودان خلال الشهور الأخيرة أزمة خبز طاحنة في أعقاب تراجع الجنيه السوداني مقابل الدولار. وأودع وزير المالية الأربعاء الماضي مشروع موازنة عام 2019 بإيرادات قدرت بـ 162.8 مليار جنيه (الدولار الواحد يساوي 47.6 جنيها سودانياً) ومصروفات تبلغ 194.8 مليار جنيه، مما يعني أن العجز المتوقع يصل 32 مليار جنيه. ويشهد السودان أزمات اقتصادية حادة في الوقود والخبز والدواء، وسط تطبيق سياسات مصرفية جففت السيولة في البنوك. ولم تفلح السياسات الاقتصادية في احتواء الأزمة الاقتصادية، وارتفع معدل التضخم في السودان مسجلا 68.93% لشهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي مقارنة بـ 68.44% لشهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

كان السودان شهد احتجاجات واسعة في سبتمبر/ أيلول 2013 عقب قرارات اقتصادية قضت برفع الدعم عن الوقود، وواجهتها السلطات باستخدام القوة المفرطة ما أدى إلى مقتل العشرات. هذا واندلعت الاحتجاجات في المدن السودانية أمس بالتزامن مع عودة زعيم حزب الأمة القومي السوداني المعارض الصادق المهدي إلى الخرطوم اثر غياب نحو عام بعد أن وجهت له الحكومة تهمة محاولة إسقاط نظام الحكم.

في الوسط فالمهدي امام أنصار حزبه ليؤكد ضرورة انشاء حكومة قومية بعيدة عن الحزبية. ويعتبر التاسع عشر من شهر كانونوالأول/ ديسمبر من العام 1955 اعلان استقلال السودان من داخل البرلمان السوداني والخلاص من الاستعمار البريطاني. الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي اختار هذا التاريخ متزامناً مع عودته للسودان بعد قرابة العام ما بين القاهرة ولندن للخلاص من كل هذه الأزمات. وقال رئيس حزب الأمة القومي السوداني، الصادق المهدي، إن “الة التمكين الحزبي نعم للوفاق القومي، الشعب يريد نظام جديد”. لم ينس الصادق المهدي وهو يخاطب أنصاره من العاصمة الوطنية ام درمان لم ينس الأوضاع المتشظية للدول العربية وضرورة قيام تحالف إسلامي يقيها شر التسلط الغربي. واضاف الصادق المهدي”تبرم معاهدة امن وسلام وتعايش عربية ايرانية تركية للتعايش والتعاون وعدم التدخل في الشئون الداخلية”. تطرق الامام الصادق المهدي للعديد من القضايا التي يعاني منها الوطن في هذه الفترة خاصة الضائقة المعيشية التي يعيشها المواطن السوداني.

لم تتضح بشكل فوري الأسباب وراء عودة رئيس الوزراء السابق. فالمهدي الحاضر دائماً في السياسية السودانية منذ الستينات تولى رئاسة الحكومة بين عامي 1966 و1967 ومرة ثانية بين عامي 1986 1989. وكانت حكومته الثانية هي آخر حكومة يتم انتخابها ديموقراطياً في السودان، قبل أن يطيح بها انقلاب عام 1989 نفذه الرئيس الحالي عمر البشير. وعاد المهدي لفترة وجيزة إلى الخرطوم في كانون الثاني/ يناير عام 2017 بعد أكثر من عامين على منفاه في القاهرة، لكنه منذ ذلك الحين آثر العودة إلى العاصمة المصرية. وفي نيسان/ أبريل. نقل الاعلام السوداني أن مدعي عام الدولة اتهم المهدي بالتآمر للاطاحة بالبشير بعد لقاء في باريس للمعارض السوداني مع أحد زعماء المتمردين.

نعم يمكن تصنيف عودة الصادق المهدي للخرطوم كدفعة للعمل الجماهيري والمواكب السلمية الاحتجاجية خصوصاً وان لديه مواقف مشهوده ضد سياسات الحكومة السودانية سواء كانت الاقتصادية او السياسات الاخرى التي تمس نظام الحكم والانتخابات القادمة ووضع الدستور. ومنذ الانقلاب الذي أطاح بآخر حكومة مدنية، بات حزب الأمة الذي يتزعمه الصادق المهدي هو أبرز أحزاب المعارضة ضد سياسات حكومة البشير وتفاقم الأوضاع الاقتصادية في السودان والرؤية الضبابية لعلاقاته مع الدول الآخري يحتاج لمعارضة قوية في الداخل حسب مراقبين.

الأحداث في السودان سريعة. فقد أشعل متظاهرون النار في مقرين لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في مدينتي دنقلا والقضارف في شمال السودان وشرقه غداة إحراق مقر الحزب في عطبره، وسط تظاهرات واحتجاجات على ارتفاع سعر الخبز. فقد بدأت التظاهرة بطلاب الجامعة وعند وصولها إلى وسط المدينة انضم إليها مواطنون وهجم المتظاهرون على مقر حزب (المؤتمر الوطني) وأضرموا فيه النار. كذلك في مدينة القضارف على بعد 550 كيلومتراً شرق العاصمة الخرطوم. التظاهرة انطلقت من وسط المدينة وقام «المتظاهرون برشق مباني البنوك بالحجارة ما أدى الى تهشيم واجهاتها كما حطموا سيارات كانت تقف أمامها». المتظاهرين انتقلوا بعدها إلى مقر للحزب الحاكم قرب السوق وأحرقوه بالكامل، ومن ثم تجمع مئات من المتظاهرين أمام قسم شرطة وهم يهتفون: «حرية حرية، والشعب يريد إسقاط النظام».

في ولاية نهر النيل، أطلقت الشرطة السودانية الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين كانوا يحتجون ضد غلاء رغيف الخبز في مدينة عطبره شمال العاصمة الخرطوم، بعد ساعات من فرض السلطات حظر تجوال فيها. فقد حاول نحو 1500 متظاهر من الرجال والنساء الدخول إلى مدينة عطبره من ضاحية الخليوه وهم يهتفون: الشعب يريد اسقاط النظام. واعترضتهم شرطة مكافحة الشغب وأطلقت عليهم الغاز المسيل للدموع بينما يخوض المتظاهرون صدامات مع الشرطة في محاولتهم للدخول إلى المدينة. وخرجت تظاهرة الأربعاء الماضي في عطبره التي تبعد 400 كيلومتر عن الخرطوم وأشعل خلالها المتظاهرون النار في مبنى «المؤتمر الوطني»، الحزب الحاكم في البلاد. وإثر ذلك فرضت السلطات حظر التجوال من السادسة مساء بالتوقيت المحلي إلى السادسة صباحاً.

هنا عاد الزعيم السوداني المعارض الصادق المهدي الى بلاده. ووصل المهدي الى مدينة أم درمان على الضفة الغربية من نهر النيل حيث كان حشد من أنصاره في استقباله لتحيته، قبل أن يتوجه الى المسجد الرئيسي في المدينة. ودعا المهدي إلى انتقال ديموقراطي أمام الآلاف من مؤيديه الذين كانوا في استقباله. وخاطب المهدي حشداً من حوالى سبعة آلاف شخص من مؤيديه الذين احتشدوا في أحد ميادين مدينة أم درمان مرددين شعارات «الشعب يريد نظاماً جديداً» و«لا للحرب… نعم للسلام». وقال: «نرى أن أجندة الحل أن ندعو الى مذكرة للخلاص الوطني يوقع عليها جميع أبناء الوطن وممثلو الأحزاب والمجتمع المدني ويتم فيها التزام الجميع بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية وإطلاق الحريات العامة وتكوين حكومة انتقالية برئاسة وفاقية تكون مهمتها إصلاح الاقتصاد والعدالة الانتقالية وعقد مؤتمر دستوري قومي لتفصيل استحقاقات السلام الشامل وكفالة حقوق الإنسان والحكم الديموقراطي».

سبق أن جاءت حزمة إجراءات اقتصادية مماثلة أعلنتها الحكومة السودانية في أيلول/ سبتمبر 2013، أشعلت موجة من الاحتجاجات الجماهيرية قمعتها الحكومة باستخدام العنف المفرط الذي كانت نتيجته مقتل أكثر من 200 من المتظاهرين السلميين في الشوارع نتيجة لاستخدام الطلقات النارية من قبل القوات الأمنية، بالإضافة إلى اعتقال عشرات من القيادات السياسية والجماهيرية لفترات متطاولة..

يبقى أن من المبكر التكهن بالمسارات التي سوف يتخذها هذا الحراك الشعبي المتعاظم، فحقاً من يعطي الخبز يعطي الشرعية. وإن كان القادم مجهول.. وكل الاحتمالات متوقعة.. بين انقلاب عسكري وانتقال ديمقراطي.. وقمع للتظاهرات.. وبقاء للبشير.. وكانت الرسالة من دمشق واضحة. وسط ذلك يبقى أن هناك شعبًا محبًا للحرية والعدالة الاجتماعية في السودان، ويجب عمل كل شيء حتى لا تنجح خطط الأنظمة الحاكمة في تفريق هذا الشعب.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here