السودان.. انتباهات لاستنهاض الهمم وبلوغ القمم!

خالد الإعيسر

الآن وبعد أن تكشفت الرواية، وبانت قدرات الضعف، اخترت عبارة “قدرات الضعف” بعناية لأن الضعف في بعض الأحيان يكون مكتسبا كنتاج لحالة فشل مزمنة “على غير ما هو متعارف عليه بأن عناصر الضعف غالباً ما تكون نتاج لسلطة قهر فرضت نفسها  -بشدة- على جهة ما أو شخص يسعى لإنجار مهمة محددة، وريثما يتحرر من سلطة القهر تلك يكون قادراً على العودة إلى دائرة العمل والإنجاز، أما وإن بقي في تلك الحالة طويلاً فلن يكون أمامه غير المصير المحتوم، ألا وهو الفشل”.

ووسط هذه الحالة المربكة يصبح الفكاك من قدرات الضعف لدى أي شخص لا يريد أن يعرف أسباب فشله، كالحرث في البحر.

المشهد السابق يجسد أسباب استمرار الواقع المزري الماثل في السودان، والمعاناة “الرهيبة” التي يعيشها الشعب في كل أرجاء البلاد، وهذا خير دليل على أن الحكومة الإنتقالية في السودان لم تعد قادرة على الخروج من حالة الفشل التي بلغت درجات غير مسبوقة في تاريخ السودان.

بيد أن الكارثة الحقيقية – في تقديري المتواضع- التي يدفع ثمنها الجميع حالياً هي أن بعض رموز السلطة الحاكمة لا يلقون بالاً لأي رأي يخالف خططهم المرسومة، ولا لما يدور في الشارع العام من معاناة، ولا يهتمون كثيراً للقيم الوطنية المتوارثة، ولا المعايير المطلوبة كانتباهات لاستنهاض الهمم وبلوغ القمم.

وللأسف أيضا ان بعض رموز الحكومة لا يملكون قرارهم ولا الشجاعة الكافية التي تؤهلهم للإستقالة وافساح المجال لآخرين هم أكثر تجرداً ووفاءً وعطاءً لشعبهم ولبلدهم.

أيضا من ظواهر المرحلة الحالية في السودان أن الحكومة الإنتقالية -وهي الثانية- اتبعت الكثير من السياسات الكارثية، ولكن من أكبر سَوءاتِها التي لا تغتفر أنها استطاعت بعبقرية الفشل الفائقة أن تقتل روح الأمل وتطفئ نور المستقبل وأن تعطل جذوة الهمة والعمل وتنشر روح الإحباط في قلوب الملايين في فترة وجيزة، لا سيما لدى شريحة الشباب الذين حلموا بالتغيير الحقيقي، وعملوا له بتضحية وإخلاصٍ وتفانٍ.

كان الجميع يظنون أن الحكومة ستحفز غيرهم من الشباب المقيمين خارج السودان للعودة من أجل تعمير الوطن بعيداً عن سطوة الأحزاب، وغرور العسكر، وطموح زعماء حركات الكفاح المسلح وكل المهوسين بإشباع نهم السلطة.

يحضرني سؤال طرحته في حوار تلفزيوني عام 2008 على الأديب الألمعي الراحل الطيب صالح بالقول: (ألم يحن وقت هجرة الطيب صالح جنوباً للإستمتاع بدفء العشيرة والأهل، بعيداً عن بلاد تموت من البرد حيتانها، كما وصفتها في روايتك الأشهر موسم الهجرة إلى الشمال؟).

وجاء رده طويلاً، عميقاً، حزيناً ومبكياً: (أنا دائماً أقول حين أواجه بهذا السؤال بأنني أحمل السودان بين أضلاعي، ولست في حاجة إلى أن أعود إليه لأنني عايش فيه.. لكن عندي أمل قوي إن شاء الله قبل ما نودع هذه الدنيا، نزور البلد، ونشم هواها، ونشم تربتها، ونرى ما بقي من الأصحاب).

ومن رحابة هذا التفكير الوطني العميق أنتقل إلى لحظة حادثة الموت الجماعي المأساوية التي وقعت قبل أيام قليلة لنحو 150 شاباً سودانياً غرقوا في عرض البحر الأبيض المتوسط بعد تحركهم من الشواطئ الليبية شمالاً صوب أوروبا على متن ثلاثة قوارب، وما تزال جثث بعضهم متناثرة في الشواطئ الليبية أو مفقودة، والبعض الأخر ربما التهمتهم الأسماك.. والمفارقة العجيبة هنا أن الحكومة الإنتقالية لم تتكرم بالعزاء “حتى اليوم”، أو بالسؤال عنهم وكيفية احضار جثثهم إلى بلادهم، وأظنها تجاهلتهم خجلاً من فشلها في جذب الشباب للعمل داخل وطنهم بعد كل هذه العثرات.

والأكثر دهشة وألم أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أكد قبل أيام أيضاً نزوح أكثر من 230 ألف شخص خلال الثلاثة أشهر الماضية بسبب الصراع في دارفور، وغيرهم لجؤوا الى دول الجوار.

هذا المشهد المأساوي يجسد حالة الصدمة والفشل التي رسمتها حكومة الثورة في عقول الشباب الذين حلموا في فترات سابقة بالعودة لوطنهم ليشاركوا رفاقهم بالداخل في رحلة التعمير، وهم يرددون المفردة الأشهر إبان الثورة “حنبنيهو”.

وإذا خضنا في جزئية أخرى هي قرار رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك الذي أراد استقدام شركة أجنبية لتتولى ما تسميه حكومته إصلاحات إدارية.

نقول لا حرج إن أرادت الحكومة التعاقد مع خبراء على صعيد شخصي وعلى أساس المنافسة الحرة والكفاءة، لأن ذلك  نهج اتبعته بعض دول العالم. والسودانيون أنفسهم انتشروا بطول الأرض وعرضها كخبراء في دول أخرى.

وكان بالإمكان أن تأتي حكومة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك بشخص، أو أثنين، أو ثلاثة خبراء في ورشة عمل لبحث ملف الإدارة أو التعاقد على أساس منافسة مهنية تستوفي شروط التنافس والتعيين. ولكن أن تأتي بشركة أجنبية وفق اتفاق مريب لم يطرح للتنافس لتمسك بالعمل داخل مؤسسات الدولة كما حدث من قبل داخل مكتب رئيس الوزراء في أشياء أخرى فهذا أمر شاذ؟

ومكتب رئيس الوزراء ميزانيته حسب ما أوردت مصادر إعلامية متعددة أنها تدفع بالعملات الحرة وتأتي من خزائن دول مجموعة الإتحاد الأوروبي، بينما هناك الكثير من الشخصيات السودانية التي شغلت مناصب إدارية دولية أعلى من الدرجة التي بلغها رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك نفسه في الهياكل الإدارية في المؤسسات والمنظمات الدولية، لكن للأسف لأحد يعرف لهم أثر “لأن السودان يسير بغرف صناعة الشكر والتلميع والتجهيل التي أدخلت البلاد في هذا النفق المظلم، وصورت البعض بأنهم الأعداء والداء بينما هم الدواء والشفاء”.

يجب علينا أن نتذكر دائماً بأن الخرطوم يسكنها عدد كبير من الكوادر الوطنية التي عملت في مجالات الإدارة والتدريب بالمؤسسات الدولية وهم من أبناء السودان المخلصين، ولكن -حسب رؤية المستعمرين الجدد- أنهم من طينة مشبعة بقيم الحفاظ على الهوية، والكرامة، وهيبة الأمة والدولة السودانية، ويتمسكون بضرورات حماية عاداتها وتقاليدها وأسرارها، ولهذا لم يجدوا مكانة للمشاركة في مرحلة ما بعد الثورة والتغيير لأنهم لا يريدون أن يطأطئوا رؤوسهم ولن يرهنوا إراتهم للخارج الذي أصبح يحرك المشهد السوداني كله وبأكثر من “ريموت كنترول”.

أسوأ ما خلفته ثورة ديسمبر من تباعات مدمرة هو سياسة التجهيل عبر الغرف الإلكترونية المخابراتية المخصصة من دول الإقليم والعالم لتضليل الرأي العام السوداني، والتي أدخلت البلاد في هذا النفق المظلم الذي ستدفع الأجيال اللاحقة أثمان باهظة للفكاك من مخلفاته الكارثية، وهي نفسها التي نشرت روح العنصرية والمناطقية والقبلية وكل أسباب شرذمة المنظومة المجتمعية وصولاً لاضعاف السودان وتفكيكه.

أعود لأقول أن فكرة إلغاء العنصر السوداني ليست صحيحة، ولكن يمكن للحكومة أن تعقد اتفاقيات على نظام فردي مع خبراء أجانب لتوطين الخبرات أو تبادل المعرفة.. لكن أن تأتي بشركة لتبرمج البلد كما تحب وتخترق منظومتها الإدارية بكل أسرارها فهذا أمر يشكل خطراً استراتيجياً كبيراً على وحدة السودان وتماسك نسيجه الإجتماعي المستهدف أصلاً.

من أسوأ التجارب خلال الفترة الأخيرة أن مكتب رئيس الوزراء وقع تحت دائرة التدخل الخارجي وهو أمر غير موجود في العالم ولم يحدث في أي بلد، والشاهد أن الجدل لم ينقطع عن ما يدور في رئاسة مجلس الوزراء من تدخلات خارجية.

السودانيون -بالخارج والداخل- عُرِفوا بأنهم من أفضل الكوادر الإدارية، ولنا نماذج كثيرة في دول الخليج وأوروبا وأمريكا وأفريقيا وآسيا. كما أنهم نجحوا في إدارة المنظمات بالسودان، ونجحوا في الالتزام المهني بالعمل الذي يضبط ايقاعه القانون، الذي يمثل المرجع الحاسم لصناعة القرار الإداري بغض النظر عن جنسية المدير أو لون بشرته أو معتقده.

لا ريب أن السبب الأول في الضعف الإداري الذي يسعى رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك لإصلاحه يكمن في هشاشة القوانين وغياب العدالة في السودان، وهذه الجزئية هي أساس مشاكل السودان “في كل المجالات”.. ثم الأدهى والأمر هو تعطيل المحكمة الدستورية وانفصال سلطات النيابة عن السلطة التنفيذية الأمر الذي جعلها أشبه بجهاز أمن جديد، وهذا أمر لا يحدث في أي دولة ترفع شعار العدالة كأحد أهم مرتكزات ثورة التغيير.

القضية ليست شخصيات أو شركات من خارج السودان وإنما قوانين وتشريعات وترسيخ لقيم ومفاهيم قامت من أجلها الثورة.

الثابت في هذا المشهد المؤسف أن الحكومة الإنتقالية تجاوزت حدود التكليف، وشرعنت وجودها بانتهاك سلطة الجماهير، وقامت بتمرير القرارات الخطرة بعيداً عن الشرعية الشعبية التي أنجزت الثورة والتغيير، وجاءت بصناع القرار المتجاوزين للتكليف، الذين مرروا كل القرارات “الداخلية والخارجية” المختلف حولها، وأهمها قضية التطبيع، وفصل الدين عن الدولة، وتعديل قانون الأحوال الشخصية، وباعت بذلك كل المواقف التاريخية، والعادات والتقاليد السودانية السمحة بدراهم معدودة.

جميعنا يعلم أن الحكومة الإنتقالية تواجه تحديات كبيرة الآن بسبب اخفاقها في الفترة السابقة.. والحل الناجع لجل مشكلات السودان وتخفيف الاحتقان هو اسدال ستار على قضية الإصلاحات الإدارية والقانونية ومعالجة ضعف القدرات بتأسيس مرجعية استشارية في قضية التعينات في كل المجالات وفتحها لأبناء السودان جميعاً.

إن ما ينقص السودان هو تشريعات وقوانيين يتم تطبيقها بإرادة الشعب وليس “أجانب” يتم استجلابهم بالعملات الصعبة خصماً على خزينة الدولة الفارغة إلا من التسول ومد يد الحاجة، بينما السودان غني بموارده وثرواته ويحتاج فقط لوفاق وطني شامل يحقق الأمن والاستقرار والتعايش بسلام.

انها لحظة الصراحة.. الثورة أبقى وستظل خالدة في قلوب الملايين، والشعوب الحية هي التي تصنع التغيير ولو بعد حين، ومهما تكالبت بعض القوى الإقليمية والدولية لتمنح الشعب السوداني وصفات مغشوشة لخدمة مصالحها وتمرير أجنداتها.

ومن يتصرف بدافع الخوف يظل خائفا!!.

كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. عندما اجتمعت أحزاب الأمة والمؤتمر السوداني والمعارضة المسلحة في الإمارات العربية المتحدة وقبلها الإجتماعات في الخرطوم وأثناء إعتصام القيادة المجيد وفي ذروة المناخ الثوري، حيث رسمت الخطط ووزعت المحاصصات تمهيداً لاحتواء الثورة وإجهاض مطالبها الشعبية،وبالتنسيق مع اللجنة الأمنية لنظام عمر البشير، هنا فقط توضحت الصورة تماماً أمام جماهير الشعب وأن ثورته قد سرقت لتبدأ بعدها المجازر والانتهاكات الجسيمة للإنسان السوداني وأصبح المسرح ممهدا لتنفيذ السياسات والبرامج الاقتصادية لصندوق النقد والبنك الدولي والخضوع لاملاءات دول الخليج والغرب وإهدار السيادة الوطنية واستجلاب المستشارين الأجانب والسيطرة علي الثروات والموارد الطبيعية للسودان ومنح القواعد العسكرية للقوي الأجنبية في ظل سيطرة الرأسمالية الطفيلية والمليشيات العسكرية،، المطلوب اصطفاف وطني ديمقراطي جديد يستعيد روح الثورة السودانية وتنفيذ البرنامج الذي يصون سيادة البلاد ووحدتها الوطنية ويعالج الأزمة الاقتصادية المتفاقمة ويرفع عبء الضائقة المعيشية الخانقة،،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here