السفير منجد صالح: من غزّة الى البحرين … مكانك راوح

السفير منجد صالح

غزّة محاصرة من جميع الجهات. من جميع الجبهات. من البر والبحر والجوّ. محاصرة من جميع المسامات. حتى “خرمة الإبرة” في غزّة محاصرة. أصبحت غزّة تشمّ رائحة البارود والدم. حتى نسيم بحر غزة لم يعد يهبّ كسابق عهده، وإن هبّ يحمل معه دموع الأمهات الثكلى، وأنّات الجرحى ونحيب الزوجات المترمّلات حديثا وصراخ الأطفال المُيتّمين جديدا بفعل فاعل ماثل مُحاصر. تنّين ينفث لهبا وحمما وموتا ودمارا.

لكن في غزّة، مع ذلك، تشمّ رائحة العزّة. رائحة يد المسك التي تقابل المخرز، تقاتل المخرز. تشم كلام الصبي العجوز من فوق ركام بيته، يرفع قبضته في الهواء، يُلوّحها، ويُهدّد بالإنتقام. الثمن غال غال، لكن الأيام دول.

حتى الحبّ في غزّة مُحاصر. محاصر من زمان. الكاتب الروائي الكولمبي المعروف غابرييل غارسيا ماركيز كتب روايته الشهيرة “الحب في زمن الكوليرا”، فهل يرد عليه روائي فلسطيني ويكتب رواية بعنوان “الحب في زمن الحرب في غزّة”.

الروائي غابرييل غارسيا ماركيز نال جائزة نوبل للأدب عن رواية سبقتها هي “مائة عام من العزلة”. فهل سيحصل روائي فلسطيني في مستقبل قريب على جائزة نوبل للأدب عن رواية “مائة عام من النضال والبطولة”؟؟؟

غزّة تصمد أمام العدوان، تلمّلم جراحها، تدفن شهداءها، تسهر على راحة جرحاها، تُحاول أن تعيش حياة شبه طبيعية في ظروف ليست طبيعية. تُحاول أن تُنير شمعة خير من أن تستمرّ في لعن ظلام إنقطاع التيّار الكهربائي. تحاول أن تبحث عن الفرح والحب في مساحة ثلاثمئة وستين كيلومترا مربعا، هي مساحة قطاع غزة، تبحث عنه حتى في الممالك البعيدة، وحتى في المملكة التي تبلغ مساحتها ضعف مساحتها، سبعمائة وخمسة وستون كيلومترا مربعّا، هي مساحة مملكة البحرين.

يا لمحاسن الصدف، أو يا لغرائب الصدف!!! أو يا “لشرّ البلّية ما يُضحك”!!! فالتكنولوجيا ووسائل الإتصالات والتواصل الحديثة جعلت من العالم قرية صغيرة، لكن هذه القرية الصغيرة ربما لم تتسع مساحتها لنقطة في بحرها إسمها فلسطين، إسمها غزّة. وهل تتسع النقطة للفرح والحب؟؟؟!!!

صبيّة غزّية أو غزّاوية رمت سنّارتها في الأثير، أو ربما وجدت سنّارة في الأثير قادمة من مملكة البحرين. “فاصطدمت” السنّارتين في بعضهما، فنتجت شرارة، والشرارة تحوّلت الى حب والى مشروع فرح. لكن هل يحق لمن تعيش في النقطة أن تُحبّ وأن تفرح؟؟؟ بالتأكيد نعم. فهذه سنّة الحياة. وهذا طبيعي، لكن لمن يعيش حياة طبيعيّة!!!

قصة الصبية الفلسطينية الغزّية فداء توفيق شناعة، ثلاثون عاما، مع البحرين والبحور والعبور الى البحرين قصة غريبة عجيبة حزينة مؤلمة وربما فريدة من نوعها لأنّها لا تحصل الّا مع الفلسطيني، مع الفلسطينيّة، التي ينطبق عليها المثل الشعبي المعروف “أجت الحزينة تفرح ما لقيتش لها مطرح”!!!

إلتقت الغزّاوية فداء شناعة عبر الفضاء الفسيح مع البحريني غسّان محمّد يوسف، خمسة وثلاثين عاما. إلتقى البحريني مع الكنعانيّة عبر بحر الأثير، بحر، بحرين، ثلاثة بحور. علاقة إنسانية جدّية تحولّت الى مشروع فرح. على بركة الله وبالرفاة والبنين. خططا للزواج. لكن أين؟؟؟ فمحيطات العالم كلّها لا تتّسع لنقطتين صغيرتين، “غزّة والبحرين”، 1125 كيلومترا مربعا مساحتهما مجتمعتين.

يستحيل على الشاب البحريني غسّان دخول غزّة، وإستحال على فداء دخول البحرين، لأن فيزا الدخول الى البحرين لغزّاوية سيكلّف على الأقل “خمسين رأسا من الحيتان الزرق الأسترالية”. لقد طلب والد عبلة من عنترة بن شدّاد مهرا لها وقدره وقيمته 500 ناقة حمراء من أجل تعجيز عنترة بن شدّاد وثنيه عن زواجه بإبنة عمّه عبلة، لكن الفارس عنترة إستطاع أن يجلب ال 500 ناقة حمراء من عند المنذر بن النعمان. ومع هذا لم يتزوّج عنترة قط من عبله، وأفنى حياته وهو يقول حبا عذريّا فيها.

هل سيفني الثنائي العاشق فداء وغسّان حياتهما وهما يلهثان وراء فيزا دخول لفداء الى ربوع المملكة المشكّلة حديثا والتي كانت حتى الأمس القريب إمارة البحرين؟؟؟

بعد تعرّفهما على بعض وإتفاقهما على الزواج، على سنّة الله ورسوله، إلتقيا في القاهرة، المقام الوحيد الممكن، حيث تزوّجا هناك، ومن هناك بدأت رحلة العذاب والتعذيب على أيدي السلطات في البحرين برفضها القاطع الباتع غير المبرر ولا المُفسّر برفض فيزا دخول فداء، زوجة البحريني غسّان، الى ربوع بلاده، الى بيته وبيت أهله وبيتهما كونهما شكّلا عائلة بفرمان زواج شرعي “لا يخرّ منه الماء”!!!

قدّم الزوج العاشق لزوجته مرّات ومرّات طلبات للحصول لها على فيزا لدخول البحرين ولكن رياح البحرين لم تسر حسب ما تشتهي سفينتهما. لقد تكسّرت مجاديفهما على شواطيء البحرين، ولم تحصل فداء على الفيزا مُطلقا.

إنتقلا للعيش في أبو ظبي طلبا للإستقرار والدفئ العائلي، أو كما يعيش “خلق الله والناس من بني البشر”، لا أكثر ولا أقل. لكن الأبواب أقفلت في وجههما في الإمارات المتحدة المتخمة بالمال والبذخ والرفاهية. لم يجد أي منهما عملا كي يعتاشا منه، وإنُما قضّيا عدة أسابيع بجيوب فارغة وبطون خاوية “والسماء والطارق”، يفترشان الأرض ويلتحفان السماء. ومما زاد الطين بلّة أن الزوجة “المُشرّدة”، في وضعها المأساوي هذا، حملت جنينا نصفه فلسطيني ونصفه الآخر بحريني. وإضطرّا تحت ضغط قلّة الحيلة و”العين بصيرة واليد قصيرة” أن يعودا الى قواعدهما مثخنين بالجراح المعنوي والمادي والنفسي. هي الى قطاع غزّة، وهو الى بلاده البحرين. “بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنّوا علي كرام.

وإستمرّ الزوج المثابر في تقديم طلبات الفيزا لزوجته. السلطات البحرينية ترفض الفيزا فيتقدّم مباشرة بطلب جديد لفيزا جديدة ويحصل على رفض جديد. هي من جانبها إستنجدت بسفارة بلادها في البحرين، تواصلت مع السفارة طلبا للمساعدة والنصيحة، ولكن السفارة لا حول لها ولا قوّة في مثل هكذا حالات. التي ربما تتعلّق، والله أعلم، “بالأمن القومي البحريني”!!!!!! وربما “الموضوع” يتطلّب موافقة خاصة “من فوق فوق”، من أعلى قمة زبد أمواج البحرين!!!

تذكّرت وأنا أتابع قصة فداء وغسان على صفحات الصحف الإلكترونية بأنه وقبل عدة سنوات كانت مملكة البحرين بصدد “إستيراد” مجموعة من المواطنين “السنّة” من الأردن ومن المغرب، حتى توازن التركيبة الديمغرافية في المملكة الصغيرة. فالإحصائيّات تقول بأن “السنّة” في البحرين يشكلّون نحو ثلاثين بالمئة فقط من مجموع السكان. حيث يُشكّل “الشيعة” السبعين بالمئة. مع العلم أن الملك والطبقة الحاكمة من الأقليّة “السُنيّة”. مع أنني أمقت شخصيّا مثل هكذا تقسيمات، فأنا لا ارى مطلقا اي فرق بين “السنة” و”الشيعة”، بين الحنطي والأسمر.

لكن فكرة “إستيراد” مواطنين جدد لم يُكتب لها النجاح ولا الحياة نتيجة لمعارضة دول مجلس التعاون الخليجي، الذين ربما إعتبروا أنه لا يجوز أن يمتزج دماء مواطنيهم الزرقاء، مع دماء “المواطنين الوافدين” الجدد الحمراء. فوئدت الفكرة في مهدها.

فداء ما زالت في غزّة تنتظر الفرج، فرج الحصول على فيزا لدخول البحرين والإلتحاق “ببيت حماها”. وزوجها ما زال مستمرّا في تقديم الطلبات للحصول على الفيزا العتيدة لزوجته. والجنين (البحريني الفلسطيني) مستمر في النمو في أحشاء أمّه.

لك الله يا فداء، لك الله يا غسّان. ونتمنى أن تتكلّل قصّتكما بالنجاح وأن تجد الفيزا البحرينية طريقها البرّي والبحري للرسوّ على إحدى أوراق جواز السفر الفلسطيني، الذي تتشرّف فداء بحمله. كما وجدت الفيزا البحرينية طريقها “الأوتوستراد” لتمهر، بشخصها وذاتها، وفورا جوازات السفر الإسرائيلية لأفراد ستة أطقم تلفزية وصحفية شاركت وغطّت ورشة البحرين الأقتصادية التي قادها كوشنير، صهر الرئيس ترامب ومستشاره “لصفقة القرن” الغابرة، وبمباركة وإحتضان وبالأحضان الدافئة لمعالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، وزير خارجية البحرين.

طريق الزوجة فداء من غزّة الى البحرين ما زالت “وعرة”، ما زالت مكانك راوح، مكانك سر. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here