السفير منجد صالح: مكانك راوح.. مكانك سر.. “من هالمراح ما في رواح”.. إنتُخب الرئيس.. جاء الرئيس.. حكم الرئيس، عاما يتيما.. أُسقط الرئيس.. ذهب الرئيس.. إعتُقل الرئيس. مات الرئيس

 

 

السفير منجد صالح

لا حول ولا قوّة إلّا بالله. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. مات الرئيس محمد مرسي. والحقيقة أن موته كان مفاجأة. ليس لأنه كان يُمكن أن يكون مخلّدا. فلا يوجد بشر مخلّد، ولا حتى الأنبياء والرُسُل، عليهم الصلاة والسلام، جميعا. لكن لأن مرسي كان منسيّا. على الأقل بالنسبة لنا. أكيد أنّه لم يكن  كذلك، بالنسبة لأهله وذويه.

لقد إنقطعت أخباره منذ مدة. زُج به في غياهب السجن، “ووضعوا عليه بلاطة” لا يتسرّب من تحتها أو من مساماتها ولا حتى الهواء. قصّته مفهومة وغير مفهومة. مفهومة يكتنفها الغموض. غامضة يكتنفها الوضوح. وعندما جاءت عنه أخبار، أخيرا، وصلت الأخبار وهو مسجّى في اللحد. روحه عند باريها في العالم الآخر.

البعض قال، عن ما كان قد حدث، إنقلابا عسكريا. والبعض أكّد أنها حركة تصحيحيّة. حركة ولدت من رحم ثورة. طفلة ما زال رحمها لم يتشكّل بعد. ولا يمكن أن تحمل جنينا خارج الرحم. أو تحمل جنينا دون رحم. وهل ينبت الجنين على راحة اليد؟

والبعض قال إنها ثورة. الثورة “بعينها وأنفها وأذنيها”. ثورة مستمرّة، لكن على مراحل. مرحلة وراء مرحلة. كأمواج البحر. موجة وراء موجه.

حتى جاء “الربّان الماهر”. يتمنّطقُ ببزّة عسكرية منمّقة. مموّهه. تميل أكتافه. تنُوء من تخمة ثقل وكثافة النجوم والنسور. ويتزيّن صدره  “برُجُم” من الأوسمة والنياشين. كما ينوء إسمه بحرفي الياء والسين.

وضع الأمواج كلّها في كيس خيش “أبو حز أحمر”. دُفعة واحدة. رفعه على كتفه وكأنه المارد “الخارق”، المُنطلق من قمقم مصباح علاء الدين. وسار في الصحراء الغربية … . مدعوما بإثني عشر مليار دولار، من أبو ظبي والسعودية.

البعض شبّهه بعبد الناصر. لكن أبو خالد لم يأت له شبيه بعد. لم تلد النساء مثله. عندما توفي كان في رصيده البنكي أقل من ألفي جنيه مصري، فقط. لا قصور ولا أطيان. لا محلات تجارية ولا هكتارات زراعية. زوجته المصون وأولاده وبناته عاشوا من بعده مواطنين عاديّين. لكنهم يتدثّرون بإرث عطري وردي. هو كل ما تركه لهم جمال عبد الناصر. عظيم، عملاق،  عاصر العظماء والعمالقة: جوزيف بروز تيتو وأحمد سوكارنو وجواهر لال نهرو وكوامي نيكروما وفيدل كاسترو روز وياسر عرفات.

عبد الناصر لم يأت له شبيه بعد. حاولوا إلصاق تشبيه القذافي به، الضابط برتبة عقيد، حين قام بإنقلابه على الملك إدريس السنوسي. بأنه “نسخة عن” عبد الناصر. وإنّ ما سميّت بثورة الفاتح ما هي إلا نسخة عن ثورة الضباط الأحرار. ثورة يوليو. لكن جمال عبد الناصر لم يأت له شبيه بعد. لم يأت له مثيل بعد. لم تلد النساء مثله.

القذافي، الذي حكم ليبيا 42 عاما، بالطول والعرض. وبالشطط والفطّ والنّط. كان مداهنا، “أُلعوبانا”. من أسوأ ما أنتجت الأرض، ودبّ على أديمها. حوّل الديرة كلّها الى مزرعة له ولأولاده. بعثر المليارات هباء على خيمته وجماله “وجنونه”، “ومرافقاته الحسان”. وعلى “كتابه الأخضر”. وحتى على عقد مؤتمرات للهنود الحمر؟ وكنز مئات المليارات الأخرى لشخصه وذاته. “دحشها” في سراديب وخوابي ما زال بعضها مجهول المكان والعنوان والإقامة.

ومات ميتة شنيعة، شنيعة جدّا. لكن الذين قتلوه تحت “يافطة” الإصلاح والثورة ومكافحة الفساد، هل كانوا أفضل منه؟ لقد حوّلوا ليبيا الى مزارع شخصية متناحرة فيما بينها حتى يومنا هذا!

هل ليبيا اليوم أفضل حالا في عهد “الثوّار”، من بعد “الثائر”، أم أنها كان يمكن أن تكون في حال أفضل، لو بقي الملك السنوسي وسُلالته؟

مات الرئيس مرسي. رحمة الله عليه. لم أكن يوما من المعجبين به ولا بحزبه السياسي ولا بطريقته في الحكم. فأنا وهو وحزبه خطّان متباعدان. واحد في الشرق وواحد في الغرب. خطّان متوازيان لا يلتقيان. قُطبي مغناطيس متنافران.

وإعتقدت حين طيرانه من المنصب، وهبوط السيسي مكانه، بأن ذلك تحصيل حاصل. ذهب رئيس وجاء رئيس. ربما يحمل القادم الجديد كنزا أفضل لأرض الكنانة. يحمل قربة فيها الكثير من السمن والعسل لشعب المحروسة، الذي يرفل معظمه بالفقر والفاقة والحرمان.

لكن يبدو أن ساعة الرمل إنقلبت أُفقيا وليس عموديا. تساوى الرمل في شقيها. في شق منها رمل معتّق، وفي الشق الثاني رمل نيّء، وربما مسلوق على عجل.

من وجه النظر الإنسانية، أعتقد أن هذا الرجل، الذي غادر الى دار الخلود، قد ظُلم. وقع عليه ظلم كبير. مداهنة كبرى. “لعبة إستُغُمّاية” معقّدة، مُتدرّجة، غُلّفت بثوب وردي زهري شرعي شعبي فضفاض. مُبهم.

أسقطوه وزجّوه في السجن ووجهوا له تُهما وتُهما، ووضعوا بلاطة على موضوعه. بلاطة لا “ينزُّ” منها الماء ولا الهواء. “كعبلوا” موضوعه ولفّوه بمئة خرقة بالية وجديدة، ووضعوه في “فريزر” الثلاجة، ونسوه أو تناسوه.

كان د. باسم يوسف، الطبيب الكوميديان، ذو العيون الزُرق. أو ربما الخُضر المُزرقّة. وبرنامجه النقدي الهزلي الشهير، برنامج “البرنامج”. يسرح ويمرح، كما يشاء. يُخيط أثوابا من الضحك والهزل والنكتة والسخرية، ويُلبسها لمُرسي وحُكمة. ويخرج بعدها من الإستوديو الى بيته. يتجوّل في الشوارع والحارات والحواري، في قاهرة المُعزّ.

أمّا بعد أن سقط الرئيس، وزُجّ في السجن. فيبدو أن السجن قد إنفتحت شهيّته، لأكل وبلع آخرين. “لا هزار بعد اليوم”. برنامج البرنامج ساد وباد. أصبح أثرا بعد عين. أصبح إسما من الماضي. إندثر الى غياهب النسّيان. وإندثر معه د. باسم يوسف الى غياهب اللجوء والإغتراب.

هل من المعقول، في خضمّ تلاطم أمواج الوطن العربي الهادر من المحيط الى الخليج، أن يُتّهم رئيس، يجلس على كرسي الرئاسة الوثير المُحصّن. تزحف وتسبح تحت أرجله وأقدامه كافة مؤسسات الدولة دون إستثناء. (تذكّروا من فضلكم أنني أتحدّث عن الوطن العربي، وليس عن أوروبا). بأنّه تخابر مع جهة أجنبية، كتهمة رئيسية، يُساق بموجبها الى السجن، بعد تحطيم الكرسي الذي كان يجلس عليه؟

وهل يتخابر الرئيس مع جهة أجنبيّة، من موقعه على رأس هرم الدولة، من مكتبه، من القصر الجمهوري الذي يقيم فيه، بتفويض من الشعب، بأمر من الشعب، مصدر كل السلطات دائما وأبدا، وفي كل الأزمنة والأوقات، وليس في أوقات وأوقات؟ “مرّة خيار ومرّة فقّوس”؟

الرئيس يُعطي تعليمات، يُعطي توجيهات، يُعطي أوامر، الى رئيس الوزراء والوزراء والوكلاء ورؤساء الأجهزة، رئيس المخابرات والإستخبارات والشرطة ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، والألوية والعمداء والعقداء، وأساتذة الجامعات، والكتّاب والصحفيين، والشعراء والرسّامين والنحّاتين، والبائعين المتجوّلين وبيّاعي الترمس والفول والفلافل والذرة والبوشار.

هل من المعقول إتهام رئيس بالتخابر مع جهة أجنبية، أو مع “عدوّ” خلال تولّيه منصبه؟ هل يجرؤ أحد على فعل ذلك؟ أقول لو تسنّى للعامة فعل ذلك لإجتاح الطوفان منطقتنا العربية، ولإختلط الحابل بالنابل. ولتطاول الناس على القصور “والهامات”، وعلى الأيادي الساميّة المكتنزة الناعمة التي تُقدّم، مع إنحناءة مهذّبة، الشاي والقهوة، للجراد والخفافيش، مُريقي ومصّاصي دماء الشعوب “المعثّرة” والمتعثّرة.

كالضابط اللبناني الذي قدّم الشاي لجنود الإحتلال، على صينيّة بيده، وإنحناءة من جسمه، وضحكة بلهاء من فمه، في ثكنة الجيش اللبناني في مرجعيون المحتلّة، خلال عدوان إسرائيل على لبنان، على جنوبه ووسطه وشماله، عام 2006. وإقترافها، للمرة الثانية، بوحشية منقطعة النظير، مذبحة المدنيين في قانا.

في إيطاليا، الدولة الأوروبيّة المتوسّطية، جارتنا الشماليّة، التي تشبه خارطتها شكل الجزمة. تعاقب على حكمها، منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، عام 1945، أكثر من خمسين وزارة، من بينها وزارات كانت لا تُكمل العام أو تكاد. وكان من أهم السّياسيين المخضرمين الذين حكموا إيطاليا، جوليو أندريوتي. ولد عام 1919 وتوفي عام 1993.

مكث في الحكم والمناصب الساميّة أكثر من خمسين عاما. سبع مرّات على التوالي رئيسا للوزراء. من عام 1972 الى عام 1992. وست مرّات وزيرا للخارجية. وحفنات من المرّات برلمانيا وموظّفا ساميّا.

في عام 1993، قبل وفاته بعدة أشهر، وقد بلغ من العمر عتيّا، 94 عاما مديدا. تلطّخت سمعته بشبهات علاقته بالمافيا. إتّهموه بعلاقته مع المافيا! عُضوان من المرتدّين عن المافيا يوجّهون إتّهامات لأندريوتي بصلات مع المافيا؟. مع منظّمة “الكوزا نوسترا” في صقلية. وذلك من أجل أن يحصل قادتها على أصوات إنتخابية؟

هل نقول شيئا يُغضب البعض ويُغبط البعض الآخر؟؟ ليس هذا هو الهدف ولا المُراد. فليس لنا مصلحة لا في ذلك ولا في ذاك. ولكن إنصافا لبعض الحق والحقائق والحقيقة. فالكل يتحدّث عن الحق والحقيقة.

والحقيقة هي أن الحق منزوي في زاوية ضيّقة، مكشوفة، مُقيّد اليدين، مُصفّد الرجلين. يتلقّى الشتائم والدسائس واللكمات والكفوف والركلات والخناجر والمسنّنات. أما الباطل فيتمخّتر كالطاووس في خيلاء. يدفع صدره وكرشه المُكتنز في أُبّهة وتعجّرف وغطرسة وإستعلاء.

من الصعب قول الحق أو الوقوف الى جانب الحق. ومن السهل قول المداهنة والوقوف مع الباطل، لأنّه لا يُكلّف كثيرا. أما الوقوف مع الحق، فإنّه يُكلّف غاليا.

نحن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني حق. حق أصيل. يتكالب على هذا الحق، علينا، الباطل، من الأعداء والمحتلّين والمتخاذلين والنخّاسين والمداهنين والمتواطئين. وكلّهم تحت بند “أنّهم يُريدون خيرا للشعب الفلسطيني”. يُريدون برّا بالشعب الفلسطيني. يُريدون الرخاء والإزدهار للشعب الفلسطيني.

 يُريدون الأخذ بيد هذا “الطفل”، “القاصر” و”تلّقيمه العسل” في فمه. “على الأحرى تلقيمه البصل”. لكن بملاعقهم الخاصة، المصنوعة من النحاس المسموم. “في مصانع نتنة”، ممهور على أبوابها نجمة سداسية. ومُستخرج من “مناجم إيفانكا وترامب”، “وثلاثي أضواء الصفقة”، “الصهر والمبعوث والسفير”.

الشعب الفلسطيني ليس قاصرا. الشعب الفلسطيني شعب بالغ، ناضج، مكافح، مُثابر، فطن. ربّان ماهر يقود سفينته في بحور الأمواج العاتية، والألغام والفرقعات والمُفرقعات، بحكمة وبراعة وإقتدار. قدرُه وتصميمه أن يوصلها ويرسوا بها على برّ الأمان، “المدبوز” بأشجار التين والعنب والزيتون والليمون والبرتقال.

الشعب الفلسطيني، شعب الجبّارين، ليس بحاجة الى “كوشنير” كي يُعلّمه مسك دفّة السفينة وإدارتها. سفينته التي يُبحر بها منذ زمن آبائنا وأجدادنا الكنعانيين، وعيسى الناصري، وجيراننا الأنباط، ناحتي “المدينة الوردية. وجيراننا الفنيقيين، أوائل البحّارة المهرة.

مُتجذّر شعبنا في أرضه، أرض الرباط، ثرى المهد والإسراء والمعراج.

الشعب الفلسطيني البطل، المقدام، المكافح، القابض على الجمر،على مدى أكثر من مئة عام لا تُغريه ولا تهمّه مليارات كوشنير، المسمومة، الملغومة، السرابية. لا تهمّه “منامته” ولا صحوته ولا أحلامه، ولا أحلام يقظته. لا تهمّه كنوز “علي بابا كوشنير” المنهوبة والمسروقة، بالقوّة والبلطجة والتهديد والمداهنة. لا تهمّه جبال من الزبد يتظاهر “الثعلب” كوشنير بتشييدها، ويعدُ أن يُحوّلها الى خوابي من السمن والدبس والعسل.

كنوز الدنيا وملياراتها لا تساوي ذرّة تراب من ثرى فلسطين، من تراب قدس أقداسنا، من تراب مسجد أقصانا، من تراب كنيسة مهدنا وقيامتنا. لا تُساي دمعة طفل يذرفها حزنا وفخرا على سقوط والده أو عمّه شهيدا في ساحة الشرف والكرامة. يذود عن ثرى وتراب فلسطين وقدس أقداسها.

جاء الرئيس، ذهب الرئيس. عاش الرئيس، مات الرئيس. مكانك راوح. مكانك سر. “من هالمراح ما في رواح”. ولله في خلقه شؤون.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ” من هالمراح ما في رواح ” صدقت …صدقت …صدقت ، بارك الله فيك وبك

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here