السفير منجد صالح: ما بين المُفكّر نعّوم تشومسكي والناشط ميكو بيلد

السفير منجد صالح

اسمان، علمان، يهوديّان، مناهضان للصهيونيّة، مُنتقدان “لدولة” إسرائيل، مُقارعان للاحتلال. كلاهما يهوديّان أمريكيّان، لكن ميكو بيلد يحمل الجنسية الاسرائيلية، لأنه وُلد في إسرائيل، في القدس المحتلّة، في شقة جديدة، حيث رفضت والدته أن تسكن في بيت كبير قديم “سرقه” الصهاينة من الفلسطينيين بعد نكبة عام 48، وأرادوا منحهم إيّاه، وخاصة أن أبوه كان جنرالا وعضوا في هيئة الأركان حينذاك.

عاش في إسرائيل وخدم في الجيش الاسرائيلي الخدمة العسكرية الإلزامية، وهو ضابط على بند الاحتياط.

يعيش حاليا في أمريكا هو وزوجته وأولاده. لديه مدرسة لتدريب الجودو والكراتيه، فهو “المعلّم”، يُناهض الاحتلال والصهيونية، وينسج علاقات قوية ومُتشعّبة مع عرب ونشطاء فلسطينيين في أمريكا وفي فلسطين وفي دول أخرى.

يقول في محاضراته العديدة، في الدول المُختلفة: “عندما وصلت إلى مطار اللد في فلسطين المُحتلّة”، وليس في إسرائيل.

أمّا المُفكّر التقدّمي نعّوم تشومسكي فلم يعش في اسرائيل ولا يحمل جنسيّتها، بل فقط الأمريكية، وأنّ آخر ثلاث مرّات حاول فيها القدوم إلى إسرائيل و”زيارتها”، كانت قوى الأمن الاسرائيلية تحتجزه في المطار، تُعامله “بجلافة” وتُعيده على نفس الطائرة أو التي تليها، لأنّه شخص غير مرغوب فيه من قبل دولة الصهاينة.

الشخصيّتان اليهوديّتان، نعّوم تشومسكي وميكو بيلد، بالنسبة لصهاينة إسرائيل والعالم، هما “يهوديّان ضالّان”. كما هو الحال، بنفس التوصيف، مع “اليهودي الضال” الآخر، حسب عقلية و”مفهوم” إسرائيل والصهيونيّة العالمية، هو القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد غولدستون، رجل القانون وحقوق الإنسان والمُدّعي العام في محكمة العدل الدولية لجرائم الحرب، رئيس بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق.

حاول إنصاف الضحية الفلسطينية أمام غدر وبطش الجلّاد المُعتدي، في تقريره الشهير عن العدوان على قطاع غزة، تقرير غولدستون.

فانقلبت إسرائيل والصهيونية العالمية عليه وضدّه، وقلبت الدنيا فوق رأسه، إلى درجة حرمانه من حضور مراسم طقوس دينية يهوديّة لحفيده الصغير.

وفي السياق ذاته، لا ننسى ما قام به جهاز الموساد الإسرائيلي، قبل عدّة سنوات، من خطف العالم النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو “الضال”، باستدراجه من لندن إلى روما، في عملية قرصنة بامتياز، وشحنه مخدّرا في صندوق على متن طائرة “إل عال” الإسرائيلية إلى مطار اللد، ومن ثمّ إلى الاعتقال وإلى المحاكمة وإلى السجن، لمدة ثمان سنوات طوال، لمجرّد أنه “فتح فمه” وتفوّه بأنّ إسرائيل تملك قنابل نووية من مفاعل ديمونا، الذي عمل فيه وكان الخبير النووي بمحتوياته ودهاليزه ومنتوجاته و”قنابله”.

إسرائيل تُريد أن تعمل كالخفّاش، في دهليز عميق معتم نائي، بعيد عن أعين وأنظار الناس والبشر، وتكنز قنابلها ورؤوسها النووية، تحت “البلاطة” – اكثر من 300 قنبلة نووية – ويُحظر على أيّ مخلوق على وجه هذه البسيطة أن يخوض في “عرضها” النووي، “سيرتها” النووية، كشف سرّها النووي، وإلّا فإن “الذباب الأزرق” لن يعرف له مصيرا ولا طريقا.

وبالمقابل فإنها تملأ الدنيا صراخا على كل من يتجرّأ في امتلاك حتى التقنية النووية للأغراض السلمية في منطقة الشرق الأوسط، وتعتبره خطرا على وجودها وعلى وجود “العالم الحر”، مع أن هذا العالم الحر “مدبوز” بالرؤوس النووية بأشكال وأحجام وأنواع مُختلفة.

وأن أول من استخدم السلاح النووي هي “رأس العالم الحر” وقائدته، عندما أسقطت قنابلها النووية على هيروشيما وناغازاكي اليابانيّيتين في أواخر الحرب العالمية الثانية، مخلّفة دمارا هائلا وآلاف القتلى والجرحى والمفقودين، وعاهات وتشويهات خلقية دائمة ما زالت تظهر على سكان المدينتين حتى يومنا هذا.

واستخدمت قنابل صغيرة ذات قطر فعالية محدود من اليورانيوم المّنضّب في ضرب القوّات العراقية، قوّات صدّام حسين الغازية التي احتلّت الكويت، فأبادت الضباط والجنود العراقيين، و”أذابت” لحومهم على عظامهم بفعل الإشعاعات، كما فضحت ذلك صحفية يونانية إستطاعت تصوير ونشر هذه المعلومات في مجلّة “جون أفريك” الناطقة بالفرنسية، في حينه.

ميكو بيلد هو ابن الجنرال ماتيتياهو بيلد، ماتيو بيلد، ناشط السلام. كانت تربطه صداقة وتفاهم مع أبي عمّار، ضمن قوى السلام والحوار الإسرائيليّة. وقد كان أول جنرال إسرائيلي يدعو إلى اعادة الضفة الغربية للفلسطينيين بعد وقت قصير من إحتلال قوات موشي دايان لها على أثر حرب حزيران عام 1967.

لكن أحدا من زملائه في هيئة الأركان لم يأخذ برأيه ولم يقتنع بقناعته، لأنهم كانوا يعتقدون ويُريدون ويتصرّفون على أن الضفة الغربية، إلى جانب سيناء المصريّة ومرتفعات الجولان السوريّة، ما هي إلا غنيمة حرب، غنيمة إنتصارهم على ثلاث جيوش عربية في حرب “الأيام الستة” عام 67.

وما زالوا بنفس العقيدة، بنفس هذه العقلية، يتصرّفون ويطبّقون سياساتهم الصهيونيّة الاحتلالية التوسّعية الاستيطانية، والآن يتوسّعون في سياسة عملية الضم، متدثّرين برداء ترامب السميك المُصفّح، الذي يحميهم ويقيهم من نار الانتقادات الدولية، ومن صقيع بعض المواقف الباهتة من شركائنا في جامعة الدول العربية.

المُفكّر الإنساني، عالم اللسانيّات الأمريكي، نعّوم تشومسكي، أجرى معه موقع “ديمقراسي ناو” (الديمقراطية الآن)، حوارا معمّقا حول قرار الضم الإسرائيلي والدور الأمريكي وخيارات الفلسطينيين للتصدّي لهذا القرار المُجحف.

أورد في حديثه بأن الفلسطينيين لا يواجهون إسرائيل بمفردها وإنّما من ورائها الولايات المّتحدة الأمريكيّة، وإلى جانبها “دول عربية” ذات وزن ثقيل، باتت تعتبر قضيّة التطبيع مع إسرائيل من أهم أولويّاتها.

وهذا هو بيت القصيد فيما يجري حاليّا من إرتدادات وتطبيقات ونتائج “صفقة القرن” الملغومة المشؤومة الخبيثة، التي هي نتاج تفاهمات أمريكية إسرائيلية، بل هي نتاج تفاهم وخبث ودهاء نتنياهو مع ترامب وطاقمه “الأرثوذكسي”، في ظل غياب أو تغييب أصحاب القضية الفعليين الأساسيين، منذ أجدادنا الكنعانيين وحتى بطولات مخيّم جنين.

وفي ظل صمت عربي وظلام دامس ونفق مُظلم، اللهم إلّا من بعض الأصوات العربية، التي تُحاول كسر وإيقاف كرة الثلج المُتدحرجة من واشنطن وتل أبيب في طريقها لابتلاع ثلاثين بالمئة أو أربعين أو يزيد من أراضي الضفة الغربية المحتلة.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. سعادة السفير
    اخشى ما اخشاه ان تقف كرة الثلج على رؤسنا كالسابق فان كل ما يحدث في فلسطين والعالم العربي اليوم وهذا الصمت المنهزم امام الظلم والبطش لا ينم على ادنى بصيص امل حول ايقاف مهزلة الضم المشؤومة

  2. سعادة السفير، الكاتب زهير اندراوس قدم اعتذار علني ومكتوب في هذه الصحيفه بعدم صحة ما كتبه بان ديمقراسي ناو قد اجرت لقاء مع تشومسكي ولكنك الان تؤكد عكس ذلك، ارجو ان تزودنا بمصدر الخبر واين منشور والرابط الالكتروني،

  3. سعادة السفير ذكر أمثله عن يهود ولكنهم أصحاب ضمائر حيه يرفضون الظلم والاحتلال وذكر حادثة القاضي اليهودي الجنوب أفريقي صاحب ضمير إنساني أنصف ولو قليلا ضحايا الحرب الهمجية الصهيونيه علي غزه لكن سعادة السفير لم يذكر الروايه كامله ومن كان وراء طمس هذا التقرير خدمة للعدو وخدمة لسلطته اتمني عليك سعادة السفير أن تعرف أن شعبنا ذاكرته وقدرته الذهنية قويه جدا وليست ذاكرة سمكه كما تتخيل عليك الإنصاف وقول الحقيقه ولا تحاول الاستخفاف بعقول شعبنا الفلسطيني السلطه ارتكبت جرائم كبري بحق الشعب الفلسطيني والقضيه بنهجها الفاشل وأنت تعرف الفساد المستشري بكل العاملين في مقاطعة محمود عباس في رام الله
    للاسف تم تشويه تاريخ حركة فتح التي نعرفها فتح أول الرصاص والكفاح المسلح وليست فتح التنسيق الأمني وقمع المناضلين مع تحياتي وتقديري

  4. كلام وتحليل قيم ينم عن صاحب باع طويل ومعرفة معمقة بالصراع و الاطراف الداعمة والمناهضة للصهيونية العالمية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here