السفير منجد صالح: ليس هكذا تورد الإبل يا حياة الفهد

 

 

السفير منجد صالح

أعتبر نفسي وبحق من أشدّ محبّي الكويت وشعبها. فأوّل قراءاتي فتيّا، خارج إطار الكتب المدرسيّة، كانت مجلّة العربي الغرّاء الكويتية. منذ ذلك الوقت كوّنت في داخلي وفي كيّاني هالة وصورة جميلة عن هذا البلد الخليجي، صغير المساحة وقليل عدد السكان، كبير بسمعته ناصعة البياض وتقدّمه الثقافي والصحفي بالقبس والأنباء.

وما زلت أذكر وأنا فتى تلك الصورة العتيقة عندما إصطحبني الأهل معهم الى مطار قلنديا، بجوار بيت المقدس، لإستقبال عمّتي وزوجها القادمين من ربوع الكويت على متن الطائرة التي حطّت على مدرج المطار صيف عام 1965. أول مرّة أشاهد فيها طائرة عن قرب وأتواجد داخل مطار ونستقبل ركّابا واقارب قادمين من الكويت. فهل من الممكن أن تُمحى هذه الصورة المعتّقة من ذاكرتي عن الكويت؟ وخاصة وأن مطار قلنديا كما القدس وكامل الضفة الغربية ترزح تحت إحتلال بغيض منذ صيف عام 1967، وأن مطار قلنديا منذ ذلك الحين اصبح بأيدي قوّات الإحتلال خرابا مهجورا. مؤخّرا يعمل الإحتلال على بناء حي إستيطاني عدواني عنصري مكانه.

لكن هذا الموقع سيبقى في ذاكرتنا الفردية والجمعية مطار قلنديا الذي كان يستقبل الطائرات القادمة من الكويت قبل إحتلاله من قبل جنود موشي دايان في حزيران عام 1967.

الكويت كانت من أكثر الداعمين في العالم للجامعات في فلسطين. دولة تزخر بالنور والعلم أهدت قبسا من موقدها المتّقد لجامعة بير زيت في مدينة بير زيت قرب مدينة رام الله، أعرق واهم الجامعات في فلسطين، وجامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس، وغيرها من الجامعات على امتداد الوطن الفلسطيني.

وأعتبر نفسي وبحق من أشدّ كارهي ومناهضي ومعارضي غزو الكويت وإحتلالها صيف عام 1990 من قبل جحافل جيش صدام حسين. معارضتي لهذا الغزو غير المبرر والعدواني جاءت من منطلق حبّي للكويت وتجربتها الرائدة والديمقراطية التي كانت تسود فيها بالمقارنة مع جاراتها العربيات والعجميّات من الممالك والإمارات والجمهوريّات. ومن منطلق رفضي المطلق للإحتلال. فكيف سنبرر لانفسنا مناهضة الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين إذا لم نقف ضد الإحتلال الصدّامي العراقي للكويت؟! فلا يوجد إحتلال بغيض وإحتلال حميد. فمبدأ الإحتلال لا يتجزّأ ومبدا الحريّة والإستقلال والسيادة لا يتجزّأ.

من موقفي هذا ومن هذا المنطلق أودّ أن أعبّر عن أسفي ورفضي الشديد لتصريحات السيدة الفنانة القديرة حياة الفهد وهجومها المفاجئ والفجّ على “الوافدين” والمصابين بفيروس كورونا في الكويت. حيث قالت “النجمة” في مداخلة مع برنامج “أزمة وتعدّي”، على قناة “إيه تي في” الكويتية: “لقد مللنا منهم، ليس لدينا مستشفيات تأوينا، ولماذا لا تأويهم بلادهم ونحن نبتلي بهم؟ “قطّوهم برّا ديرتنا”. لقد أكلوا الخير ولعبوا واستانسوا، لكن فليذهبوا من بلادنا”.

خطير والله خطير، كلام خطير وغير مقبول ولا ينفع لا في العير ولا في النفير!!! كلام لا يسرّ الصديق ولا يكيد العدوّ.

هذا الموقف وهذه التفوّهات لا تليق بك يا سيّدة حياة، فمن إسمها حياة لا تحضّ على الموت!!! لا تليق بفنّانة قضت اكثر من خمسين عاما من عمرها وهي تُجسّد دور الفتاة المظلومة، تلبس ثوب المسكينة في دور المرأة المظلومة، دور الإنسانة المقموعة. وفجأة تخلع هذا الرداء الانساني وتتمنطق بعباءة الظالم، تركب فرسا جانحة جامحة وتضرب بحسامها البتّار، على اليمين وعلى الشمال، رؤوس المظلومين ورؤوس جمهورها ومُريديها ومُحبّيها.

بتاريخ 16 آذار 2020 كتبت مقالا نُشر بعنوان: “الطبع غلب التطبّع … سمير جعجع الضبع”، هاجمت فيه هذا القاتل المجرم وتصريحاته العنصرية بمطالبته الحكومة اللبنانية “بضرورة الحجر على المخيمات الفلسطينية والسورية في لبنان” واقفالها “بالضبّة والمفتاح” وفرض حصار شامل عليها وعدم خروج او دخول اللاجئين منها واليها، درءا لتسّرب فيروس كورونا منها!!!

مع العلم انه وحتى اللحظة لم تُسجّل حالة إصابة واحدة بالفيروس في المخيّمات المستهدفة بالتصريحات العنصرية، وأن جلّ الأصابات بالكورونا وقعت في “المجتمع المُخملي اللبناني”، وليس أدّل على ذلك الا حادثة اصابة المذيعة وعارضة الازياء اللبنانية لُجين عضاضة، التي وثّقت إصابتها ومعاناتها مع الفيروس في شريط فيديو مصوّر.

أنا أعرف تماما الفرق الشاسع والبون الواسع بين حياة الفهد وكنهها وتكوينها ومسيرة حياتها وبين سمير جعجع وحياته ومسيرته الصاخبة المتخمة بالإجرام والقتل والعمالة والخندزة والدسدسة والمُداهنة ولعب الثلاث ورقات. لكنني أخشى أن تتقاطع في الأثير الرحب تصريحات الفهد مع تصريحات جعجع، وهذا لا يسرّني ولا يُرضيني.

كما لا يسرّني ولا يُرضيني أن تتزاحم في الوحل تصريحات “النجمة” مع ممارسات المحتلّ الإسرائيلي العنصري البغيض، الذي بدل أن يُطبّب العمّال الفلسطينيين العاملين لديه في ورش البناء والمصانع والمزارع، يقوم بحذف ورمي كل من يشتبه بإصابته منهم بفيروس الكورونا، إلى اقرب حاجز يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية، على قارعة الطريق، يفترشون الحصى والتراب وشوك الارض ويتدثّرون بلحاف برد ومطر الشتاء، إلى أن تأتي سيارة طوارئ الهلال الاحمر الفلسطيني لتغيثهم وتنجدهم وتبلسم إصابتهم.

كما أن الوافدين الذين تريدين أن “تقطّيهم من ديرتك” لا يجلسون القرفصاء في ديارك العامرة ولا يتمنطقون بالشورت المزركش و”الكسكيت” الابيض وسنّارة صيد السمك في يدهم “يقعمزون” على شاطئ الخليج لصيد السمك والإستئناس والإسترخاء والإستجمام، بل أنّ مسامات جلودهم وجباههم تسيل و”تنضح” بعرق العمل والجد والجهد. صحيح أنّهم يتنعّمون بخيرات الكويت وكرم اهل الكويت، لكن صحيح ايضا أن الكويت وشعب الكويت يتنعّمون بنفس المقدار بمردود عمل الوافدين وعلمهم ومهنيّتهم وتفانيهم في خدمة هذا البلد العربي الاصيل الذي يحبّون ويعشقون ويقدّمون له افضل ما عندهم.

تصوّري يا سيدة حياة الفهد لو أنّك إستيقظت باكرا غدا صباحا ووجدت، بقدرة قادر، وقد تحققت أمنياتك، وقد تبخّر 70% من ساكني الكويت في الفضاء الفسيح؟؟ ماذا سيكون حالك واين ستؤول أحوالك؟؟!! أخشى أنّك ربما ستجدين صعوبة، بعد فتح عينيك وتمتمة “يا فتّاح يا عليم يا رزّاق يا كريم”، من إيجاد نعليك البيتية (البابوج أو الشبشب أو الحفّاية أو الشاحوط أو زنّوبا أو المشّايه أو القبقاب أو الشليكة) من تحت سريرك، بسبب تبخّر خادمتك الفلبينية أو السيرلنكية أو الاثيوبية أو الاربتيرية، مع الذين تبخّرو إستجابة لتصريحاتك وأمنياتك.

لسنا متعوّدين أن تهب علينا من الكويت رياح صرصر، لكننا متعوّدين على النسمات الدافئة الحانية التي تهب علينا من سواحل وشواطئ الكويت، تحمل على بساطها الطائر الميمون الفارس مرزوق الغانم . “بالغانم تغنم الأمة وبالبرهان تهان”، مقال كتبته ونشر بعد إجتماع مجلس البرلمانات العربية في عمان، وتمزيق مرزوق الغانم أوراق صفقة القرن على الهواء مباشرة وحذفها في سلّة المُهملات.

لا أريد أن أبدو وكأنني أدافع عن أبناء جلدتي وموطني الكنعانيين الفلسطيننين عاشقي الكويت وترابها وهوائها ونسيم بحرها. أنا أدافع عن مبدأ إنساني، عن فكرة إنسانية، بغض النظر عن هويّة وجنس وبشرة وسواد عيون او خضرة عيون الناس والبشر. وأن هناك من لبّ عقر دار الكويت الشمّاء من يدافع عن المختصّين والمهنيين والمعلّمين الفلسطينيين. عضو مجلس الأمة الكويتي البرلمانية اللامعة صفاء الهاشم قالت كلمة حق في المعلّمين والمُدرّسين الفلسطينيين منذ أوائل الستسنيّات وحتى يومنا هذا، حين صدحت كالبلبل المغرّد، كالنسر الجسور، من على منصة مجلس الأمة قائلة: “إن المعلّمين الفلسطينيين ربّوا جيلا لا يتكرر من الكويتين الأوائل”. وتفتخر صفاء الهاشم أنّها كانت واحدة من جيل الاوائل هذا.

إلتمس لاخيك عذرا. سنلّتمس لأختنا حياة الفهد عذرا عن تصريحاتها التي ربّما أدلت بها تحت ضغط هول اللحظة وظرف هول سوط  فيروس الكورونا الذي يجلد به جلود مواطني سكان الكرة الارضية من المحيط المتجمّد الشمالي إلى المحيط المتجمّد الجنوبي ومن شرق الجزر اليابانية الى غرب كاليفورنيا وتكساس في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يفرّق بين “مواطن اصلي ووافد”.

فأستغفري ربّك وقولي قولا سديدا. أمتعينا بمزيد من عطائك الفني والدرامي ولا “تُتحفينا” بآرائك حول السياسة والمواطنة والجنسية وعلم الوبائيّات. إتركي ذلك للسياسيين والأطباء والمُختصين.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

8 تعليقات

  1. هل تستحق الحادثه افراد مقاله في جريده كبيره للتحدث عنها بحيث من لم يعرفها قبلا اصبح يعرفها الان
    يوجد امور كثيره اهم من الرد على فنانه ذهب عصرها و انتاجها قليل و ان اشتركت في مسلسل فالقله يتابعونه.
    عجبي

  2. أيها الإخوة الأعزاء أن الفنانه الكويتيه حياة الفهد سقطت سقطت مدويه وجانبت الصواب كيف تطالب برمي الوافدين وقطهم في الصحراء أن تلك التصريحات عار عليها ولكنها بشر يخطئ ويصيب ويجب ان نجد لها العذر فالكويت بلد مسالم مظياف معطاء أكثر أهله ذو نظره إنسانيه وجدانية وطبيعتهم كريمه ولهم فضل على بلدان كثيرة ، ولكن الوافد له مساهمه كبيره في كل البلدان المتواجد فيها فمنهم العالم والدكتور والمهندس ومنهم العامل ومنهم البائع ….الخ من المهن تركوا بلادهم طلبا للرزق وكدوا وكدحوا فمنهم من أبدع وخدم البلاد الموجود فيها لذلك الوافد بحاجه للبلد التي يعمل بها كما أن البلاد التي يعملون بها بحاجة لهم ولعملهم ، فنسأل الله العلي القدير أن يحفظ الجميع بحفظه ويوفقهم لكل خير إنه نعم المولى ونعم النصير.

  3. الا يكفينا البركان الذي فجرته اسرائيل بعمالنا الفلسطينين ؟!!!
    حتى في المرض يتكالب البشر على بعضهم البعض

  4. سقط الاسم الأول للشيخ فهد عن طريق الخطأ في تعليقي السابق. رحم الله ذكراه

  5. كنت قد كتبت تعليقا مشابها قبل بضعه سنين. اتمنى ان ياتي زمن تتحسن فيه الاوضاع السياسيه و الاقتصاديه في البلاد المصدره للعماله الوافده في جميع دول الخليج ويجد الوافدون فرص جيده للعوده الى بلادهم و ان لا يصيب دول الخليج اي مكروه الا انهم يجدون انفسهم و قد تحققت امنيه الكثير منهم وهي انهم اصبحوا بلادا بلا عماله وافده….
    اتمنى ان ارى ذلك اليوم الذي يستيقظ فيه الخليجي المترف فلا يجد الخادمه الفليبنيه و لا السائق الهندي ولا مدرس ابنه المصري و يجد نفسه للقيام بكل المهام اليوميه لاداره امور حياته اليوميه…

  6. نحن الفلسطينيون لن ننسى أبداً الراحل الشيخ أحمد الجابر الصباح الذي انضم إلى المقاومة الفلسطينية ودعمها منذ بدايتها. لقد استشهد وهو يقاتل من أجل بلاده ضد المعتدي .
    واليوم ، لدينا مرزوق الغانم وهو مثال آخر على ما تعنيه الكويت للقضية الفلسطينية بمواقفه المشرفة ضد ممارسات إسرائيل و صفقة القرن . كما ونقدر وقوف الحكومة الكويتية بحزم ضد كل محاولات تطبيع العلاقات مع إسرائيل .
    حياة الفهد ليست شخصًية تحتاج للوقوف عندها لفترة طويلة بين هؤلاء الكويتيين العظماء وحكومتهم ذات المبادئ العالية.

  7. بسم الله الرحمن الرحيم
    ان الفضل لله جميعا ولا فضل لاحد على احد. ان الكويت والجزيره العربيه وبلاد الشام وتركيا ومصر والاردن وعمان وفلسطين وسوريا ومناطق الاكراد, والعراق والباكستان وطاكجستان والجزاءر وليبيا وتونس والمغرب كلها بلاد المسلمين. اما البلاد التي تجزخ تحت حكم ايه سلطانا فافنه ليس له الحق ان يمنع ايه مسلم من الاقامه في بلاده اللا اذ اكان تابعا لتقسيم الطاغوت الذي قسم الامه. ولا منة من انسان على انسان بل الله يمن علينا ان هدا نا و رزقنا. ولا ينسى الكويتيون بانهم شاركو مع ال سعود حصارهم للعراق ولصدام اقتصاديا من قبل دخوله للكويت وباعو البترول بسعر التراب لكي يكسروه اقتصاديا كما يحارب ال سعود ايران وروسيا الان. وما دخل صدام الكويت اللا لان من اإلإمراء الكويتيين من قال له بانه ساجعل العراقيات يبعن انفسهم وعروضهن بعشرات الملاليم في الشورارع. وهذا ما سمعته من بعض الناس الذاين كانو مقربين من امراء الكويت. والله على كل شي ء شهيد. فليرجع الناس لله ولرسوله في احكامهم وفي اعمالهم. اللهم لا تحشنا مع القوم الظالمين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here