السفير منجد صالح: كوبا جزيرة صغيرة… كبيرة بعطائها وأدائها

السفير منجد صالح

ما من شك أن إيطاليا كانت ولا تزال من الدول التي بُليت بفيروس كورونا. فبعد الصين قفزت إيطاليا وإيران وكوريا الجنوبية على رأس المؤشّر الذي يعدّ عدد الإصابات ومدى إنتشارها وفداحتها. ومثلما كانت ووهان أول وأكثر المناطق تضررا في الصين، كانت لومبارديا في الشمال أكثر المناطق تضررا في إيطاليا.

ثمّ تلت الدول تباعا في “التساقط” أمام حوافر فيروس كورونا وكأنه هولاكو لا يرحم، يدوس على الكبير والصغير و”المقمّط” بالسرير. فتبعت الصين وإيطاليا وإيران وكوريا الجنوبية دول غربية صناعية كبرى: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا، وبعدها على القائمة ظهرت الولايات المتحدة، التي سبقت الدول كلّها وتربّعت على رأس هرم الدول المصابة بهذا الوباء. لقد تجاوزت الحالات المثبتة في أمريكا حاجز 140 ألف ‘صابة.

وقد تباهى الطاووس الأشقر ترامب، كما هي عادته، وقال أنه إذا مات في بلاده أقل من مئة ألف شخص، من هذه الجائحة، فإن ذلك يُعدُّ إنجازا!!! وحمل سمّاعة هاتفه وإتصل مع الرئيس بوتين من أجل تنسيق الجهود لعمل وثيق لدفع حملة محاربة الكورونا واحياء الإقتصاد العالمي.

لكن في فم خليج المكسيك، وجنوب ولاية فلوريدا وبالم بيستش الأمريكية تقبع جزيرة صغيرة، حديقة غنّاء، مساحتها أربعة اضعاف مساحة فلسطين الطبيعية وعدد سكانها لا يتجاوز أحد عشر مليون نسمة. هذه الجزيرة البديعة لا يدور في خلدها حسابات ترامب المصرفية ولا تأبه بتصريحاته العنترية الهوجاء وإستخفافة بمصيبة الفيروس وتعامله معه وكأنه نادل في إحدى مطاعم برجه، ترامب تاور، في نيويورك.

هذه الجزيرة هي جمهورية كوبا، ذات القلب الكبير واليد الحانية والتقدّم الطبّي المُبهر، تأخذ الأمور على محمل الجد. لبّت نداء الواجب، لوجه الله تعالى لا تريد من ذلك جزاء ولا شكورا، وأرسلت أطباءها المتمرّسين الى إيطاليا المثخنة بالجراح. في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تنغلق على نفسها وتنكفئ منكمشة في أحشاء ذاتها وسدّت أبوابها ومطاراتها أمام أوروبا حليفتها، كانت كوبا تفتح ذراعيها تطوّعا ومبادرة وترسل نطّاسيها الى إيطاليا لمساعدتها على تخطّي محنتها ومصابها الجلل بفعل هجوم الفيروس الكاسح عليها. وقد إستقبل الطليان الوفد الطبي الكوبي بالتصفيق والترحاب والورود والشكر العميق.

جدير بالتذكير أن الولايات المتحدة تفرض حصارا على جزيرة كويا منذ إنتصار الثورة فيها عام 1959، حينذاك دخلت قوّات الثوّار المظفّرة بقيادة قيدل كاسترو والتشي غيفارا وكاميلو سينفويغوس الى العاصمة هافانا وأسقطوا حكم الدكتاتور فولهنسيو باتيستا المدعوم من واشنطن.

وجاء هذا النصر المؤزّر بعد أن زحف الثوّار من الجنوب الكوبي من جبال سييرا مايسترا في سنتياغو دي كوبا بقيادة فيدل كاسترو والتقوا في وسط البلاد مع الثوّار بقيادة التشي غيفارا وكاميلو سينفويغوس الذين كانوا قد حسموا معركة مدينة سانتا كلارا وإستولوا على القطار المصفّح لقوات الديكتاتور، وإستمرّوا جميعا بالمسيرة والمسير للإستيلاء على العاصمة هافانا وتحريرها.

ومن يومها وكوبا تُراكم الإنتصارات، فقد إنتصر جيشها الوطني الناشئ على قوّات المرتزقة الذين جندتهم ودربتهم وسلحتهم وارسلتهم الولايات المتحدة لإسقاط الحكم الثوري الفتي، وسحقها في معركة خليج الخنازير عام 1961، وتمّ أسر كلّ من لم يقتل. وقد تعاملت الثورة بحكمة ورحمة مع هؤلاء المرتزقة الذين هم في ألاساس كوبيين غرّرت بهم الولايات المتحدة، وأطلقت سراحهم بالفدية المالية أو بأن يقوم الأسير بتعليم عشرة كوبيين أميين القراءة والكتابة.

وهذا يقودنا الى المعركة الثانية التي إنتصرت فيها وأنجزتها الثورة الكوبية خلال بضع سنوات فقط الا وهي حملة محو الأميّة على المستوى الوطني، فمنذ أواخر الستينيات لا يوجد في كويا بطولها وعرضها أمّي واحد. والشعب الكوبي من الشعوب المولعة والمحبة للقراءة والثقافة.

الإستثمار الكبير الذي أنجزته الثورة الكوبية هو في مجال الطب والصحة والعلم والتعليم، فالتعليم مجّاني لكافة أفراد الشعب دون استثناء من روضة الاطفال وحتى الجامعة وإلى الدكتوراه، في الداخل وفي الدول الصديقة، الدول الإشتراكية سابقا. والتأمين الصحي والطبّي مجّاني لكافة أفراد الشعب الكوبي. وكوبا تضاهي في تقدّمها الطبّي وفي مجال البحوث الدول الصناعية الكبرى، تضاهي أمريكا وألمانيا وإسبانيا، بالرغم من إمكانيّاتها المتواضعة، لكن ما لديها تستخدمه بصورة صحيحة وفي المكان الصحيح ومن أجل صحة ورفاهية وسلامة ابدان شعبها.

جدير بالذكر، ويتوجب علينا أن نتوجه بالشكر والعرفان والامتنان لكوبها وشعبها، بأن آلاف الكوادر الفلسطينيين والعرب من اليمن وسوريا والجزائر والأردن ولبنان وتونس وجبهة البوليساريو قد تتلمذوا وتخرّجوا من الجامعات والمعاهد الكوبية، وأصبحوا أطباء ومهندسين ومترجمين وصحافيين واقتصاديين ومحامين وعسكريين ومن كافة المهن والتخصصات، وتقلّدوا مناصب رفيعة في بلادهم. فقد فتحت لهم كوبا جامعاتها وقلبها وذراعيها وتقاسمت معهم وبكل ود وسرور القليل التي تملك، وهم بادلوها المحبة والمودة وحفظ الجميل.

لقد حظيت سياسة كوبا الأممية في مجال تقديمهم المساعدات الطبية البشرية الإحترام والتبجيل، فقد وصل أطباؤهم الى المناطق الأكثر فقرا واشد قساوة في أنغولا وإثيوبيا وموزمبيق وناميبيا ودول آسيوية ودول في أمريكا اللاتينية وخاصة فنزويلا حيث وصل عدد الأطباء الكوبيين العاملين فيها قرابة 30 ألف طبيب.

وليس أدل على نبل هذه المهمات الإنسانية من كلمات الزعيم الكوبي قيدل كاسترو رحمه الله في حينه عندما قال: “نحن لا نرسل قنابل وصواريخ كما تفعل الولايات المتحدة نحن نرسل أطباء ومختصين للشعوب المحتاجة من اجل بلسمة جراحها”.

أخيرا وليس آخرا تُشير آخر الدلائل والإحصائيات الى تحسّن الوضع الصحي في ملفّ فيروس كورونا في إيطاليا وأنه من المؤمّل ان تخرج البلاد من عنق الزجاجة خلال أسبوعين.

   كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. ازاح الله الغمام عن العالم اجمع ولا ارانا مكروها بعدها
    بوركت اناملك على هذه المعلومات القيمة املة ان تنتقل عدوى التطور الكوبي في الوطن العربي اجمع عله يستيقظ من ربيعه الممطر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here