السفير منجد صالح: على باب وزير الثقافة المفتوح على مصراعيه

السفير منجد صالح

شددّت الرحال، صباح اليوم، و”شربت من حليب السباع” وتوجّهت “دون إحم ولا دستور” مباشرة إلى وزارة الثقافة، وزارتنا الجميلة، خيمتنا الكبيرة الأكيدة، متراسنا المنيع، مربط خيلنا، بحيرة بجعنا، خزّان مياهنا العذبة، دون موعد مُسبق، دون مكالمة سابقة، حتى دون رسالة على الواتس آب، ودون ملاحظة على الفيس بوك، عذرا فأنا لا أملك صفحة على الفيس بوك، وفي نيّتي ورغبتي ومقصدي ومُرادي وحتى تصميمي مقابلة معالي الوزير الصديق.

هكذا ذهبت، وهكذا انطلقت، “معاهم معاهم عليهم عليهم”، على بركة وتيسير المولى عزّ وجلّ.

لكنّني لم أذهب “أعزلا”، كنت مُتمنّطقا “مُتسلّحا” في “غزوتي” السلمية البريئة الجريئة، رحلتي الصباحيّة هذه، “بمنجنيقين”: المنجنيق الأول لطافة الوزير وتواضعه وصداقتي الجميلة معه واعتقادي الدائم والأكيد والذي لا يتزعزع ولا “ينزّ منه الماء” بأن باب الوزير “مُشرع” على مصراعيه دائما وأبدا، صيفا شتاءا، أمام الزائرين والضيوف، وجموع الجمهور والمراجعين المُتجمهرين.

فالموضوع يتعلّق بالثقافة، لا بالمال ولا بالجاه ولا بالمصلحة، والثقافة فضاء واسع فسيح، مُتاحة للجميع، ينهل من مناهلها ومياهها العذبة المُصطفون المُنتقون، وكذلك كلّ من ورد على مياه “العين”، كلّ من أراد وزاد وتزوّد واستزاد، ممن “هبّ ودب”، على أديم البسيطة الرحب، وحتى “المار في الطريق”، وحتى “المليونيرية”، الهندي والمصري والفنيقي ومن تنجنيقا وزنجيبار.

 وحتى من تكتب مقالا من سطرين من “نار”، يُنشر “بالبنط العريض” وباللون الأحمر كأحمر الشفاه، في معا، بعنوان: “يا نتنياهو إنت مش قدها”؟؟؟!!!

 “مسكين” نتنياهو، يقول الراوي الخبيث، بأن نتنياهو اضرب عن الطعام والشراب أسبوعا كاملا “خوفا ورُعبا” من هذا المقال ومن فحواه ومُحتواه!!! ونالت معا شرف وتبجيل نشر المقال “البديع المنيع المغوار”.

والمنجنيق الثاني الذي كنت مُتسلّحا به وأضعه في “عبّي” هو أنني سبق وتحدّثت مع معاليه،  مرّات عدّة، منذ أكثر من نصف عام، في الموضوع وعنه، حول طباعة كتابي القصصي الثاني ووعده لي مشكورا بطباعته.

وأنّ آخر مرّة إلتقيته وتحدّثنا في الصدد كان منذ أسبوع ونيّف بالعدد، حين التقينا مصادفة في محل خضار وفواكه، فتح حديثا في حيّنا، وأسعاره طريّة ومعقولة.

يومها، عندما دخلت المحل، إلتقيت بمعاليه مباشرة وجها لوجه، دون موعد مُسبق، دون ترتيبات ولا مُكالمات. كان يُدردش ببساطة واهتمام مع أحدهم في محل الخضار. فتبادلنا التحية والسلام ودردشنا قليلا، بعضا من الكلام.

أتى الوزير لوحده يشتري الفواكه والخضار، قاد سيّارته بنفسه في وضح النهار، دون سائق ودون حراسات، دون جلبة ولا ضجّة ولا ضوضاء ولا ابهار، دون “ضوء يلف ويدور ويبرق” من على أعلى سقف سيّارته، ودون زامور التنبيه والإنذار “وي وي وي وي وي”.

جاء “لحاله لباله”، كأي مواطن صالح في هذا الوطن، الذي يفتخر بمثل نوعيّة ونفسية وأداء معاليه.

سبق والحق يّقال أن التقيت وزير الإقتصاد الأستاذ خالد العسيلة في موقف مشابه في محل فواكه وخضار في بلدة سُردا.

ألست على حق إذن أن أذهب دون موعد مسبق للقاء معاليه وهو الذي يتمتّع بكل هذه الصفات الحسان، ولسان الحال يقول بأن باب مكتبه بكل تأكيد سيكون مُتاحا ومفتوحا على مصراعيه؟؟!!

وصلت الوزارة، ودخلت من بابها. سلّمت وردّوا علي السلام. “تفضّل” خاطبتني سيدة لطيفة في بهو الاستقبال. “أريد من فضلك مقابلة معالي الوزير”، أجبتها. “تفضّل مكتب الوزير في الطابق الخامس”، أردفت وأشارت إلى المصعد.

“يا فرج الله” تمتمت في سرّي، يبدو أن الدخول على معالي الوزير أسهل بكثير مما اعتقدت وتوقّعت، وأن كل ما يقال عن صعوبة الدخول على الوزراء ما هي إلا إشاعات مُغرضة، وضرب من ضروب أضغاث الأحلام، لا ترقى إلى الحقيقة والواقع، وليس لها أي دليل مادي أو معنوي يسندها.

“تبرّع” شاب لطيف ظريف بمرافقتي وقيادتي إلى المصعد وإلى مكتب الوزير. ربّما يعمل مباشرة مع معاليه.

دخلنا نحن الإثنين مكتب الوزير. ما أن دلفنا حتى التقينا بسيّدة كانت واقفة في منتصف المكتب، مديرة مكتب معاليه. وقبل أن أنهي جملة واحدة أعبّر فيها عن رغبتي في رؤية معاليه، إلا ورفعت أمامي مباشرة يدها اليمني باشارة “علامة النصر”.

إبتسمتُ وتفاءلت خيرا وقلت في نفسي يبدو أننا انتصرنا في مكان ما وبحمد الله. فآخر إنتصاراتنا كانت انتصار القائد الفذ طارق ابن زياد على الفرنجة حين فتح بلاد الأندلس. وتذكّرت مقولته المشهورة مخاطبا جنده بعد أن أحرق السفن التي نقلتهم إلى الضفة الأوروبية من البحر المتوسط عبر “مضيق جبل طارق”، قال: “البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصبر والنصر”. وكان الصبر وكان النصر ومكث العرب في الأندلس يرفلون بحضارة مُنيرة مُشعّة مُزدهرة ثمان قرون.

لكن عندما تحدّثت السيدة المديرة تنبّهت أن الأمر مختلف تماما عن “إشارة النصر، “V” بالإنجليزيّة.

“الوزير عنده إجتماعين”، قالت بجدّية و بلطف.

إذن الإشارة كانت تدلل على رقم 2 وليس حرف “V”. وضحت الأمور بلغة الكلام وليس بلغة الإشارة، بلغة البانتوميما.

شعرت بنوع من الاستغراب والتعجّب والدهشة، وهي تتحدّث بسرعة واقتضاب، تؤكّد على الاجتماعين، وفقط الاجتماعين، وهي تنظر إلي مباشرة، “تتفحّصني”، وكأنني نيزك هبط على حين غرّة لتوّه من السماء، أو كأنني “غريب” تجرّأ ودخل حرم الجامعة ومسدسين على وسطه. كأنني أدخل خلسة ومن وراء ظهر إمبراطور الصين إلى “المدينة المُحرّمة”، خلال جولتيه السنويّة، رحلة الصيف ورحلة الشتاء، في ربوعها في ضواحي بكّين.

بما أن معاليه، أعانه الله وسدّد خطاه، لديه اجتماعين دفعة واحدة، فهذا يعني التالي: ليس هناك مجال ولا امكانية لرؤية الوزير حاليّا ولا داعي للانتظار فربما يظهر إجتماع ثالث ورابع وربما خامس، من يدري؟؟!!

هممّت بالمغادرة بصمت، لكن لاحظت أن الشاب الذي رافقني وقادني مشكورا يدخل إلى مكتب الوزير، فانتظرت برهة، “لعلّ وعسى”. خرج من مكتب معاليه وهو يُشير، هو الآخر، إلي بكلتا يديه ويرسم فيهما إشارة مربّع أو مستطيل. ويحاول أن يقول أن الوزير لديه إجتماع “عسّقاب”. فهمت منه بعد تحليل وتدقيق أنه يُريد أن يقول أنّ معاليه لديه اجتماع، ربما اجتماعين في نفس الوقت”، على “السكايب”.

ثمّ تحدّث هو الآخر مؤخّرا وقال: ” هذه مش هيك، هذه بدها موعد، ويلزم تترك رقم جوّالك”.

لم أقل شيئا. فهمت “الرسالة”. لكن جال في خاطري شعور بالرضا والاغتباط وقلت الحمد لله، ما دامت الاجتماعات وفيرة وبالعدد الزوجي، فهذا يعني أنّ هناك عمل متورّد وكثيف، بالرغم من مُعيقات جائحة الكورونا.

لكن لا أعرف لماذا قفزت إلى ذهني في تلك اللحظة، بإلحاح شديد، حادثة حصلت معي منذ ثلاثين عاما. كنت وقتها أداوم في سفارة فلسطين في تونس مساعدا للسفير. كان مكتبي يُجاور مكتبه في الطابق الثاني من مبنى السفارة القديم الواقع في شارع “إرنست كونسي” في العاصمة التونسية.

دخل علي في المكتب محمد نعيم فرحات، حاليا أكاديمي وكاتب ودكتوراة في علم الاجتماع من جامعة تونس. كان وقتها ما زال طالبا. رحّبت به. قال لي أن السفير “حكم” طلبه. فقلت له تفضّل إجلس وأدخلت ل حكم ملاحظة أن محمد نعيم بطرفي. لكن طال الانتظار، ومحمد فرحات يتململ في جلسته و”ينفث لهيبا”.

بعد حوالي نصف ساعة من الانتظار طلب مني ورقة. وخطّ فيها ما يلي: “حضرت وانتظرت ولم تستقبلني. والله لن أقف على بابك مرّة أخرى”. ناولني الورقة وانطلق  مسرعا مثل السهم.

شكرت وغادرت بعد أن سألت عن مكتب الأخ عبد السلام العطاري. فتبرّع نفس الشاب مشكورا ورافقني وقادني إلى المكتب المطلوب.

لم يكن الأخ العطاري متواجدا فاستقبلتني نور، نور على نور، صبية في مُنتهى التهذيب واللطافة والقيافة. عرّفت عن نفسها بأنّها المُدقّقة اللغوية. فقلت في نفسي يبدو أن قطاري قد وُضع على سكّته، وأنني في “أيادي أمينة”، وفي العنوان والمقام والمقال الصح المطلوب.

شرحت لها بإيجاز و”اقتضاب” – فالكلّ يقتضب – عن مخطوطة كتابي. وخلال ذلك أوصت لي على فنجان قهوة، ظهر في الحقيقة والواقع بأنّه كأسا كبيرا من القهوة، ربما كتعويض، دون أن تدري، عن القهوة التي كان من الممكن أن أتناولها في مكتب معاليه العامر.

سألتها عن الأخ جاد غزّاوي، وكيل الوزارة، وعن إمكانية رؤيته. فذهبت مباشرة “تستطلع” الأجواء، فبالنسبة لي، والحالة هذه، أصبح كل شيء ممكنا وجائزا ومُعرّضا لهبوب الرياح والأنواء، وربما الاعاصير، ففي بحر هذه الحياة تعلو وتنخفض الأمواج تبعا لهبوب الرياح، والله وحده مُسيّر الغيوم والرياح هو القادر على كل شيء وهو العليم. أمّا نحن البشر فما أوتينا من العلم إلا قليلا.

رجعت وقالت لي يقول لك تفضّل الآن، لأنّه سيكون لديه اجتماع فيما بعد. أسرعت نحو مكتبه قبل أن يبدأ الإجتماع، فاليوم “يوم الاجتماعات العالمي”، وتوصد الابواب المُشرعة على مصراعيها ثقافة ولطافة. استقبلني بحفاوة وكان عنده أحد كوادر الوزارة.

“جاد” صديق معتّق، كالذهب العتيق، وهو ابن المرحوم الكاتب الأديب عزّت غزّاوي. ومع أن شعر رأس جاد إشتعل شيبا، جُزئيّا، إلا أنني أصفه تحبّبا بأنه “شاب” دمث الأخلاق عالي التهذيب.

تحدّثنا، قلت له: “أنا سعيد باجتماعاتكم الحثيثة. هذا يدل على أن العمل في الوزارة وارف الظلال وفير الثمار”.

فأجابني فعلا تستطيع أن تقول بأننا ثالث مؤسسة في السلطة الوطنية في النشاط والانتاج في ظل جائحة الكورونا بعد الصحة والأمن.

عدّلت من جلستي وقلت له هذا كلام جميل، من فضلك ناولني ورقة أدوّن فيها ملاحظات، سأكتب مقالا عنكم، ليس لسعة، وإنما رحيق عسل نحلة.

قامت وزارة الثقافة، وبكل فخر واعتزاز، بسلسلة متراصة من النشاطات والأعمال بما يتناسب مع الأوضاع في زمن الكورونا. حيث أنجزت برنامج “طلّات ثقافية” لمبدعين فلسطينيين في الوطن وفي الشتات، استضافت من خلاله، عن بعد، عددا من المتألّقين في مجالاتهم، منهم: نسرين طافش وأحمد رفيق عوض وبسّام لطفي وعبد المنعم عمايري وشكران مُرتجى.

وإنجاز سهرة العريس للزجل الشعبي “تعليلة” لمدة ساعة على الفيس بوك.

“حكايا الصغار” لأربع مسرحيين على مدى أربع حلقات.

اطلاق قناة ثقافية على محطات الانترنت، تبثّ أفلام ومسرحيّات ودبكة شعبية وبرامج تراثية.

اطلاق مسابقة ثقافية أدبية فنيّة للكبار وجميع فئات الأعمار بعنوان “إبداعات”، و”نوار” للأطفال.

 أكّد وزير الثقافة د. عاطف أبو سيف “أن المسابقتين تمّ اطلاقهما لأهمية العمل على التحفيز والتشجيع على الانتاج والإبداع، لا سيّما في أوقات الأزمات والحجر المنزلي، وإيمانا منّا بالطاقات الابداعية الكامنة في مجالات الثقافة والفنون”.

وقد بلغت المشاركات في هذه المسابقة، المسابقتين، 13254 مشاركة. وقد فاز بالجائزة عبر لجنة خاصة للمتسابقين 41 فائزا، في مجال إبداعات في القصة القصيرة واليوميّات والشعر ومجال التمثيل ومجال الموسيقى (العزف) ومجال الغناء ومجال الإلقاء ومجال التوعية (الكورونا) ومجال الرسم ومجال قصص الأطفال.

ما زلت على قناعة بأن باب مكتب معالي الوزير مفتوح على مصراعيه، لكن إذا ما أردت مقابلة معاليه فإيّاك أن تشرب مُسبقا من حليب السباع، وإيّاك أن تذهب مشيا على الأقدام. لأنه في هذه الحالة فإن المشاة لا يعبرون الطريق.

ألف تحية ومودة ل د. عاطف أبو سيف، راعي الثقافة، كاتب رواية “مشاة لا يعبرون الطريق”.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. ارى ان الخير في هذا العالم قد انتهى
    فلا حليب السباع ولا المشي سيرا قد يوصلك الى الطريق
    فالطريق وعرة شائكة لا مكان للاسود فيها ولا حتى الضباع

  2. هل تؤمن ياسعادة السفير أن من يريد الاستقلال يبني الوزارات والدوائر الحكومية تحت بساطير الإحتلال كما قالها عباس وبناء أكثر من مائة سفاره حول العالم أي أنهم أكثر من السفارات الأمريكيه..أما وزير الثقافه فإنه حصل على هذا المنصب بعد أن قال في حماس مالم يقله مالك في الخمر جميع الألقاب التي منحها الإحتلال الإسرائيلي لرجال السلطه هو للتغطيه علي قضم الأرض وبناء المستوطنات لا معني لكل الألقاب فخامة ومعالي وسعادة كلها لا تقدم بل تؤخر مشروع التحرر الذي تدعيه سلطة عباس

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here