السفير منجد صالح: عالشوملي عالشوملي نار أوسلو ولا جنّة صفقة القرن

 السفير منجد صالح

بدأت بمحاولة كتابة هذا المقال يوم الاثنين، أي قبل يوم من اعلان صفقة القرن، لكنني أجّلته الى ما بعد إعلانها حتى تتضح الرؤيا، حتى تبان الصورة أفضل، حتى يبان الخيط الابيض من الخيط الاسود، أو ربما حتى تداهما الخطوط السوداء كلها!!!

لكن العنوان إستقيته من قصيدة عراقية قديمة، من أغنية عراقية بديعة، يقول مطلعها: “عالشوملي عالشوملي نارك ولا جنّة هلي”. وكنت على وشك أن اغّير العنوان، بعد سماعي ومشاهدتي “للمنولوج الذاتي”، (ون مان شو) لصفقة القرن، لقرني صفقة القرن، القرن الأول ترامب والقرن الثاني نتنياهو. ولكنّي بالنهاية أبقيت على العنوان كما هو، لان ما جرى لا يعدو أن يكون إلا ضربا من ضروب “شر البلية ما يضحك”. في حالتنا هذه البليّة تضحك وتُبكي.

لقد تعرّض الشعب الفلسطيني يوم أمس الثلاثاء 28 كانون ثاني 2020 الى عملية نصب وإحتيال كبرى، إلى عملية مداهنة كبرى، عمليّة خداع كبرى، إلى عملية “تقشيط” و”تشليح” وبلطجة من “طراز رفيع”، إعتداء سافر على القضية الفلسطينية وعلى الشرعية والقوانين الدولية، تبدو من خلاله هذه القضية وكأنّهم يزيلون عنها حتى “ورقة التوت” الأخيرة عن حميميّتها ويتركون عورتها مشرعة في مهب الريح.

ما جرى كان مهزلة سيئة الإخراج أو ربما فاخرة الإخراج ولكن دميمة بكل المقاييس والمعايير والموازين والشرائع الأرضية والسماوية وشرائع حمّورابي وتنبّؤات نوسترودامس. قبيحة من ناحية الشكل واقبح من ناحية الموضوع والمضمون.

فمن ناحية الشكل كان الطاووس الاشقر مزهوّا يفرد ريشه المزركش. يتفشخر ويتمخطر ويتقمّز ويتلمّز ويتغمّز، يغمز تارة بعينه اليسرى وتارة اخرى بعينه اليمنى وكانه عاهرة شوارع تتعمّد جلب إنتباه الزبون وإبهاره. هذا الزبون، نتنياهو، الذي تعاقر معه الخمر والخطيئة ويُنجبان هذا الجنين القبيح الدميم المُسمّى صفقة القرن أو بالأحرى فضيحة القرن، التي تفوح منها رائحة البارود.

الأجواء والطقوس السائدة في المؤتمر الصحفي كانت أشبه بأجواء مؤتمرات الدول النامية، الدول المتخلّفة، حيث يُكثر الجمع من التصفيق والوقوف للزعيم الاوحد للزعيم الملهم للزعيم الذي لم ولن تلد النساء نسخة ثانية تشبهه لان النساء ولدته وكمّمت ارحامها.

كان ترامب مندلقا على نتنياهو كلص سرق من بيت آمن ويريد أن يهدي “السرقة” الى شريكه. فقد مال على نتنياهو أكثر من سبع مرّات وسلّم عليه بحرارة اللصوص الفرحين بنجاح عملية السطو التي قاموا بها أو على الاقل يعتقدون بأنهم “خدّروا” العالم وغافلوه وضربوا ضربتهم.

في كل مرّة كان يهتف فيها “السحّيجة” وقوفا كانت تبان بشكل واضح في أول صف وفي ما بين الصفوف الرؤوس المعتمرة للطاقية اليهودية، طاقية المستوطنين الغاصبين، زملاء ونظراء واصحاب وأصدقاء وحلفاء أحفاد عصابات الكاوبوي وكو كوكس كلان، قامعي ومُبيدي الهنود الحمر المسالمين الغافلين الطيّبين.

ترامب ونتنياهو ورغم الابتسامات الصفراء المصطنعة السمجة كانا يبدوان على المسرح كالدكتاتور بينوشت، قاتل الرئيس التقدمي سلفادور اليندي في التشيلي عام 1973 في انقلاب عسكري دامي، كالإمبراطور بوكاسا، آكل لحوم البشر، كالجنرال فرانكو قامع الثورة الاسبانية في الثلاثينيات من القرن الماضي وقاتل الشاعر الشاب المبدع غارسيا لوركا، مثل نيرون حارق روما.

أمّا من حيث المضمون فقد تمخّض الجبل فولد فأرا. فولد شرّا مستطيرا. فقد أعطت الصفقة إسرائيل كل شيء، القدس الموحدة والأغوار والمستوطنات وأربعين بالمئة من مساحة الضفة الغربية والقدس عاصمة لإسرائيل في عقر القدس الشرقية العربية المسيحية الاسلامية. سيطرة إسرائيلية تامة على الأرض والجو والفضاء والبحر وعلى الشجر والحجر والزواحف والعصافير.

إملاءات وتقريعات وتهديدات ووعود مؤجلة للشعب الفلسطيني بكثرة الشحم واللحم. تخديره بالكلام المعسول عن الرفاه والرفاهية الاقتصادية وخمسون مليار جمره تكوي جلده وجلود أبنائة على مدى عشر سنوات وتكبيله بالسلاسل لمدة أربع سنوات عجاف للحفاظ على “الستاتوس كو”، تستمر فيه قوات الاحتلال بالتحكّم بالشعب الفلسطيني ومقدّراته ودقيقه وطحينه وهوائه ومسامات أنفه وجلده، وأن يثبت لجلّاديه بانه يتلقّى الركلة وراء الركلة دون أن ينبس ببنت شفة أو يُعبّر عن ألمه بالصراخ بل بتقديم الشكر والطاعة والإمتنان لقلع جذوره وذر رماد جسده في غياهب التيه.

صفقة القرن أو سمّوها ما شئتم لن تمر. الشعب الفسطيني الذي يناضل منذ مئة عام سيدوس عليها، وسيدوس التاريخ على كل من يتساوق معها او يؤيّدها او يدعمها من العرب والعجم والفرنجة. فالشعب الفلسطيني أمّة رحمها ولّاد، أنجب عبد القادر الحسيني ويُنجب وسينجب آلاف عبد القادر. أنجب أبا عمّار وينجب وسينجب آلاف العرفاتيين. أنجب دلال المغربي ويُنجب وسينجب آلافا من دلال.

أنجب عمر ابو ليلى بهي الطلّة والطلعة دائما وينجب وسينجب آلافا مؤلفة من عمر، يحمون زهرة المدائن كي تبقى دائما درة التاج، بهيّة الطلّة بهيّة الطلعة قدس الاقداس يتعانق فيها دائما وابدا الهلال مع الصليب. زهرة المدائن مدينة السلام. يا قدس يا مدينة السلام لأجلك وفي أقصاك وقيامتك نصلّي.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. سعادة السفر سيّدي كنخب للشعب العربي الفلسطني علينا أن نعي خطورة المرحلة ولا داعي لتبريرات أوسلو محمود عباس من أوصلنا إلى هذا الحال المشفق من التشظي والذوبان للمشهد الفلسطيني..نكران الذات هذا هو جزء من المؤامرة على الشعب الفلسطيني أرجوك سيدي كنخب للشعب العربي الفلسطيني هي من يتحمل هذا الاختراق للحالة الفلسطينية الذي اوصلنا أليها رجال اوسلو ..؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here