السفير منجد صالح: صفقة القرن… ما زال حبلُها على الجرّار

 

 

السفير منجد صالح

منذ ولادتها، و”تقميطها” بالسرير، وإرضاعها من حليب المداهنة وإلباسها الحرير، وترعرعها في أحضان غرينبلات وفريدمان وكوشنير، كانت صفقة القرن صفقة غريبة عجيبة “مطبوخة” بإحكام، مشبوهة، تتعامل معنا “كالأيتام على مائدة اللئام”!!!

إبتدعها “شيلوك” القرن الواحد والعشرين، “تاجر البندقية” “المحنّك”، “الطاووس الأشقر”، الذي يعرف “من أين يؤكل الكتف”، ولا يعرف في هذه الدنيا شيء أكثر من لمّ النقود وتجميع “المصاري” والتحرّش بالنساء و”تشليح” “الرجال” الذين يخافون من رنّة كعب حذائه فوق خزّانات تجميع وتخزين نفطهم، “المشاع” له ولقومه ولربيبته المفضّلة، الممتنع عن أطفال مستنقعات وحواري الخرطوم وأم درمان، القاذف باللهب أطفال صنعاء وذمار وسيان.

في بداية مولدها، الكل صفّق لها، المعنيّون هرعوا الى البيت الأبيض لتقديم التهاني بقدوم “التحفة” الرائعة الجديدة الفريدة، ذات اللباس الجديد والعمر المديد. ولعمل الصور التذكارية الى جانب “والدها” “الفحل”، مبتدعها ومخترعها و”مدوزنها” و”مبشّم خوازيقها” و”مزرّق” سمّها.

هذه “المخلوقة”، المصنّعة بإكسير الغش والمداهنة، ليست إلّا إحدى تجلّيات، مداهنات، تخطيطات، الغرب المتوحّش السادي اللئيم المتغطرس أمام الشرق البسيط الساذج “إلّي بيطيش على شبر ماء”!!!

الشرق يصفّق، عادة، لكل ما يأتي من الغرب، حتى يكتشف، متأخّرا، الصفعات والركلات من وراء الكلام المعسول الذي يفحُّ به “جهابذة” الغرب في آذان “زعماء” الشرق، النائمين في العسل، “المُطمئنّين” لما يقدمه لهم “أصدقاؤهم”. فقد وجد معظم الزعماء العرب في ترامب، المتربّع على كرسي البيت الأبيض، صديقا، وربما صديقا حميما.

في حينه أطلق الشريف حسين بن علي، شريف مكة المكرّمة، رصاصة “الثورة العربية الكُبرى”، ضد الحكم العثماني للوطن العربي، في بداية الحرب العالمية الأولى، مصّدقا الوعود البريطانية والفرنسية بإعطاء بلاده حريّتها، بعد أن يساعدها ضد الدولة العثمانية، الرجل المريض، حينذاك. وبعد أنتصارها في الحرب إقتسمت بلاده العربية، وبكل صفاقة، امام ناظريه، “عينك عينك”، و”على عينك يا تاجر”، وأخضعتها تحت إنتدابها بحسب ما جاء في مؤتمري سايكس بيكو وسان ريمو.

لم يكتف الإستعمار البريطاني بخديعة الشريف حسين وإستخدامه “مطية” ضد العثمانيين، وإنما دعموا القبيلة المنافسة، الأكثر عددا ونفيرا، قبيلة آل سعود، وزوّدوها بالسلاح كي تقضي على قبيلة الشريف، الهاشميين. وهكذا أعلن عبد العزيز آل سعود نفسه سلطانا على نجد عام 1921، تأسيس سلطنة نجد، التي ظلّت قائمة حتى حسم آل سعود المعارك بالحديد والنار وأقاموا مملكتهم، في نجد والحجاز، وأسموها المملكة العربية السعودية عام 1932، مخضعين البلاد تحت سيطرتهم العائلية القبلية الشمولية حتى يومنا هذا.

وقبل أن أخوض في كنه وماهية وتدرّج و”تمخّطر” صفقة القرن وتطبيقها الجاري منذ “إختراعها”، أودّ أن أسجّل، بكل الإعتزاز والتقدير، موقف القيادة الفلسطينية والتنظيمات الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني والشعب الفلسطيني المقدام، وموقف بعض الأنظمة العربية والشعب العربي، بشكل عام، أمام وضد وفي مقاومة هذه الصفقة اللئيمة المشبوهه. وأتمنّى أن يستمر الثبات على رفضها ومقاومتها ومكافحتها وإيجاد السبل الكفيلة بتفادي أخطارها وخطورتها على القضية الفلسطينية برمّتها، والخروج، ما أمكن، سالمين معافين غانمين منتصرين من دهاليز حفرها ومطبّاتها.

صفقة القرن، يا سادة يا كرام، هي أشبه بصندوق “مُزرّكش”، وضعت في داخله الإدارة الأمريكية “شيئا ما”، طبعا بالتعاون مع الصهيونية العالمية، وربما مع قوى خفيّة لا تظهر عادة على واجهة الأحداث، لكنها تُدير الأحداث من وراء الستار، كالماسونية وعائلتي روكفلر وروتشيلد، وكلها في النهاية تنبع من الصهيونية العالمية وتصبُّ فيها.

تحدّثت إدارة ترامب كثيرا عن هذا الصندوق، صفقة القرن، وجعلت أنظار الفلسطينيين والعرب والمسلمين والعالم متّجهه ومثبّته في هذا الصندوق، لكن الوحيد من بين الأطراف المعنية الذي يعرف ما في الصندوق هي إسرائيل، لأن الخطة وضعت بالتشاور معها وبموافقتها.

في الصندوق يوجد عدة جوائز، وليس جائزة واحدة، وهذه الجوائز ممهورة بإسم وحيد فريد وعنوان أكيد مديد: “إسرائيل”، وفقط إسرائيل، وبقية الأطراف فلتسّتمر في التحديق و”التدقيق” بالصندوق “المُزرّكش” كما تشاء وليحدّق معها العالم بأسره.

ومن حين لآخر، وفي التوقيت المناسب، تمتد يد ترامب أو بومبيّو أو كوشنير أو فريدمان أو غرينبلات – فهؤلاء فقط لديهم مفاتيح الصندوق السرّية والسحرية- وتُخرج جائزة وتمنحها لأسرائيل، أمام إستغراب الفلسطينيين والعرب والعالم، وهكذا تستمر اللعبة على نفس المنوال وحسب الخطة المرسومة والمُعدّة أصلا.

وفي كلّ مرّة يمنحون إسرائيل جائزة، من “قطف العنب” الموجود في الصندوق، يرشّون بعض الريش وبعض الزغب وبعض الرذاذ المُخدّر، أمام أعين “المُحملقين” المتفاجئين المتضرّرين المُستهدفين، أن إنتظروا الشق السياسي أو الزئبق السياسي أو الطحين السياسي أو العجين السياسي أو السياسي السياسي!!!

لكن الشق السياسي، يا سادة يا كرام، لن يحضر أبدا، لن يأتي مُطلقا، لن يُشرّف ولن نتشرّف بمعرفته، لأنه، وببساطة شديدة، غير موجود، غير مضمّن في الخطة بتاتا، لم يكن لديهم الإهتمام لوجوده من الأساس، لأن الخطة، برمّتها، في أصلها وفصلها، ليست خطة للحل السياسي، لكنها خطة للإلهاء، للإقصاء، للإلغاء.

لقد ألغت الخطة، صفقة القرن، كل مظهر للسياسة أو للسيادة تخص الجانب الفلسطيني، وبالمقابل قوّت وطوّرت وعضّدت وأرست مظاهر السياسة والسيادة الإسرائيلية على كل ما سرقته من الفلسطينيين، على كل ما ألغته من يد الفلسطينيين، ووضعته بكل بساطة وإقتدار جوائز في “عبّ” إسرائيل.

آخر هذه المظاهر، أحدث حبة عنب من الصندوق المُزركش، إختطفها بومبيّو، وزير الخارجية الأمريكي – لديه إحدى مفاتيحه السرّية والسحرية- وأهداها لإسرائيل. وهي أن المستوطنات الإسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلّة لم تعد تُخالف القانون الدولي، كما كان رأي الإدارات الأمريكية المتعاقبة بأن المستوطنات عقبة في طريق السلام ولا تتسق مع القانون الدولي. الآن حسب بومبيّو وكل إدارته فإن المستوطنات في أراضينا المحتلة “شرعية”!!!

وقد كانت أخرجت الإدارة الأمريكية على مدى السنتين الماضيتين عدة حبّات من قطف العنب في الصندوق المُزركش، وألقمتها مباشرة في فم التمساح، فم إسرائيل:

  • أعلنت القدس عاصمة “للشعب اليهودي”، عاصمة لإسرائيل، بفرمان من ترامب.

  • نقلت سفارة بلادها من تل ابيب الى القدس الشرقية. بالطبع أمريكا تعترف هكذا بضم القدس وبالقدس موحّدة تحت السيادة الإسرائيلية الخالصة.

  • حضّت وشجّعت ودفعت لدول أخرى لنقل سفارة بلادها للقدس، مثل غواتيمالا وهندوراس.

  • أقفلت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن (إلغاء التعامل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني لدى واشنطن).

  • أقفلت القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية التي ترعى مصالح الفلسطينيين منذ ما ينوف عن ثلاثمئة سنة. (هذا يعني إلغاء الشخصية الإعتبارية والسياسية والسيادية عن الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة والتعامل معه كإحدى مكونات السكان والمكوّنات القومية للإسرائيليين).

  • تجفيف منابع وكالة الأنروا ومحاولة إلغاءها. وأن عدد اللاجئين الفلسطينيين حسب واشنطن لا يتعدّوا الثلاثين ألفا.

  • قطع كافة المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية ومؤسساستها وحتى الإنسانية والصحيّة منها مثل المستشفيات والمرافق الصحية.

  • التساوق مع قرار إسرائيل في قرصنة ما يوازي مرتبات الشهداء والجرحى والمعتقلين من المقاصة الفلسطينية التي يسيطروا عليها بحكم الأمر الواقع، كما يسيطروا على نسمات الهواء وعلى قطرات الماء في بلادنا.

  • وكانت قبل ذلك قد جمّدت مساهماتها المالية لمنظمة اليونسكو تحت ذريعة أن المنظمة “تنتهج سياسة مناهضة لإسرائيل”؟؟؟!!!

المهم أن أمريكا ماضية في إلتقاط حبات من قطف العنب من الصندوق المزركش وإهدائها لإسرائيل.

أعتقد أن من بين حبات العنب المُتبقّية في الصندوق المزركش، الذي يحوي صفقة القرن، حبتان كبيرتان، ستكون هما:

  • العمل شيئا فشيئا على تغطية إسرائيل “وتشجيعها” كي تضم الضفة الغربية أو أجزاء كبيرة منها، تحت ذرائع وحجج كثيرة، منها الأمنية وأن هذه المناطق، حوالي 60% من الضفة الغربية هي مناطق جيم أو “سي”، أي سيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية، حسب إتفاق أوسلو، خلال الفترة الإنتقالية التي لن تصبح نهائية يوما مطلقا وأبدا.

  • والحبة الكبيرة هي الإستمرار في خلق الظروف و”سهمدة’ الأرضية لقيام “إسرائيل الكبرى” من النيل الى الفرات. وأن كل ما يحصل في سوريا وفي العراق وفي السعودية وربما لاحقا في مصر والاردن، هو من أجل تحقيق هذا الهدف، الذي لم يعد بعيد المنال.

إذن يا سادة يا كرام، كما ترون فإن صفقة القرن ماضية في طريقها، حيّة تُرزق، بل تزداد وتيرتها تصاعدا وتصعيدا، وربّما “تفرّخ” وتتوالد “مفاجآت أخرى”.

فصفقة القرن لم توضع في “فريزر” الثلاجة. ولم يوضع عليها “بلاطة”. ولم تصبح سرابا في الصحراء العربية مترامية الأطراف. ولم توضع على الرف. ولم توضع في الجرّار. … وإنّما صفقة القرن … ما زال حبلها على الجرّار.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. الكاتب العزيز….
    اتفق معك فيما ذهبت إليه من تفاصيل الخدعه الامريكيه للعرب بخصوص ما يسمى صفقة القرن…. فجميع الاحداث تثبت أن الطريق ماض في تنفيذ مخطط شارون وايتان….

    لكن لي عتب على شكرك القياده الفلسطينيه…. فهي رغم تمنعها الظاهر بالتواصل مع الأمريكان بأي خصوص لما يسمى صفقة القرن…. ولكن في حقيقة الأمر هي من أكثر المتعاونين المتساهلين مع الكيان الصهيوني لتنفيذ مخطط أوسلو بتفاصيله… وما جوهر الاتفاق إلا التنسيق الأمني الذي لا يتزحزح عنه محمود عباس قيد أنملة…

    اذا أرادت القياده الفلسطينيه الإثبات للعرب قبل الغير انها تريد دولتها فعليها قطع التنسيق الأمني وترك المناضلين يرون العدو معنى المقاومه اما وجود أربعين الف شرطي فلسطيني لحماية أمن الكيان فهو لجريمة بحق الشعب الفلسطيني وأرضه قبل أي شيء آخر…. أكثر من جرائم ترامب وغيره

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here