السفير منجد صالح: تونس: سهام الصفقة أطاحت بالمنصف البعتي

السفير منجد صالح

السفير المبجّل المنصف البعتي، مندوب تونس “السابق للتوّ” لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية. إستدعي الى الخدمة الدبلوماسية قبل خمسة أشهر من “عرين” راحته وتقاعده، الى وزارة الخارجية، ومنها مباشرة على جناح الطائر الميمون الى مقر هيئة الأمم المتحدة، كي يمثّل تونس “الثورة” لدى أكبر وأهم هيئة دولية.

وقد “إحتلّت” تونس مقعدا غير دائم في مجلس الامن في بداية كانون ثاني من هذا العام، ممثلا للدول العربية “الفسيفسائية المزركشة” بفعل عوامل داخلية وعوامل خارجية، وهبوب الرياح التي تميل عكس ما مال سعادة السفير المندوب.

تفجّرت فرقعة قنبلة لغم ارضي وجوّي وبحري حارق مارق في وجه السفير العتيق المعتّق، والسبب “المُعلن” وحسب وزارة الخارجية التونسية، الخارجة عن المألوف والنص وعن القيافة والحصافة و”المفهومية” الوطنية والدبلوماسية، هو أن السفير المنصف (لم يلق شيئا من الإنصاف من وزارته) “إتهمته” بأنه “يُعاني” من “ضعف الأداء وغياب التنسيق”!!!!!

لو قالت وزارة خارجية سعادته وإدّعت “غياب التنسيق” أو ضعفه أو ضموره أو رُفعه أو تقطّعه لإلتمسنها لها عذرا وربمّا لصدقّناها، فالرجل واثق من نفسه ويعرف ماذا يفعل، يعرف إتجاه ورغبة رئيسه الرئيس قيس سعيد وموقفة الراسخ الذي لا يتزعزع ولا يتحرّك ولا حتى بزوابع شباط الخبّاط من القضية الفلسطينية ككل ومن الإسفين الذي دقّ فيها ألا وهو صفقة القرن.

لهذا فالرجل قام بعمله على أكمل وجه وربما إستهلك جهدا مضاعفا في بذله وعطائه وإعتبر ما يقوم به تجاه قضية العرب والمسلمين الاولى أمرا مفروغا منه، يمليه عليه واجبه وضميره الوطني اليقظ، وسينال عليه الحمد والشكور، من وزارته ورئاسته ودولته وبلاده، كفارس مقدام يرابط على الثغور.

لكن الرجل تفاجأ بأن سدّا من الباطون المسلّح بالخرسانة المصنوعة في بلاد العم سام يصطدم فيه رأسه خلال رحلة عودته والسفير الأندونيسي من توزيع “مسودة قرار” يُدين صفقة القرن في مجلس الامن.

“يعني هي يا جماعة الخير وقّفت على سعادة السفير، فكل الناس والمسؤولين والحكام في هذا الوطن العربي كل واحد حامل سيفه الخشبي ويدين صفقة القرن. يعني هو السفير “المسكين” غلطان والباقي صح”؟؟؟!!!

يا سادة يا كرام السفير المنصف هو الصح والأصح، لكن “لا كرامة لنبي في وطنه”، مع منتهى الأسف الشديد، وخاصة في دول العالم الثالث الذي ما زال مرتبطا من “رقبته” بذيل التبعية وقلّة الإستقلالية.

فقد إتهم بضعف الأداء وهذا مردود على وزارة خارجيّته، فلو كان غير كفؤ أو ضعيف الأداء لما كانت إستدعته أصلا وزارة خارجيّته وإنتقته من بين صفوف السفراء المتقاعدين واسندت له أهم موقع دبلوماسي في العالم الا وهو مقر الامم المتحدة في نيويورك، إذ يكون على تماس يومي مع 193 سفيرا ومندوبا من دول العالم قاطبة.

إذن موضوع ضعف الأداء “يسمحولنا فيه” لا ينطلي على أحد، وإن كانت توشي بشيء فهو “قصر نظرهم” وعدم الوفاء لواحد من أعلام الدبلوماسية التونسية، والتعرّض له بالإتهام والتقريع. وهذا جبن وخسة من قبل من أعطوا الأوامر، ومن أشباههم، بإستبعاده عن موقعه والتجنّي عليه، و”علك” سيرته النظيفة وموقفه القومي النزيه بالباطل والصفاقة.

وفي هذا الصدد، وفي بحثي في غوغل للتعرف على رأس هرم الخارجية التونسية التي عزلت السفير المنصف، وجدت أن الوزير المعني كان هو من تم إرساله في مايو 1996 لإفتتاح مكتب تونس في تل أبيب في إسرائيل حيث ترأس هذا المكتب خلال الفترة 1996 الى 1998. “ودقّي يا مزيكا” على هيك عالم “شيكا بيكا”.

السفير المنصف البعتي عندما أرسل مندوبا لتونس الى الأمم المتحدة في نيويورك حمل لقب صفة سفير “مفوّض وفوق العادة”. وفوق العادة هي صفة دبلوماسية تشريفيه يحملها كافة السفراء حتى الجدد منهم. أما صفة مفوّض فهي الأهم. ماذا تعني صفة مفوّض يا سادة يا كرام؟

صفة مفوّض تعني أن السفير مخوّل ومفوّض من قبل حكومته أن يقول ويفعل، تصريحات ومواقف وأفعال، لصالح بلده وفي شؤون العلاقات بين البلدين، دون الرجوع بالضرورة الى وزارة خارجيّته للمشورة، لأن السفير قد بلغ درجة من النضج والخبرة والكفاءة الدبلوماسية والسياسية تخوّله أن يتخذ مواقف بأسم بلاده، دون الرجوع في كل كبيرة وصغيرة الى مسؤوليه. وهذا لا ينفي حسن تنسيق الموقف بين السفير وبلده مسبقا ولكن لا يوجبه.

وحتى لو ظهر هناك مأخذ على السفير بقلّة التنسيق مع وزارة خارجيّته فهذا لا يعني مطلقا إتخاذ قرار مفاجيء “بفصله” أو إستبعاده عن موقعة، لكنها تُحل بملاحظة بسيطة توجّه له بضرورة التنسيق مع الوزارة في “القضايا المصيرية”!!!

السفير المنصف لم يرتكب هفوة ولا خطأ ولكنه “إرتكب” عملا منطقيّا بطوليّا مشرّفا لم تطق معه إدارة الطاووس الأشقر ترامب وبعض من “كبار العرب” صبرا، ولم يتحمّل أنف وزارة خارجيته الرخو تبعات موقفه المشرّف!!!

تحية كبيرة للسفير المنصف البعتي.

تحية كبيرة للشعب التونسي المعطاء.

ولا نامت أعين الجبناء.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. أَنِرْنَا قَيْسُ / هَلُمَّ / و إلاَّ ضَاعَتِ الحُدَاةُ و العِيسُ / قاسَهَا البَعْتِيُّ عَلَى قِيَاسِكَ / فَأَتَمَّ / كَيْفَ لاَ يَعْجِبُ القَيْسُ ؟

  2. للأسف هذه الأيام، العمل البطولي والمشرف، هو الضرس المؤلمة في فم الدويلات العربية؛ التي سرعان ما تبادره بالخلع.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here