السفير منجد صالح: سعودي طالب طيران مُتدرّب يخرج من جلده في قاعدة أمريكية في فلوريدا

السفير منجد صالح

قبل عدة أيام كتبت مقالا بعنوان” “لنقرع أجراس المعبد قبل تدشينه”. وأقصد بالمعبد المستشفى الميداني الأمريكي الذي يقوم الأمريكان بتشييده وتركيبه، بصورة حثيثة، في شمال قطاع غزة. وبعد كتابة مقالي تابعت أكثر من حفنتين من المقالات حول الموضوع ذاته من قبل العديد من الكُتّاب العرب بجنسياتهم المتعدّدة. وما زال سيل المقالات بالصدد “نازفا”.

أبرزت في مقالي السابق التعامل الفظ للأمريكان، منذ أواسط القرن الثامن عشر، مع شعوب ودول “حديقتهم الخلفية”، أمريكا اللاتينية. وتعاملهم بنفس الخشونة والفظاظة والمداهنة مع شعوب ودول وحكّام الوطن العربي، “السابت”، عكس “الهادر”، من المحيط الى الخليج.

وعملتُ مقارنة بين شعوب أمريكا اللاتينية التي تصرخ منذ ذلك الوقت في وجه الأمريكان: إرحلوا. في حين أن حكامنا وبعض من شعوبنا “تبان أسنانهم ناصعة البياض” وهم يدعون الأمريكان: تفضّلوا. وهل أحد يدعوا الدب الى كرمه بخاطره؟؟؟!!!

موضوع مقالي هذا هو “التطوّر الطبيعي” لما يجري على الساحة العربية، وربما الاولى على الساحة الخليجية، على أيدي الأمريكان، رئيسا وحكومة وسياسيين ومشرّعين (أعضاء كنغرس ومجلس نوّاب) (قانون جاستا) وقوات عسكرية ومارينز ومختصين وشعبا الى حدّ كبير.

اليوم الجمعة، جمعة المسلمين المقدّسة والمباركة، وربما ترد الأخبار تباعا مع فرق التوقيت “فنحن نسبق أمريكا في الوقت بثمان ساعات”، قام طالب سعودي، طالب طيران متدرّب، مبعوث رسميا من قبل الحكومة السعودية، للتدرّب في قاعدة بنساكولا الجوية البحرية في ولاية فلوريدا، بإطلاق النار من رشاشه، على “زملائه”، في القاعدة، فأردى ثلاثة منهم قتلى، وجرح 7 آخرين. “زملاؤه” الأحياء بدورهم أطلقوا عليه النار وأردوه قتيلا، ربما نقول “شهيدا”.

لو كان مطلق النار أنغلوساكسوني أبيض أو من جنسية ثانية، حتى لو كان من جامايكا، فلربما سارت الأمور بشيء من البساطة بالرغم من ان الموضوع “كبير”، فما بالك ومطلق النار سعودي؟؟!! إذن سيكتسى الأمر برمّته أبعادا أخرى.

بداية إسمحوا لي أن نترحّم على روح الشاب السعودي الطالب المُتدرّب. نطلب له من الله القدير المغفرة، وأن يتغمّده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنّاته وأن يُلهم أهله وأحبته وأصدقاءه وذويه وكل من يترحّم عليه الصبر والسلوان. ونبعث بالتعازي لعائلته الكريمة المكلومة بمقتله. وهذا لا يعني أننا نغتبط ولا نكترث لسقوط الضحايا الآخرين، بل على العكس فإن كل نفس عزيزة على ذويها وأهلها وأحبّتها، ولكن الله سبحانه وتعالى “رفعها ووضع الميزان”، فالله سبحانه وتعالى هو العدل، وميزانه العادل هو الحكم العادل. ونحن نخص إبن جلدتنا، وجلدنا الأسمر، وعيوننا السود بالرحمة والمغفرة عند الله سبحانه وتعالى.

الملك سلمان بن عبد العزيز، وأعتقد أن هذا ربما هو واجبه ومن حسن تدبيره، في مثل هذه الحالة، الطارئة وغير العاديّة، سارع الى الإتصال بالرئيس ترامب، معربا عن “تعازيه في ضحايا إطلاق النار بالقاعدة الجوّية في ولاية فلوريدا. مُعتبرا أن منفّذ الهجوم، لا يُمثّل مشاعر مواطني المملكة إزاء الشعب الأمريكي”.

حاكم ولاية فلوريدا، رون ديسانتيس، التي وقعت فيها “الحادثة”، قال في مؤتمر صحفي أن “المهاجم طالب مُتدرّب من سلاح الجو السعودي”. وأشار الى أن الحكومة السعودية “سيكون عليها سداد تعويضات لأهالي هؤلاء الضحايا”. حسبما نقلت قناة “إيه بي سي” الأمريكية. … “تسديد تعويضات”؟؟؟!!! هذا هو بيت القصيد؟؟؟!!!

مع العلم أنه ويوم الأربعاء الماضي، أي قبل يومين من الحادثة، قُتل ثلاثة أشخاص بينهم المُهاجم، في إطلاق نار في قاعدة “بيرل هاربر” العسكرية الأمريكية في ولاية هاواي، وتبيّن لاحقا أن المُهاجم هو عنصر في البحرية الأمريكية. … لا أحد وقتها طلب تعويضات أو حتى مجرّد تحدّث عن تعويضات؟؟؟!!!

من جهته الرئيس ترامب أدلى بدلوه حول الحادث وغرّد على التويتر: “الملك سلمان أعرب خلال مكالمة هاتفية عن إستيائه من الهجوم، ووصفه “بالعمل الهمجي”.

وأضاف: “الملك قال إن الشعب السعودي غاضب جدا من الأفعال الهمجية التي قام بها مطلق النار، وهذا الشخص لا يُعبّر عن مشاعر السعوديين الذين يُحبّون الشعب الأمريكي”.

معاه حق جلالة الملك، فربما جزء من الشعب السعودي يرى الحادثة بهذه الطريقة، وربما جزء آخرا من الشعب السعودى له رأي آخر وتفسير ربما أكثر دقة حول ماهية الحدث.

وإذا ما دقّقنا بالحدث، إطلاق السعودي النار على زملائه، فمن الممكن أن نتكهّن حول الداعي والسبب، وحول الذي جرى والذي جعل هذا الطالب العسكري السعودي، المبعوث بصورة رسمية من قبل حكومة بلاده، يقدم على مثل هذا الفعل:

  • من المتوقّع أن السعودي كان يتعرّض الى تعليقات غير لطيفة، سخرية، تحرّشات من زملائة حول جنسيّته ولون بشرته وربما صغر بنيته العسكرية أمام بنيتهم الضخمة. ففاض الكاس معه ولم يعد يحتمل. ففي لحظة ما من الغضب والمقت لم يرى خيارا آخر غير أن “يُلعلع” رشاشه في وجوههم “وألسنتهم الطويلة”.

  • الإحتمال الثاني القوي هو أن يكون “زملاؤه” قد طعنوه في معتقداته الدينية، فربما سخروا منه وقت الصلاة أو وقت قراءته للقران، فلم يعد يطيق معهم صبرا ولجأ الى رشاشه.

  • ربما عايروه بأنهم هم من يحموا بلاده، ولولا هذه الحماية لما طارت طائرة مدنية سعودية من مطاراتها، ولما إستطاعوا التنزّه صيفا وشتاء في أوروبا وجنوب شرق آسيا، ولخسر العديد من السعوديين جلسات التدليك بالايادي الناعمة في تايلاند وسنغفاره.

  • ربما حذّروه من أنهم لو تخلّوا عن بلاده أسبوعا واحدا لإفترسهم فك الحوت الإيراني حاد الأنياب، لكنه إكتشف أن إيران دولة جارة، طيبة، مسالمة، تتقاسم مع بلاده روح الإيمان والعقيدة، وليس لها أية مطامع في الخليج. وأن كل ما يجري ما هو الى فتنن من الولايات المتحدة لضرب الدولتين الجارتين المسلمتين مع بعضهما وإنهاكهما بحروب بالوكالة وبحروب مباشرة، كي تبقى إسرائيل تسود على الجميع في منطقة الشرق الأوسط.

  • ربما سمع الأخبار قبل ذلك بأن الرئيس الأرجنتيني الجديد ألبرتو فرنانديز ونائبة الرئيس كريستينا كيرشنر سيراجعان قرار بلادهما ويعلنان أن حزب الله ليست منظمة إرهابية. ذلك القرار الذي إتخذته الارجنتين في تموز الماضي بتحريض وضغط من الولايات المتحدة، في عهد الرئيس المنتهية ولايته ماوريسيو ماكري. إضافة الى أن هذا الشاب السعودي الشجاع، المُفعم بالإيمان والوطنية، ربما لم يُعجبه يوما سياسة بلاده وزميلاتها الخليجية، ولا حتى قرار الجامعة العربية بإعتبار حزب الله تنظيما إرهابيا وإغلاق قناة المنار عن قمر نايل سات. فربما تواجده في القاعدة العسكرية الامريكية فتح عينيه على أشياء لم يكن يراها بوضوح ولم يكن يُدركها. فرآها وأدركها وتصرّف بناء على ذلك.

  • ربما إنزعج من الزيارة التي قام بها قبل ايام إدواردو بولسونارو، إبن رئيس البرازيل الحالي، الى مستوطنة بسغوت، المقامة على اراضي رام الله والبيرة. تلك الزيارة ما كانت لتتم لولا التحوّلات المؤسفة في الدولة الصديقة تاريخيا مع فلسطين، حيث يقضي الرئيس لولا دا سيلفا عقوبة في السجن بتهم الفساد، وكانت قد أسقطت خليفته الرئيسة التقدمية ديلما روسيف من موقعها “بخلطة” إسرائيلية أمريكية يمينية برازيلية. نتنياهو وزوجته سارة صالا وجالا العام الماضي في البرازيل وقضيا أسبوعا في ربوعها ضيوفا على الرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، في احتفالات راس السنة 2019.

لهذه العوامل وربما لغيرها من العوامل والمسببات، يستطيع القاريء الكريم تخيّلها او إستنتاجها، قام هذا الشاب السعودي “بفعلته”، وقتل ثلاثة من زملائه وجرح سبعة آخرين غيرهم.

ربما البعض يعتبره “إرهابيا”، والبعض يعتبره “غلطانا”، والبعض يعتبره تصرّف “أرعن” في فورة غضب، وربما البعض سيعتبره “بطلا”.

نحن من جانبنا كل ما نستطيع أن نقوله هو أن نترحّم على روحه … رحمة الله على روح الشهيد.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here