السفير منجد صالح: سجن كورونا الإختياري… وسجون الإحتلال الإجباريّة

السفير منجد صالح

تعجّ الصحف والجرائد والمواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي بالمقالات والأخبار والنشرات والإرشادات حول فيروس كورونا الذي يجتاح العالم طولا من شمال كندا وشمال سيبيريا وشمال اليابان وحتى جنوب التشيلي وجنوب الأرجنتين وجنوب جنوب أفريقيا وراس الرجاء الصالح وجنوب أستراليا وأقيانوسيا، وعرضا من شرق الجزر اليابانية وحتى الغرب الأمريكي المتوحّش، غرب كاليفورنيا وسان فرانسيسكو ولوس أنجيلوس وسان مرينو وسان دييغو.

ومع إتّساع الكرة الأرضية، بخطوط طولها وخطوط عرضها، وخط الإستواء عرضا، وخط غرينيتش طولا، إلا أنّها تضيق على ساكنيها بما رحبت، وتتحوّل الى سجن عالمي كبير يحمل في رحمه سجونا وطنية ومحليّة متعددة، يتغيّر ويتبدّل معها مفهوم وكنه وماهية السجن، من زنزانة قمع وعقاب الى واحة وقاية وحماية وثواب.

ثلث سكان الكرة الأرضية يقبعون الآن في “سجن” الإلتزام بالبيوت أو حظر التجوال أو الحجر الصحي المنزلي أو الحجر في أماكن خاصة وفي المستشفيات وفي مراكز صحيّة أو فنادق أو مرافق عامة ومدارس، تحوّلت كلّها وغيرها، بفعل “بطش وشراسة” فيروس الكورونا، الى أماكن للحجر والتطبيب.

لم يعد أحد يتذكّر سجن غوانتانمو الرهيب سيء السمعة والصيت، في القاعدة الأمريكية في الطرف الجنوبي لجزيرة كوبا، الذي ما زالت الإستخبارات الأمريكية تحتفظ فيه بمئات الأسرى المُعتقلين المُناهضين لسياساتها، الظالمين والمظلومين، الأصحّاء والمُتعفّنين، وربما سيبقون هناك في الأسر الى يوم الدين، يوم يُبعثون. هل وصل فيروس كورونا إليهم أم أنّهم ما زالوا في مُرّ أصفادهم يرفلون ؟؟!!

وفي سجون الإحتلال الإسرائيلي ما زال ما ينوف عن خمسة آلاف معتقل فلسطيني مكبّلين بالأصفاد، يُحرمون من إستنشاق الهواء الطلق العليل، يُحرمون من لسعة حرّ أشعّة الشمس الدافئة في زنازينهم الباردة الضيّقة النتنة، لا فرق بين صغير وكبير، بين رجل وإمرأة، بين فتى وطفل صغير، فجميعهم موسومون بوشم مُقاومة الإحتلال، وهل أمضى نيلسون مانديلا ثلاثين عاما من عمره في المعتقل إلا في مقاومة نظام الأبارتهيد العنصري في جنوب أفريقيا؟؟ فالإحتلال يُقاوم، والأبارتهيد يُقاوم، يقاومه الرجال ألابطال، الرجال الصناديد، مروان البرغوثي وأحمد سعدات وخالدة جرّار وكريم يونس وهبة اللبدي وآلاء بشير وشروق البدن وإسراء جعابيص ونائل البرغوثي، المعتقل منذ اربعين عاما في الغرف المُظلمة وخلف قضبان حديديّة، لم تنجح في طحن معنويّات وإرادة المعتقل الفلسطيني وفي حلمه بالتحرر والإنعتاق والحرّية.

حرّية الإنسان مقدّسة، من أجل هذه الحرّية عجّت السجون على مدى التاريخ بالثوّار والأحرار، الذين يرفضون الظلم والإستبداد، يثورون على جلّاديهم ومغتصبيهم ومحتلّيهم، ويدقّون أبواب الإنعتاق من الحكم الأجنبي وأبواب الحكام الدكتاتوريين، بقبضات حمراء مدرّجة بالدم والنور. شعبنا الفلسطيني البطل من أكثر الشعوب على وجه هذه البسيطة الذي يتعرّض للسجن والإعتقال والتنكيل، على مدى 72 عاما طوال، على أيدي الصهاينة الجلادين المُعتدين على مرّ الأجيال. إغتصبوا الأرض والشجر والحجر وأعملوا السكين والبطش بالبشر، وطبّقوا سياسة تطهير عرقي لا تُبقي ولا تذر.

بوبي ساندرز، الثائر الأيرلندي، المُضرب عن الطعام، الذي “استُشهد” في زنازين القمع البريطانية عام 1981، وهو يتزعّم حركة عصيان، بأمعاء بطنه الفارغة، في السجون البريطانية في إيرلندا الشمالية، إحتجاجا على إحتلال بريطانيا لبلاده وإحتجاجا على القمع في السجون وحرمان المعتقلين من حقوقهم. وقد توفي بعده سبعة من رفاقه المضربين معه عن الطعام. وما زالت بريطانيا حتى يومنا هذا تفرض سيطرتها وإحتلالها على إيرلندا الشمالية الكاثوليكية، بعاصمتها بلفاست. كما ما زالت تفرض سيطرتها وإحتلالها على جزيرة “لاس مالفيناس”، جزيرة فولكلاند، الأرجنتينية المحاذية لسواحل الأرجنتين، البعيدة آلاف الأميال البرّية والبحرية عن لندن.

بريطانيا العظمى التي لم تكن الشمس تغيب عن أراضي إمراطوريّتها  ومملكتها وممتلكاتها، يقف رئيس وزرائها بوريس جونسون، اليوم، “حبيسا” في 10 داوننغ ستريت، و”يُبشّر” مواطنيه “بقرب وداعهم لاحبّتهم” بسبب تفشي فيروس كورونا في “الإمبراطورية”، الى الحد الذي أصيب فيه الأمير تشارلز، ولي العهد، بمرض هذا الفيروس. وفي آخر تحديث من بريطانيا ثبت أن رئيس الوزراء بوريس جونسون نفسه مصاب بالفيروس وأنه “حجر” نفسه في بيته ويتابع أمور الدولة وسبل مكافحة الفيروس عبر دائرة الفيديو كونفرس المغلقة. وتبعه بالإصابة بالفيروس وزير الصحة البريطاني مات هانكوك.

أمّا الملكة إليزابث الثانية، ملكة بريطانيا نفسها، ذات ال 93 عاما، فقد تمّ نقلها من قصرها، قصر باكنغهام وسط لندن، الذي يضم عددا كبيرا من الموظّفين مقارنة بالقصور الملكية الأخرى، الى “محبسها” في قلعة وندسور غربي لندن، من أجل سلامتها ووقايتها من الفيروس.

الأم الفلسطينيّة الصابرة المرابطة، الحاجّة أم الأسير في سجون الإحتلال ناصر أبو سرور تقول أن ابنها ناصر المعتقل لدى سلطات الإحتلال منذ 28 عاما لم يرى الشمس مباشرة إلا مرّة واحدة في كل هذه المدة الطويلة، وذلك حين نقله الإحتلال من السجن الى المحكمة وأنزله الجنود من “بوكس” السجن الى الشارع كي يسخروا منه ويعبثوا معه. أما خلال ال28 عاما في الأصفاد والحبس فهو فقط  يرى الشمس قليلا من خلال شبّاك زنزانته المغطّى بالقضبان والاسلاك الشائكة.

أم الأسير ناصر أبو سرور تبثّ لوعتها وتحبس عبرتها و”تجرع” ريقها وتكبت عواطفها الجيّاشة تجاه فلذة كبدها وهي تؤكّد أنها لم تزره منذ ثلاثة أشهر، وأنّه “محجر” عليه منذ 28 عاما. وأن الناس هنا تضايقت من الحجر مدّة عشرة أيام فقط، من أجل سلامتهم، حجر وقائي لمحاصرة إمتداد الفيروس.

ما هو إحساس الأسرى “المحجورين” منذ سنوات ومنذ عشرات السنين في زنازين وضيعة ضيّقة وسخة، لا يوجد فيها أي مقوّمات للعيش الآدمي؟؟ وكيف يقضي المعتقلين فيها أيامهم ولياليهم؟ لا فرق بين أيامهم ولياليهم، فنهارهم ليل وليلهم نهار، وشتائهم صيف وصيفهم شتاء.

والآن يضاف الى مصيبتهم وبلائهم وباء جديد، فيروس الكورونا، الذي لا يفرّق بين سجين وسجين، ولا بين غني وفقير، ولا بين مواطن وامير. يتعامل مع مواطني العالم كأسنان المشط.

 ألغى الحواجز بين المدن والقرى، بين الدول والبلدان، بين الدول الصناعية المتقدّمة الكبرى وبين الدول النامية، بين الإمبراطوريّات وبين مستعمراتها السابقة، بين المهراجات والمنبوذين، بين الخادمات الفلبينيات والسرلنكيّات وسيّدات المجتمع المُخملي في القصور الرحبة والفيلات.

ألغى الفروقات بين الأقوام والأجناس والقوميات والطوائف والأعراق، بين الأصفر والأبيض والحنطي والأسمر والأسود والخلاسي والقوقازي والأشقر والعيون الزرق والعيود السود والبنيّة والداكنة.

الغى الحدود بين الدول، يتنقّل دون فيزا ولا جواز سفر. ينتشر ويضع الجميع في خطر. ويفرض على سكان الكرة الأرضية الحظر والحذر. لقد وحّد شعوب ودول العالم المقسّمة سياسيا وإقتصاديا وثقافيا ومناخيّا ومعيشيا و”فخفخة” وبؤسا، “بعجرهم والبجر”.

“لملمهم” ووضعهم في سجن كبير. فهل ستجتاز البشرية هذه المحنة وتتعلم دروسا وعبر؟؟ تنطلق من “أسرها وسجنها” بالتعاون والتضامن ونبذ الخلافات و”نصر الأخ ظالما أو مظلوما”، والإبتعاد عن شريعة الغاب، وقانون البحار والمحيطات، السمك الكبير يأكل السمك الصغير.

هل سيتم إغلاق السجون والمعتقلات وبناء بدلا منها المدارس والمستشفيات والمتنزّهات والحدائق العامة كي تستمتع بها الشعوب كبيرها وصغيرها، أم أن الظلم سيستمرّ في “التمخّتر” يمشي على ساقين ويحمل في يده عصا غليظة؟

العالم اليوم أمام مفترق طُرُق مع فيروس كورونا. فلندعو الله أن يسير في طريق السلامة والخير، وأن يسُدّ طريق الشر، أن يقفل “سجون الكورونا الإختيارية” الطوعية قريبا، وأن يقفل ويُلغي أيضا سجون الإحتلال الإجبارية البغيضة.

ودمتم بخير ونتمنى السلامة للجميع.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. عندما حاصر حسني مبارك غزه وقد كان بكل قواه ايقنت بان الله سوف يحاصره كما يحاصر اهل غزه ولكن لم اكن اعرف كيف يسيحاصره الله رب العالمين لانه كان قويا والجنود من حوله والرضاء الصهيو امريكي عليه نازلا وكان مطمءنا بانه سوف لم ولن يتزحزح. وكان هازئا بالمقاومين عباد الله في غزه حتى اراني الله كيف حاصره حتى انه اصبح منبوذ ا ولا يريد احد ان يجلس معه او يصاحبه وهو طليقا. وكذالك جماعه الحكم الحالي بمصر كيف ينبذون اهل غزه ويحاصروهم ويعملون كوسطاء للمغضوب عليهم ضاربين امر الله بالحائط ومتغدطين برضاء بني صهيون حتى اتاهم الان من يحاصرهم من قطع مياه النيل عنهم. ومن يقطع عنهم مياه النيل التي اكرمهم بها الله؟ حليفهم الذي يتغطون به لينالو العزه كما تغطى بها قبلهم حسني مبارك. وسوف يحاصرهم الله رب العالمين. وكذنلك سوف ياتي دور ال سعود وملك الاردن ومحمود عباس وكل اموالين للصهاينه حيث سيحاصرهم الله حيث انهم يضعون عباد الله في لواءح المخربين ويتغطون بعدو الله ورسوله ويطلبون العزه منه وسوف يريهم الله مذلتهم بنصرهم لترامب عدو الله وروسله وكيد سوف يخذلون جميعا باذن الله. وليس الله بغافل عما يعملون. وسوف ياتيهم الله من حيث لم يحتسبو. وليبين الله الخبيث من الطيب ولله ترجع الامور. اللهم انا براء مما يفعله حكام الدول الاسلاميه من تعاونهم مع بني صهيون واعداء الله ورسوله بالتنسيق الامني وعقود الدفاع المش ترك بينهم والمتعاونين معهم امنيا وبالامور الاخرى. اللهم نجنا من القوم الظالمين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here