السفير منجد صالح: زفّة القرن وصفقة القرون

السفير منجد صالح

من كان يحضر المناظرات التلفزيونية بين المرشّح الجمهوري ترامب والمرشّحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، كان يُلاحظ، دون شك ولا مواربة، الكم الكبير، الهائل، المهول، من التُهم والتُهم المضادّة، لكلا المرشّحين، ضدّ كلا المُرشّحين. واحد أو واحدة ضد الآخر أو ضد الأخرى.

الألفاظ النابية والسوقيّة. كانت تخرج من أفواههما، بكل طبيعية وأريحية وإقتدار. الى درجة أنني كُنت أتساءل، هل هذا التاجر “السوقي” وهذه “السيّدة” الشمطاء هما من سيحكم الولايات المتحدة، وبالتالي، العالم؟؟؟!!! الأستاذ الذي سيوزّع شهادات حسن السلوك على حُكّام وشعوب العالم. “الدُكنّجي” الذي سيوزع الحلوى وقطع السكّر و”الشيبس” والبوشار على الشعوب المحتاجة، الفقيرة و”المُفقّرة”، من شعوب العالم الثالث، أو الشعوب، الذين يُطلقون عليهم “تدليعا”، لقب الدول النامية.

أمريكا حضارتها وعراقتها حديثة التكوين، بالنسبة للحضارات والأمم الأخرى: كالحضارة الصينية والهندية والفارسية واليونانيّة والعربية. فحضارتها عمرها بالكاد تبلغ خمسمائة سنة، بعد إكتشافها من قبل الرحالة الإيطالي جيوفاني كابوت الشهير بجون كابوت. سار على خُطى كريستوفر كولومبوس وأمريكو فسبوتشي، في إكتشاف العالم الجديد.

لكن بدايات أمريكا ونهاياتها وفيما بينهما متشابهة ومتطابقة، منذ أن كانوا ينشرون صورة لأحدهم، وهم كُثر، أيّام الكاوبوي، يكتبون عليها “ونتيد”، أي مطلوب. ويتسابق “زُعرانهم” في البحث عن المطلوب و”إصطياده”، مقابل “حفنة من الدولارات”. زُعرانهم هم من كانوا يُطبّقون العدالة، ويسلّمون “المطلوب المتّهم” “للشريف”. وما زال زُعرانهم حتى يومنا هذا هم من يُطبّقون “العدالة” على الأمم والشعوب.

الرئيس ترامب هو “الوريث الشرعي” “والحفيد الأصلي” لرعاة البقر، الكاوبوي. بالنسبة له فقد وضع العالم كله في “خانة ونتيد”، خانة المطلوبين. وهو “الأزعر” الذي سيلاحقهم، “ويقبض”عليهم، ويفوز بالجائزة. فقد “تناطح” مع الصين، وأراد ليّ ذراعها، ولكن الصين حذّرته بأن ليّ ذراعها بدقّ عنقه، فتراجع عن الإجراءات العقابية وسياسة الحماية الإقتصادية والتجارية التي حاول فرضها على بلد التنّين.

وتناطح مع أوروبا، حليفه الأساسي، “وستره وغطاه”. ففي قاموسه القاتم، لا صاحب ولا صديق لديه، إلّا الدولار. وتنطّح لروسيا، مباشرة، وفي دول النفوذ، في سوريا. لكنه لم يستطع معها، لأن حديقتها يحرسها غضنفر إسمه بوتين، القادم من صفوف ” ال كي جي بي” والمتمرّس في دروب ودهاليز الأمن والسياسة، والأخذ بأسباب القوّة.

إسرائيل هي البلد الوحيد في هذا العالم، التي “يختم لها ترامب بالعشرة”، فهي عشقه وعشق إبنته إيفانكا وعشق صهره اليهودي كوشنير وعشق أحفاده من إيفانكا وكوشنير. ترامب، مع أنّه يميني متعصّب، أبيض عنصري، من لبّ المحافظين الجدد، الذين يتدثّرون، ظلما وزورا وبهتانا، بالمسيحية الدينية، لكن المتطرّفة المتعصّبة، أحفاد عصابات “الكو كوكس كلان”، إلّا أنّه يحتفل، في البيت الأبيض، “بعيد الخانوكا” اليهودي، مع صهره اليهودي كوشنير، ومع إبنته اليهودية إيفانكا، وأحفاده الثلاث منهما. ويشعل حفيده البكر القنديل ذو الرؤوس السبعة معلنا بداية الإحتفال.

أمريكا ترامب أعادت ترتيب العالم، ترتيب الأولويات، والصداقات والعداوات، من أجل أن تقدّم ما تبقّى من القضية الفلسطينية، على طبق من ذهب، لإسرائيل. من أجل ذلك، فقد أخترع “المُخادع” ترامب، وطاقمه “اليهودي الصرف”، كذبة، لعبة، مداهنة أسموها “صفقة القرن”. هل هذا يعني أنها ستدوم قرنا كاملا حتى يضعوها موضع التنفيذ؟؟!! هذا لو كانت الصفقة موجودة أصلا.

أمريكا وحتى قبل مجيء ترامب وتمترسه في البيت الأبيض، دمّرت أفغانستان ودمّرت العراق، وإبتدعت داعش، وهي أكبر عملية مداهنة وتعمية في التاريخ. خلقت أبو بكر البغدادي، “ولملمت” الشباب العربي والمسلم الساذج، لكن “المتعطش للجهاد”، من شتى أصقاع الأرض، ودفعتهم بالآلاف الى سورية والعراق، “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، حرفت بوصلتهم، فبدل أن يُجاهدوا لتحرير الأرض المقدّسة المحتلة في فلسطين، جاهدوا لتحرير البلاد العربية من سكانها الآمنين.  “وضربت الظالمين بالظالمين”!!! فنحر شباب داعش شباب أبناء جلدتهم وأبناء دينهم وأبناء عمومتهم وأبناء عشيرتهم، ومدام كلينتون في بيتها في واشنطن تضحك وتزهو، “العصفور بيتفلّى والصيّاد بيتقلّى”!!!

ثمّ تبخّرت داعش “بقدرة قادر”. لم يبقى منها إلّا جزرا معزولة ونائية، في الشام والعراق، قواعد داعشية هنا وهناك، تحت حراسة جنود المارينز، وتدبيرهم وتخطيطهم وبيدهم “الزر الأحمر”، يضغطون عليه لتحريك مجموعة من داعش الى هدف مطلوب “وسرّه في نفس يعقوب”، وهو القابع في البيت الأبيض.

لقد جرحوا وقتلوا وإغتالوا أبو بكر البغدادي عشرات المرّات، وحاصروه “وإكتشفوا مخبأه” عشرات المرّات الأخرى، لكن البغدادي شوهد آخر مرّة يتربع في مخبأه سليما معافى، “وصحّته مثل البومب”، داخل مدرّعة أمريكية، “في مكان ما”، في سوريا أو العراق.

لماذا لاحق الأمريكان دون هوادة أبي مصعب الزرقاوي وأغاروا علية وقتلوه هو وصحبه؟؟ ولماذا لاحق الأمريكان أسامة بن لادن، وبحثوا عنه “تحت طوب الأرض”، حتى وجدوه “متخفّيا” في باكستان، وسددوا رصاصاتهم الى وجهه ورأسه وإغتالوه وإختفت معالمه وجثّته الى الأبد؟؟!!

ولكن في المقابل لماذا أبا بكر البغدادي ما زال يسرح ويمرح “ويُلاحقه” الأمريكان. ويجدوه ولا يجدوه، يقتلوه ولا يقتلوه، يجرحوه ولا يجرحوه، “كرت جوكر” في يدهم يتلاعبون به حسب أهوائهم، ويُخيفون به من أرادوا إخافته كي يدفع مالا أو موقفا، حتى أنهم يُخيفون حلفاءهم الأوروبيين به، حين الحاجة والطلب.

عندما أسقطت داعش طائرة الطيّار الأردني المرحوم منذر الكساسبة، رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جنّاته. والحقيقة هي أن أوّل خبر أُذيع مباشرة بعد إسقاط طائرته أفاد بأنه سقط بفعل “نيران صديقة”، قيل أنها نيران طائرة إماراتية، مشاركة ضمن التحالف، ولكنهم بعدها، وبعد “الدبلجة والتزبيط”، تبّتوا “رواية” أن داعش أسقطته. وعندما حاولت الحكومة الأردنية التفاوض مع داعش ومبادلة الطيّار الأسير بمجموعة من الأرهابيين المعتقلين في الأردن، منهم ساجدة، التي أُعدمت فيما بعد، رفض الأمريكان ذلك بشدّة بل بتشنّج، تحت حجة “لا تفاوض مع الإرهابيين”. وكأنّهم كانوا “يدفعون” داعش لإعدامه، لأنه كما يبدو وكما قيل “في الكواليس” وقتها، أنه بعث برسالة صوتية يُشير فيها الى وجود طائرات بلا شارات تُلقى أسلحة ومُؤنا لداعش!!! ومن يجرؤ على فعل ذلك في سماء ملبّدة بالطائرات الامريكية وحلفائها، إلا إثنين لا ثالث لهما: أمريكا أو إسرائيل.

ألأمريكان المخادعون، بقيادة كبيرهم، المعلّم في الخداع، ترامب، حضّروا “زفّة القرن”. وضعوا “بلاطة” ثقيلة “هرسوا” بها كافة القرارات الدولية والإتفاقات والأتّفاقيات الموقّعة، منذ إتفاق أوسلوا وتوابعه وملحقاته والوقائع التالية المبنبة عليه والمرتبطة به، “مسحوها بأستيكة”. “وإبتدعوا عروسة” أسموها ودلّعوها “صفقة القرن”، وكّبوا لها قرون، وقالوا فيها ما لم يقل مالك في الخمر، ما لم يقل أبو نوّاس من شعر في لياليه الحمر الملاح، ما لم يقل قيس إبن الملّوح في ليلى ولا قيس إبن ذريح في لبنى.

“وألبسوا البوصة لتصبح عروسة”، وليقدّموها “هدية ملغومة” “للعريس”، للشعب الفلسطيني وقيادته ولكافة تنظيماته ومؤسساسته. وقد دفّعوه “مهرا” مقدّما “غاليا” وغاليا جدا، تمثّل في “نقوط” وُضع في حضن إسرائيل، “هدية ترضية”، دون مقابل ودون جهد: القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها وإلغاء القنصلية الأمريكية الخاصة بالفلسطينيين منها، وتجفيف منابع “الأنروا”، ومباركة ضم إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية، “والنظر” في إمكانية ضم إسرائيل للضفة الغربية.

أي أن الأمريكان والأسرائيليّون “جرّدوا العريس من سلاحه” وقالوا له إدخل على عروسك، ولكن بأي سلاح “سيخوض معركة ليلة الدخلة”، إذا كان مسبقا مجرّدا من “سلاحه”!!!

قبل عدة سنوات، وفي زيارة الى مدينة لاباس، عاصمة ولاية كاليفورنيا التحتا المكسيكية، سأل الضيف سيدة من المدينة، من مضيّفيه، إذا كانت هذة الولاية تسمى كاليفورنيا التحتا، فالبضرورة يجب أن يكون هناك كاليفورنيا الفوقا؟؟ فأجابت السيدة المكسيكية، نعم، لكن كاليفورنيا الفوقا أخذوها “السفلة”، تقصد الأمريكان عندما إقتطعوا ظلما وتزويرا وبالقوة شمال المكسيك، كاليفورنيا وتكساس، قبل حوالي ثلاثمئة عام.

الأمريكان إقتطعوا جزءا كبيرا من شمال المكسيك وضمّوها نجوما في علمهم، وإسرائيل، ربيبتها، وإبنها المدلل، إغتصبت ثلاثة أرباع فلسطين وإحتلّت الربع الرابع بالحديد والنار وبالمجازر والتهجير. ففلسطيننا الآن ما بين مغتصبة ومحتلة من قبل جيش الإعتداء الإسرائيلي.

أمريكا جعلت من أمريكا اللاتينية ذات الشعوب الطيّبة المضيافة، حديقة خلفية لها. تعبث بها كما تشاء. ما زالت تحاصر كوبا منذ إنتصار ثورتها عام 1959، وتقتطع جزءا من لحمها منذ عام 1901، قاعدة غوانتانمو في جنوب كوبا، سيئة السمعة والصيت بسجنها السرّي والعلني المقيت.

 وتحاول أن “تعضّ” جمهورية فنزويلا البوليفارية، وتلحقها بها “زائدة دودية”. لكن شعب فنزويلا ولدتهم أمّهاتهم أحرارا، لا يقبلون أن يستعبدهم أحد، ويقولوا للأمريكيين “لا” بالفم الملآن. لهذا يحاصرونها إقتصاديا وسياسيا وسياديا، ويختلقون الفتن الداخلية لها، ويخترعون شخصيات دُمى، ينصّبونهم “قيادات”، حذفوها “بالبراشوت” على الشعب الفنزويلي الأبيّ الرافض لهم.

ذاكرة الشعوب لا تخبو ولا تنطفىء ولا حتى بعد ألف عام. ولا يموت حق ووراءه مطالب. وشعبنا الفلسطيني حق، يُطالب بحقه، بوطنه، بأرضه، بدولته المستقلّة، بفلسطينه. ذاكرة الشعب الفلسطيني لا تخبو، بل يزداد توهّجها يوما بعد يوم، بهمّة سواعد شبابه.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مااجمل هذا المقال
    السؤال الذي يتبادر الى ذهني احيانا هو انه المرحوم الكساسبة لم يكن يعلم انه ذاهب ليحارب داعش التي صنعتها أمريكا ومولتها السعودية لكن هل النظام الأردني لم يكن يعلم هذا بينما كان يتم تدريب الدواعش والمرتزقة في الاْردن ؟!!!

  2. جميل جدا..ومهم للجيل الذي لا يعلم تاريخ ارهاب امريكا منذ نشأتها.. وكيف يتصرف هذا التاجر السارق المتعجرف بحقوق الشعوب في الامن والاستقرار خاصة..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here