السفير منجد صالح: حرب الناقلات.. مناكفة الناقلات.. منازلة الناقلات.. ناقلة بناقلتين.. ناقلة بناقلة.. والبادئ أظلم

 

 

السفير منجد صالح

دُشّنت حرب الناقلات في منطقة الخليج العربي “بالحنجلة”، “أوّل الرقص حنجلة”، كما يقول المثل الشعبي. أو بالتحمية، بصبّ زيت ساخن على صفيح مياه الخليج الدافئة، قبل حوالي الشهرين. بستّة تفجيرات مُلتبسة، مُبهمة، مُريبة، في ناقلات نفط ست، في خليج عُمان، ترفع أعلاما مختلفة ومتعددة. ولا واحدة منها ترفع علم العم سام.

وإحدى هذه الناقلات يابانبة. تمّ المسّ بها، في الوقت الذي كان فيه رئيس وزراء اليابان في زيارة “مساعي حميدة” الى طهران.لاحظوا أين كان الرجل من فضلكم!!! في طهران، عاصمة إيران. هل يُطلق أحد النار على رجليه؟؟!!

وقامت الضجّة المُفتعلة، المبرمجة، سيّئة النوايا والمقصد. وتمايل “الطاووس” الأشقر يمينا ويسارا. وفتح فمه الكبير، “وبقّ البحصة” سريعا، وأشار فورا ومباشرة بأصابع وأجنحة الإتهام.

ومع أنّ التحقيقات الأوّلية، والثانية والثالثة، والمستمرّة والنهائية، لم “تقتنص” الفاعل الجاني الحقيقي، حتى هذه الأيام، إلا أن أصابع وأيادي وأذرع وعيون وأنوف ودشاديش الإتّهام توجّهت كلها، جميعها، دون إستثناء، نحو إيران!!!

ولم تكد تهدأ هذه الزوبعة، حتى هبّت رياح تفجيرات أخرى، جولة ثانية، في ناقلتين إماراتييتين. وجولة ثالثة لناقلة تعرّضت للغم لم ينفجر.

وكسابقتها، فإن التهمة جاهزة، و”المُتّهم” في مكانه لم يبرح موقعه. فهو ثابت على أرضه ومياهه. يتدثّر برداء يحمل إرث إمبراطورية لها شأن عظيم من الحضارة والقوّة، ومحفور إسمها في كتب التاريخ والعلم والأدب.

ومرّة أخرى “نفش” الطاووس ريشه، ومن ورائه دشاديش العربان البيضاء السوداء، وإتّهم بلاد الإمبراطورية، الجمهورية الإسلامية، بالإعتداء المُفترض المُختلق المُرتّب.

ومع أنّ “التفجيرات” جميعها، في إعتقادي، لم تتعدّى أن تكون “لعبة إستغمّاية”، وتهمة سخيفة جاهزة، للتغويش والتهوييش على إيران. وحشد “تعاطف دولي” ضدّها، من أجل ضمان “سلامة الملاحة الدولية” في مضيق هرمز. إلا أن الرياح لم تسير ولم تجري حسب ما تشتهي سفنهم وقواربهم وفتنهم ومؤامراتهم.

لكنهم لم يُعيدوا سيوفهم الى أغمادها، بل أبقوها مشرعة. وبقوا وما زالوا يتربّصون، متحفّزون، يخطّطون، ليل نهار، وبلا هوادة، للإيقاع بإيران. لا يكلّون في “تبشيم” الدسائس ودس السم، ودق الأسافين لها ومن حولها.

وفي غمرة تحفّزهم وتربّصهم بإيران، وخاصة بعد إسقاطها، السديد والمُبرّر، لطائرة الإستطلاع الأمريكية، و”نتف” جزء من ريش الطاووس الأشقر، الذي “بلع الموس على الحدّين”. جاءت عملية القرصنة البريطانية، بإيعاز من الطاووس، على ناقلة النفط الإيرانية، في مضيق جبل طارق، في المياه الدولية.

إعتداء سافر إحتجاز ناقلة النفط الإيرانية، من قبل سفن بحرية التاج البريطاني، وبناء على تعليمات ومذكرة من الطاووس رئيس أمريكا، وكأن أمريكا أصبحت تلعب دور الأمم المتحدة، أو كأنها وضعت الأمم المتحدة تحت “زنّارها”. بحجة أن الباخرة، الناقلة، تنقل نفطا لسوريا. يا رب سترك؟؟!! وسوريا، حسب قرارهم، محظور عليها إستيراد النفط، و”الطعام والشراب والدواء وملابس الأطفال وحفّاظات البامبرز، ونكّاشات الأسنان”!!!

المسموح به لسوريا، حسب قرارهم. يُبدعون فيه. هو “ضخ” أولئك المُلتحين، من شتى بقاع الأرض. إستيرادهم “لصالح سوريا”، غصبا عن رغبتها ورغم أنفها. يستقدمونهم من سوق عكاظ. لكنهم لا يفقهون شيئا لا في الشعر ولا في الأدب ولا في النثر. يفقهون فقط في “النحر”، وفي تلفيع الجواري، وتداولها وبيعها وشرائها في أسواق النخاسة وأسواق جواري “جهاد النكاح”، المملوكة لأبي جهل ولأبي لهب ولمسيلمة الكذّاب.

بريطانيا، التي لم تعد العظمى، قامت بقرصنة بحرية، تحت حجج واهية، ومبرّرات سطحيّة، وإحتجزت ناقلة النفط الإيرانية، في مضيق جبل طارق.

يبعث على العز والفخر أن هذا المضيق المائي، الذي يربط البحر الأبيض المتوسط، بحيرتنا الجميلة، مع المحيط الأطلسي، يُسمّى مضيق جبل طارق، نسبة الى القائد الشاب الفذ المسلم، طارق ين زياد. القادم من جبال أطلس الشامخة الشاهقة.

فتح الأندلس. إخترق المضيق “بالسفن”، بالقوارب، مع رجاله الى البر الشمالي. ثمّ أمر بحرق القوارب. وألقى خطبته الشهيرة والمشهودة، في تحفيز جنوده للقتال. قال: “البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصبر والنصر. وإنتصر طارق. وبعد عبارته الرائعة هذه، بقيت الأندلس في أيادي العرب المسلمين ثمانية قرون، من النور والعلم والعلوم. كانت الأندلس المنارة المُشعّة الوحيدة الفريدة في أوروبا العصور الوسطى، تُنير دروبها الحالكة الدامسة.

وقد يسأل سائل ماذا تفعل بريطانيا في مضيق جبل طارق؟؟ السؤال وجيه. نجيبه بكل ودّ وسرور. بأنّ وضع مضيق جبل طارق قصة عجيبة غريبة فريدة من نوعها. ربما تحتاج الى “حاوي”، منجّم، أو قارئة فنجان، كي يفكّوا طلاسمها.

فالجانب الإسباني من المضيق، الجانب الشمالي، تُسيطر عليه بريطانيا. مستعمرة بريطانية. دويلة جبل طارق. أراضي بريطانية لما وراء البحار. ومعظم سكّانه من الإسبان، لكنّهم يحملون الجنسية البريطانية، ويتمسّكون بها. ويتبعون التاج البريطاني.

أمّا الجانب المغربي من المضيق، الجانب الجنوبي. يحوي في أحشائه مدينتي سبتة ومليلة، ومدينة طنجة. فتسيطر عليه إسبانيا. مستعمرة إسبانية. وسكّانه معظمهم من المغاربة. يحملون الجنسية الإسبانية ويتمسّكون بها. ويتبعون التاج الإسباني.

لعبة أمم. صراع أمم. معركة تيجان. بطلها ثلاثة تيجان: البريطاني والإسباني والمغربي. متفاوتة القوة والقدرة على الإستعمار والسيطرة. لعبة القوّة. لا أثر للعدل ولا للنزاهة فيها. التاج البريطاني إقتطع من التاج الإسباني شمال مضيق جبل طارق. والتاج الإسباني إقتطع من التاج المغربي جنوب مضيق جبل طارق: “طنجة وسبتة ومليلة”. أمّا التاج المغربي فبقي “والسماء والطارق”!!!

الإمبراطورية تُعيد أمجادها بثوب ورداء الجمهورية الإسلامية الدافئ المتين المحصّن. تستعيد أمجادها بحق وحقيقة. “لا ينام لها وليد خارج بيته، في العراء بردانا”. حاولت وتواصلت بدبلوماسية هادئة لإستعادة سفينتها، ناقلتها، من مضيق جبل طارق، الى مضيق هرمز. بريطانيا وعدت أن تُعيدها، ثمّ أحنثت بوعدها. وزيادة في الصلف مدّدت إحتجازها شهرا آخر كاملا، غير منقوص، “لا بيزيدو يوم ولا بينقصو يوم، ويوم بينطح يوم”.

بريطانيا تحنث بوعدها، عادي جدا، الأمر لا يعدو أن يكون “مثل السلام عليكم”. ألم تحنث بريطانيا وعدها للشريف حسين بعد أن ساعدها ضد الأتراك في الحرب العالمية الأولى. وأقتسمت بلاده، بلاد العرب، غنيمة لها مع زميلتها فرنسا، في إتفاقية “سايكس بيكو”؟؟!! هل رفّ لها جفن حينذاك؟؟ ألم تُصدر بريطانيا وعد بلفور عام 1917، أعطت بموجبه فلسطين هدية للصهاينة. “من لا يملك الى من لا يستحقّ”. هل رفّ لها جفن حينذاك. وعلى مدى أكثر من مئة عام وهي “تراوغ” و “تُقاوح” ولا تنطق بمجرّد كلمة إعتذار للشعب الفلسطيني على نكبته وبلائه وتشرّده على أياديها الملطّخة.

ماذا تُريدون أن تصنع إيران والحالة هذه. وماذا تطلبون منها؟؟ هل تجثم إيران على ركبتيها تندب حظّها، وتضع يدها على خدّها، وتستمر في الإنتظار والترقق والإستجداء، حتى يرقّ قلب الإمبراطورية التي لم تكن تغيب الشمس عن أراضيها. ترجوها أن تتعطّف وتتلطّف وتتكرّم وتُعيد باخرتها المخطوفة، “بلطجة”، في المياه الدولية في مضيق جبل طارق.

لو كانت إيران إحدى دول الخليج المترفة السمينة المستكينة الوديعة “الحمل”، لجرت وهرولت وصنعت تماما مثلما قلنا وأوردنا وأسلفنا. ولوردت إبلهم “ترعة” الطاووس الأشقر ترامب، محمّلة بالذهب والجواهر والريالات والدولارات، بالمليارات، كي يتدخّل لهم لدى التاج البريطاني، ليتكرّم على تيجانهم المستلقية على ظهورها. ويُعيد لهم الناقلة، كي يحافظوا على ماء وجوههم بين المضارب والقبائل. ويصدح الشعراء على الربابة في المضارب مرددين أغاني الشكر والعرفان لشهامة “الشيخ ترامب”. والثناء على حسن “إنبطاح” وتدبير ملوكهم وأمرائهم الجهابذة، الذين تتلمذوا في جامعات وحانات أمريكا.

لكن إيران ليست هكذا بالمطلق. فمرشدها الزاهد الورع. إفطاره في رمضان لا يتعدّى صينية صغيرة عليها قطعة من خبز القمح وصحن من الحساء، شوربة الخضروات، وصحن من الصلطة، وربما قطعة صغيرة من الدجاج أو السمك. مائدة ربما تضاهي، في الزهد، مائدة أبي ذر الغفاري. أو ربما يُشيد بها الخليفة عمرو بن عبد العزيز. المرشد إذا قال فعل “كوماندوز الحرس الثوري”.

أمّا موائد ملوكهم وأمرائهم على إفطار رمضان، بقصورهم المنيفة، بتيجانهم المرصّعة بالماس والياقوت. المدهونة والمغمسة بدماء أطفال اليمن وعذابات الأمهات الثكلى. فمتخمة بما لذ وطاب من “مشاوي” الحملان والجديان والبط والديوك والحبش والزغاليل والفرّي والسمّن. مائدة واحدة “زاخرة” سمينة، تكفي سكان قطاع غزة المحاصر لمدة سبعة أيام بلياليها. لكنهم “لا بيقشّوا ولا بينشّوا”!!!

قال الحق جلّ وعلى في كتابه: “قلّ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”. صدق الله العظيم.

ناقلتي نفط بريطانيّيتين، متغطرستين، خرقتا قوانين الملاحة في مضيق هرمز، “عرين الأسد المحجّب الملثّم”. “أساءتا الأدب”. صدمت ناقلة قارب صيد إيراني. ولم تمتثل للنداءات، ولم تتصرّف بذوق وأخلاق. فحضر كوماندوز حراس الثورة. وإستولوا على الناقلة في وضح النهار، “وعينك عينك”. وقطروها الى ميناء بندر عبّاس الإيراني لإتخاذ الإجراءات “القانونية” بحقها وإستجواب طاقمها. أما الناقلة الأخرى فأُخلي سبيلها.

إيران لا تُريد أكثر من حقّها. إيران لم تكن البادئة. فالباديء أظلم. بريطانيا كانت البادئة، المعتدية. إيران تصرّفت من مبدأ الدفاع عن النفس. مبدأ العين بالعين والسن بالسن. مبدأ ناقلة بناقلة، أو ناقلتين بناقلة. “زيادة الخير خيرين”. وهل تفهم بريطانيا وأمريكا لغة ثانية غير هذه اللغة. إيران لا تُريد أكثر من حقّها. لكنها نعم، وبكل حزم وتصميم تُصرُّ على نيل حقّها، “وفوقه حبة مسك”.

إيران تتعامل بمبدأ الند للند. لأن لديها ما تقول. وسيكون لديها دائما ما تقول. لأن جعبتها مليئة بالكنوز وبالقوة التي راكمتها على مدى سنوات. منذ أن إستقدمت العلماء والخبراء الروس، ووظّفتهم في صناعاتها. صناعة الأسلحة والصواريخ والطاقة. أمّا الأعراب فجيوبهم متخمة بالدرهم والدولار. ينتهكها وينهبها ويفرغها الطاووس الأشقر. الذي يتبجّح بتقديم الحماية لهم. حماية ممن؟؟؟ حماية منه ومن أصدقائه، لأنّه حسب علمنا لا يوجد عدوّ يُهدد أمّة العرب، وقضيّتهم المركزية فلسطين، وأقصاها وكنيسة قيامها، غير ترامب ونتنياهو. أمّا العدو المُفترض المُخترع حديثا فلا يعدو أن يكون عدوّا هلاميّا. تمّ إختراعه خصّيصا لهم لإلهائهم عن التنّين الجاثم على آبار نفطهم، والتنّين الجاثم على أقصاهم.

لا أعتقد أن بريطانيا تفكّر حتى مجرّد تفكير في تحريك أسطولها البحري وغزو مضيق هرمز و”تحرير” ناقلتها “المستضافة” من قبل كوماندوز الحرس الثوري. كما كانت قد حرّكت مارغريت ثاتشر، المرأة الحديدية، رئيسة وزراء بريطانيا في أوائل أبريل عام 1982، أسطولها البحري وغزت شواطيء الأرجنتين، وإستعادت جزر لاس مالفيناس، مقابل البر الأرجنتيني، أيام حكم الجنرالات. والتي تسمّيها جزر الفوكلاند. من مخلّفات الإستعمار القديم.

إيران ليست إحدى دول الموز في أمريكا الوسطى التي تُحرّكها الولايات المتحدة كالدُمى. وليست الحديقة الخلفية لا لأمريكا ولا لبريطانيا. وليست من ضمن جوقة دول العربان في الخليج التي يضعها ترامب في جيبه الصغير.

إيران دولة محترمة. تفرض إحترامها على من يتعامل معها من الدول. إيران الجمهورية الإسلامية، إيران الحرس الثوري، إيران الشعب المهذّب المنظّم المقدام المصمّم على التحكّم بمصيره ومُقدّراته. لا تعتدي على أحد، ولا تسمح لأحد بالإعتداء عليها. إيران دولة تُحب السلام، لكنها إستعدّت جيدا للحرب. ومصممة على تحصيل حقّها وفوقه حبة مسك.

وتتعامل الند بالند. بمبدا “الحق إمباري السيف”، ولا يفل الحديد إلا الحديد. “وما بيجيب الصاع إلّا الصاعين”.

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ورد سهوا ان مدينة طنجة مستعمرة اسبانية. والصحيح ان مدينة طنجة عادت للسيادة المغربية بعد استقلال المغرب (1956) بعد ان كانت تابعة للمنطقة الدولية تحت اشراف القوى العضمى انذاك لكونها دات موقع جغرافي استراتيجي يتحكم في مضيق جبل طارق

  2. احسنت واوجزت وصورت… الطاووس يحتاج من يسن امامه الحراب ليرتعد.. وليبقى يحسب الف حساب لمن ينتهج الحق بالسلاح..

  3. أحسنت. واذا أردنا المحافظة على السلام فيتوجب علينا الأعداد للحرب. “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة”.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here