السفير منجد صالح: جوليا بطرس نجم ساطع لبناني فلسطيني عربي مشترك

السفير منجد صالح

لمن ليس مهتمّا بالتاريخ والجغرافيا نقول لهم بأن لبنان وفلسطين توأمان منذ فجر التاريخ. فالفنيقيون، رواد البحار الأوائل، كانوا جيران وإخوة الكنعانيين، أول من سكن ووجد في فلسطين. يجاورهم الأنباط العرب في شرق نهر الأردن، الذين نحتوا في الصخر الوردي مدينتهم الوردية الخالدة، البتراء.

أما من ناحية الجغرافيا، فإن شمال فلسطين هو جنوب لبنان، وجنوب لبنان هو شمال فلسطين.

وحتى من ناحية الفلك، فإن نجمات “درب التبّانات” التي يشاهدها بوضوح الفلاحون الفلسطينيّون، في كبد السماء، وهم يسهرون على بيادر القمح والعدس في الليالي الصيفية المقمرة الصافية، يراها أيضا أشقاؤهم اللبنانيّون في صور وصيدا والنبطيّة.

فلماذا إذن هذا الهجوم وهذا التحامل على جوليا بطرس من قبل العديد من اللبنانيّين على أثر نشرها “لبوست”، تغريدة حول صفقة القرن. وهل يستطيع البلبل الشادي إلا أن يُغرّد؟؟؟ هل يستطيع الكروان إلا أن يشدو شعرا ونثرا ووطنية؟؟؟

جوليا بطرس، وفي تفاعل روحها الحرّة الأبية كلبنانية فلسطينية عربية شرقية إنسانية مبدعة، غرّدت عبر حسابها الخاص على أنستغرام: “بيتي هنا … أرضي هنا … البحر السهل النهر لنا. #القدس_عاصمة_فلسطين_الأبديّة”.

هل هناك أبدع وأبلغ من هذا الكلام يا سادة يا كرام. فلماذا إنهالت عليها التعليقات المسيئة من بعض من الشعب اللبناني، اللذين، مع الاسف الشديد، هاجموها بشدة عبر مواقع التواصل الإجنماعي وغيرها من الوسائل.

والسبب من وراء هذه التعليقات المسيئة، حسب مجلة “فوشيا”، وحسب ما أرجعه رواد شبكات التواصل، هو “أن جوليا إلتزمت الصمت تجاه الثورة في لبنان، وعدم خروجها بأي تصريح مساند لمحنة الشعب أو المواطنين”.

ليس هكذا تورد الإبل يا شعب لبنان التوأم، الذي نحبّه ونقدّره ونقف معه، فقد تقاسمنا معه رغيف الخبز وشلال الدماء في قانا الأولى وقانا الثانية ومخيم جنين.

لست مطّلعا على موقف السيدة المطربة الشادية المبدعة جوليا بطرس من الثورة في لبنان، لكن تقديري أنها، بوطنيّتها وإنسانيّتها، لا يمكن أن تكون إلا إلى جانب الشعب والمواطنين. وهذا أمر لا يجب أن يُشكك فيه أو يخضع لتقييمات حديثة لجبل من جبال الصمود في وطننا العربي وليس فقط للبنان أو لفلسطين، فأغاني وشدو جوليا تتحف الملايين وتُنادي على الملايين وتناجيهم وتشحذ هممهم.

“إلتمس لأخيك عذرا”. ربما إلتزمت جوليا الصمت حيال الثورة اللبنانية الفتية، ربما لديها اسبابها، ولكن وعلى كل حال، فإننا نقول في مقولاتنا الشعبية “السكوت علامة الرضا”. بناء عليه فإن صمت جوليا ليس إلا علامة رضا عن الثورة، “والصمت ابلغ من الكلام أحيانا”.

أمّا بالنسبة لتغريدتها حول صفقة القرن ودعمها لفلسطين، “فهذه ذاني وهذه ذاني”، أي أن الموضوع مختلف حتى لو شابه بعض التقاطع. قضية فلسطين هو صراع مع محتل عنصري أجنبي منذ 72 عاما، أما الثورة الحديثة في لبنان فتدعو الى مطالب شعبية عادلة ولكنها أمر داخلي بإمتياز، فالمتظاهر في الشارع لبناني والمسؤول أو السياسي على كرسي الحكم لبناني ايضا. لا يوجد محتل في لبنان كما في فلسطين يقمع ويقتل ويُشرّد ويقلع الفلسطيني من بيته وأرضة ويوطّن مكانه بالحديد والنار مستوطن قادم من روسيا او من بولندا.

جوليا غنّت وأبدعت. غنّت للثورة وللشعب وللجنوب وللمدن الجريحة وللمقاومة. إنها دائما وأبدا الى جانب الشعب والمواطنين ضد الإحتلال والإستغلال والظلم والظلاميّة. جوليا قمر ساطع في سماء الوطن، كروان مغرّد فوق الروابي وسنابل القمح المُتمايلة أمام هبوب نسيم الجنوب على محيّا المقاومين الشجعان.

جوليا نقية، بهية الملامح وتقاطيع عبق ورود الوطن تزيّن محيّاها، فلا تقذفوا عليها الأشواك، أثابكم الله، وإنما إمطروها بالزنبق والريحان والقرنفل البلدي الفوّاح.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. دائما اتذكر هذا الصوت الجميل لطالما عبر عنا كشعب فلسكيني لم يخطر في بالي يوما ان اسال عن جنسيتها دائما كنت اعتقد لا شعوريا انها فلسطينة وكثر من القنانين امثال مرسيل خليفة وسميح شقير واحمد قعبور تستخق جوليا كل الاحترام وتستحق ان نكتب بحقها المقالات والقصائد والخواطر

  2. السفير منجد صالح سلمت يداك وسلم فكرك على هذا المقال الرائع ،فمن يقرأ مقالا كهذا اتحدى أن يعاود القراءه مرة ومرتين وثلاث أخرى، لان المقال عبرت عن المشاعر بكلمات صادقة بعيده عن التزييف ووصفت الفنانه جوليا بطرس وصفاً حقيقياً وبماذا تستحق أن نرميها (بالورد والياسمين والزنبق الجميل )
    في انثى تنطق كلمات يعجز ملايين العرب بنطقها كل يوم يولد في الوطن العربي فناناً ولكن لم ولن يولد جوليا بطرس سوى واحده فقط وهي التي نعرفها بالشجاعة والأخلاق الحميدة والوطنية الصادقة والتواضع والمحبة ،مشكور دكتور منجد صالح مرة أخرى

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here