السفير بلال المصري: ما وراء إعلان الكونجو الديموقراطية دعم الموقف المصري في أزمة سد النهضة

السفير بلال المصري

 

سلم Jean-Claude Kabongo مستشار الرئيس الكونجولي Félix Tshisekediلشئون الإستثمار في 19 سبتمبر 2020 الرئيس المصري رسالة من نظيره الكونجولي تناولت دعم الكونغو الديمقراطية لمحددات الموقف المصري تجاه التعامل مع قضية سد النهضة , وتعزيز العلاقات الثنائية والإستفادة من التجربة المصرية في مجالي البنية التحتية ومشروعات التنمية الكبري , وتعد العلاقات الثنائية بين Kinshasa والقاهرة من أفضل العلاقات بين دولتين من دول حوض النيل منذ عهد الرئيسMobutu Sese Seko حتي يومنا هذا , ففي 7 فبراير 2016 قام رئيس الوزراء الكونجولي Augustin Matata Ponyoبزيارة القاهرة علي رأس وفد مهم ضم وزراء الموارد المائية والري والكهرباء والطاقة المتجددة والتعاون الدولي ونائب وزير التعاون الدولي والتكامل الإقليمي , وتناول الجانبان فيها موضوع علي جانب كبير من الأهمية هو سبل التعاون في مشروع بناء سد Inga , (المشروع عبارة عن سدين علي مساقط مياه بمنطقة Inga علي نهر الكونجو ثاني أكبر أنهار العالم علي بعد 140 ميل جنوب غربي العاصمة Kinshasa) , ووُقعت أثناء هذه الزيارة مذكرة تفاهم للتعاون بين الهيئة الاقتصادية لتنمية منطقة قناة السويس وهيئة تنمية سد Inga وبروتوكول تفاهم في إطار المبادرة المصرية للتنمية في دول حوض النيل يقضي بإنشاء مصر لمحطتين توليد كهرباء من الطاقة الشمسية بالعاصمة Kinshasa بقدرة 4,5 MW طبقاً .

كان لمصر أن تفعل الكثير في أفريقيا التي تعد قاعدة أي عمل سياسي لأي دولة أفريقية ومما كان يمكنها أن تفعله تكوين رأي عام موات لسياساتها ومواقفها في الأزمات المختلفة , وذلك علي المستويات الرئاسية ومستوي النخب الأفريقية بل وعلي مستوي مؤسسات تنفيذ السياسة الخارجية بالدول الأفريقية , لولا أن من تولي رئاسة مصر رجل كمبارك بدون تاريخ سياسي سابق لتوليه الرئاسة لم يُعرف عنه تبنيه لفكر سياسي معين وهو لم يخضع يوماً ولا نظامه لمحاسبة من قبل مؤسسات رقابية قوية وقادرة ولهذا جاءت أزمة سد النهضة لتكشف محدودية مكانة مصر بأفريقيا , ومع ذلك لا يخلو إعلان Kinshasa عن موقف مؤيد لمصر في أزمة سد النهضة من مغزي وفرصة لمصر إن توفرت لديها إرادة لإعادة بناء مكانتها الأفريقية وذلك كما يلي بيانه , أما الفرصة المُتاحة لمصر فهي مواصلة ما بدأته في ثمانينات القرن الماضي بدعم الكونجو الديموقراطية لتنفيذ مشروع INGA3 الذي يُواجه تقدم وتراجع للتحالفات أو Consortiums المعنية بتنفيذه كما سيُشار إليه لاحقاً , إذ أن تنفيذ هذاه المرحلة الثالثة من سد INGA ستُوجد سوقاً أوسع للطاقة النظيفة علي الصعيدين الأفريقي والأوروبي , مما قد يُؤثر جزئياً علي خطة إثيوبيا لتصدير الطاقة الكهربائية المُولدة من سد النهضة البالغة في حدها الأقصي 6,500 M W سواء كان هذا التأثير كمياً أو سعرياً أو هما معاً , ويتضح كل ذلك كالتالي : 

1- بالرغم من أن جمهورية الكونجو الديموقراطية أحد ست دول نيلية وقعت علي الإتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل المُعلن في عنتيبي عام 2010 , إلا أن موقفها المُؤيد لمصر في أزمة سد النهضة مع مصر يُعتبر خسارة لإثيوبيا وثغرة قابلة للتوسع خاصة إذ أضيف إليه الموقف الكيني السلبي لإثيوبيا والذي له أيضاً أسبابه ومنها الأسباب البيئية , إلا أن ذلك لا يمنع من القول بأن رسالة الرئيس الكونجولي المُتضمنة دعم Kinshasa للموقف المصري في مفاوضات سد النهضة تطور له أبعاده علي الصعيدين الإقليمي و الثنائي , فعلي الصعيد الإقليمي يعني الإعلان عن دعم الكونجو الديموقراطية لموقف مصر- والذي يبدو معزولاً في إطار دول حوض النيل – أن هذه العزلة ليست مُحكمة , فالموقف الكونجولي مُضافاً إليه موقف كينيا الداعم لموقف مصر “الإيجابي” في مفاوضات سد النهضة كما وصفه الرئيس الكيني لنظيره المصري هاتفياً بعد الإعلان عن فشل جولة مفاوضات واشنطن في فبراير 2020 , يعني أن دولتين من أهم دول حوض النيل الإستوائي لهما تأثيرملموس في منطقتهما يعني أن إتفاق عنتيبي قابل للمراجعة مُستقبلاً , فلكينيا موقع هام في منطقة القرن الأفريقي الكبير Greater Horn of Africa وكذلك علي مستوي السوق المُشتركة للشرق والجنوب الافريقي COMESA , أما الكونجو الديموقراطية فتأثيرها يضطرد في نطاقي غرب ووسط أفريقيا والجنوب الأفريقي خاصة عند إكمال المرحلة الثالثة من سد Inga والتي ستولد 4,800 MW , فجنوب أفريقيا ستستفيد من هذه المرحلة إذ مُخطط أن تستورد 2,500 MWمن الكهرباء المُولدة من هذه المرحلة ,(تمت مرحلة INGA1 عام 1972 وبها 6 توربينات تُولد 351 MW, ثم المرحلة الثانيةINGA 2 وبه 8 توربينات تُولد 1,424 MW وتمت عام 1982 والمرحلة القادمة INGA 3 يجري حالياً البحث في تمويلها , وقد بدأت عملية إعادة تأهيل توربينات INGA 1 و INGA 2 في أبريل 2006لرفع كفاءة التوليد التي إنخفضت إلي 700 MW) , وبالطبع فسيقوي هذا السد من أواصر العلاقات الكونجولية مع جنوب أفريقيا أحد أهم القوي الإقتصادية والسياسية الكبري بأفريقيا بل وسيقوي أيضاً التجمع الإقتصادي للجنوب الأفريقي SADC , خاصة وأن أهم دوله وهي جنوب أفريقيا قوة إقتصادية تفتقر إلي إنتاج البترول لتوليد الطاقة حيث يكلفها إستيراده كثيراً وكذلك فهي تعاني من محدودية مصادرها المائية , كما أن الكونجو بحكم عضويتها المُؤثرة في التجمع الإقتصادي للجنوب الأفريقي SADC ستكون أكثر فعالية بعد إكمال المرحلة الثالثة لسد Inga , فهذا السد بمراحله الثلاث أضاف للأهمية الجيوسياسية لجمهورية الكونجو الديموقراطية التي بالرغم من أن بها ما لا يزيد عن 3% من مجمل مساحة حوض النيل , إلا أن علاقتها الثنائية مع مصر ستنتقل لمستوي أعلي ومُميز بسبب علاقة مصر المُحتملة بتنفيذ المرحلة الثالثة لسد Inga وهي الأهم علي المستوي الإقليمي لجمهورية الكونجو .

إن الدعم الكونجولي والكيني للموقف المصري في أزمة سد النهضة هو في نفس الوقت خفض لمصداقية الموقف الإثيوبي حالياً لكنه قد ينعكس سلباً في المستقبل علي العلاقة التي تجمع دول الحوضين الشرقي (إثيوبيا والسودان ومصر) والإستوائي في إطار مبادرة حوض النيل أو Nile Basin Initiative, كما أن الموقف الإثيوبي المُتعنت والذي لا يعترف بمبادئ القانون الدولي المُتعلقة بمياه الأنهار العابرة قد يؤدي – كما أشرت – إلي خفض مصداقية الموقف الإثيوبي في إطار آخر هو الإتـفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل المُعلن عام 2010 والذي وقعته 6 دول نيلية حتي الآن .

2- كانت هناك خطة مصرية في ثمانينات القرن الماضي لربط سد Inga بسد أسوان العالي بمصر وهو مُقترح كان المرحوم الدكتور مُصطفي فهمي سفير مصر الأسبق لدي زائير (الكونجو الديموقراطية بعد إنهيار نظام الرئيس الأسبق Mobutu Sese Seko في 17 مايو 1997) هوأول من روج له في مُستهل ثمانينات القرن الماضي , وبالفعل تحركت مصر صوب المانحين الدوليين والبنك الدولي لتمويل هذا المشروع , لولا أنه ووُجه بعقبات تعبر عن قصر نظر بعض الدول التي كانت ستمر بها الخطوط الناقلة لكهرباء شبكة سد Inga , فالسودان مثلاً أصر وقتذاك علي أن يقوم بتنفيذ الخط الناقل علي أراضيه بواسطة فنيين سودانيين بالإضافة للعوامل والتغييرات السياسية اللاحقة التي إعترضت المشروع الذي نوقش مُجدداً في إطار المؤتمر الدولي للبحيرات العظمي في نيروبي في 19/12/2003 ثم في إطار الإجتماع التحضيري الثالث بلواندا (أنجولا) 26- 30 سبتمبر 2005 تحت بند 3/3 : “تنمية البنية الأساسية” , وبدفع من جنوب أفريقيا نظرت في هذا المشروع عام 2003الشراكة الإقتصادية الجديدةNEPAD التابعة للإتحاد الأفريقي , ومن جهة أخري أقترحت شركة ESKOM الجنوب أفريقية البدء فيه عام 2010, وكنت خلال عملي سفيراً لمصر في أنجولا أتابع هذا المشروع عن كثب لعلاقته السابقة بمصر واللاحقة بأنجولاً , ففي لقاء لي بالمسئول عن التعاون الدولي بوزارة الطاقة الأنجولية في 21 نوفمبر 2006 أفادني بأن أنجولا والكونجو الديموقراطية وجنوب أفريقيا وبتسوانا أسسوا معاً شركة تُدعي Western Core مُسجلة في بتسوانا – نظراً لسهولة إجراءات التسجيل وإنخفاض الضرائب – تتولي موضوع الربط الكهربائي بينهم من سد Inga1 وسد Inga2 بتقنية الـ High Ways وكذا توزيع هذه الكهرباء , وقد تعرض المشروع لموجات مُتعاقبة من المد والجزر بشأن التحالفات التي تكونت لتنفيذه , ففي فبراير 2003 تكون Consortium لتمويل INGA3 ضم شركات مرافق هي : Eskom جنوب أفريقيا و SNEL الكونجو الديموقراطية و Empresa Nacional de Electricidade الأنجولية و NamPower نامبيا Botswana Power Corporation من أجل إقامة مشروع علي نهر الكونجو قادر علي توليد 44,000 MW تكلفته المبدئية 1,5 مليار دولار(ستة أضعاف طاقة توليد سد النهضة الإثيوبي) , ثم وُقعت مذكرة تفاهم بين الكونجو الديموقراطية ومؤسسة Westcor في 22 أكتوبر 2004 لتنفيذ INGA3 لتوليد 3,400 MW , وتعددت المحاولات التي لم تخرج لحيز التنفيذ بعد لتنفيذ INGA3علي أرض الواقع إذ ما زال مشروع INGA3 يُراوح مكانه , فالتحالفات التي تتكون تختلف كل منها عن الأخري في قدراتها التمويلية ومن ثم في قدرات السد للطاقة الكهربائية المُولدة , وفي يونيو 2009 أعلنت حكومة الكونجو أنها وقعت عقود مع Consortium إسباني / صيني لإعداد دراسات إقامة INGA3 بقدرة توليد كهربائي تبلغ 11,000 MW (ضعفي سد النهضة) بتكلفة إجمالية قدرها 14 بليون دولار علي أن تنتهي الأعمال عام 2019 , لكن حال دون ذلك إنسحاب مجموعة ACS Group في يناير 2020من التحالف المعني بتنفيذ هذه المرحلة وبالتالي إنفرط عقد هذا الـ Consortium , وفي عام 2017 قُدمت مُقترحات لتنفيذ INGA3 لتوليد ما بين 10 إلي 12 GW , وفي تطور مؤثر سلباً علي مسيرة المرحلة الثالثة لسد INGA أعلن البنك الدولي في يوليو 2016 عن سحبه تمويله بعد خلاف بشأن المشروع وسط إنتقادات تركزت علي ضخامة التمويل المطلوب والفساد المُستشري في الكونجو الديمموقراطية , كذلك وفي 28 أكتوبر 2019 أشار تقرير لمنظمتين حكومتين واحدة بلجيكية تُدعي Resource Matters والأخري أمريكية le Groupe d’étude sur le Congo بأن هناك حالة من التوتر بين تحالفين أحدهما صيني والآخر أوروبي إختارتهما الحكومة الكونجولية في أكتوبرعام 2018 لتنفيذ مشروع INGA 3 بتكلفة تبلغ 14 ملياردولار لفشلهما في الاتفاق على العناصر الأساسية , لكن الشركة الصينية الحكومية China Three Gorges Corp أعلنت في30 مارس 2020 وبعد إنسحاب الشركة الأسبانية أن حكومة الكونجو أخطرتها بأنه يمكنها تقديم مسودة تعاقدات الإمتياز للشركة لتنفيذ السد لتوليد طاقة كهربائية من المرحلة الثالثة للسد قدرها 11,050 MW ، وفي الأول من يونيو 2020 أعلنت شركة التعدين الإسترالية العملاقة BHP Billiton والتي كانت إنسحبت سابقاً من تنفيذ المشروع عام 2012عن إمكانية عودتها عن قرارها , ووسط كل هذه الموجات من المد والجزر ورد بنشرة African Intelligence في 3 سبتمبر 2020 أن الرئيس الكونجولي Tshisekedi يُعد لمؤتمر دولي خاص لمشروع سد INGA 3 وأنه في هذا الإطار الترويجي إستضافت حكومة الكونجو الديموقراطية وبدعم من الاتحاد الأفريقي في أواخر أبريل 2020 العشرات من كبار الشخصيات لمناقشة تطوير مخطط نهر الكونغو الذي يضم العديد من السدود الضخمة , وفي الأول من نوفمبر 2019 أظهرت حكومة الكونجو إصرارها علي تنفيذ المشروع فأعلنت الوكالة الحكومية المشرفة على المشروع أن جمهورية الكونغو الديمقراطية لا تزال ملتزمة بإقامة السد بتمويل قدره 14 مليار دولار على نهر الكونغو بالرغم من تعثر المشروع في خلافات بين مطوريه .

يُعادل الإنخراط الصيني في تنفيذ مشروعات الطاقة بأفريقيا الإنخراط الألماني خاصة في مشروع INGA 3 , إذ أن ألمانيا تُعد من بين أهم القوي الدولية المُهتمة بالطاقة النظيفة وبالتالي فهي مُهتمة بتنفيذ مشروع INGA 3 ويؤكد ذلك ما سبق وقاله Günter Nooke مستشار مستشارة ألمانيا Angela Merkel للشئون الأفريقية في 8 سبتمبر 2020 من أن هناك خطط لإقامة أكبر مشروع في العالم لتوليد 44 GW من الطاقة الهيدرولوكية يُقام في جمهورية الكونجو الديموقراطية ليُصدر جانب من إنتاجه لألمانيا , وهي قدرة توليد ضخمة تُعادل ضعفي ما يُولده مشروع Three Gorges الصيني , كما أكد Nooke لصحيفة Süddeutsche Zeitung الألمانية أن الشركات الألمانية يجب أن تدعم تنفيذ مشروع INGA 3 العملاق بالكونجو فهو قادر علي توليد 44 GW وأن هذا هو وقت INGA 3 بالرغم من أن هناك بعض الصعوبات التي تعترضه فبالإضافة إلي أنه من غير المُؤكد حتي الآن تدبير تمويل ضخم من الحكومة الألمانية , وأن هناك أيضاً 37,000 من الكونجوليين يجب إعادة توطينهم في مكان آخر بعيد عن موقع المشروع وكذلك ليس هناك من يقين بإمكانية الإعتماد علي الرئيس الكونجولي Tshisekediالذي تولي السلطة مُنتخباً عام 2019 , إلا أن هناك ثمة إمكانية ألمانية ما في المضي قُدماً في مشروع INGA 3 وفقاً للخطة الألمانية ( إسالة الهيدروجين) فالحكومة الألمانية أقرت في يونيو 2020 “الإستراتيجية الوطنية للهيدروجين” ورصدت لها تمويلاً بمبلغ 9 بليون يورو حتي يمكن إنتاج كميات ضخمة من Green H2 من المصادر المحلية للطاقة المُتجددة واستيراده علي نطاق واسع من الإتحاد الأوروبي وما وراءه أي من أفريقيا وهو ما أشار إليه تحديداً وزير العلوم الألماني Anja Karliczek , وقد أشارت الحكومة الألمانية بأنه علي مدي عام 2030 ستحتاج ألمانيا لإنتاج ما بين 90 إلي 110 TWh من الكهرباء , لكنها ربما لا يكون مُتاحاً لها سوي 14 TWh من مصادر الطاقة المُتجددة بها لإنتاج الهيدروجين أوما يُعرف إختصاراً بـ H2 , وبالتالي فسوف تلجأ لإستيرادها , ولذلك تتجه ألمانيا للإنخراط في مشروع INGA 3 , ولذلك أوردت شركة Evagor الألمانية للإستشارات علي موقعها ما قاله Gernot Wagner مديرها الإداري : بأنهم ” يُطورون مشروع من أجل إنتاج الهيدروجين الأخضر بجمهورية الكونجو الديموقراطية , وهو مشروع سيُنتج الكهرباء هيدرولوكياً ويحولها إلي هيدروجين بمنشأة مُعدة لهذا الغرض وتُوصف هذه العملية بأنها ” Electrolyser ” أو التحلل الكهربائي , والتي عن طريقها يتحول الهيدروجين إلي سائل هيدروجيني يُنقل بحاويات تُشحن بالبحر إلي أوروبا ولألمانيا التي تعلم أن لدي أفريقيا إمكانيات ضخمة لتوليد الطاقة الهيدرولوكية تُقدر بنحو 350 GW وهو كم أكثر عشر مرات من الهدف الموضوع لتوليد هذه الطاقة علي الصعيد الأفريقي كما أن لدي القارة إمكانية توليد 1000 GW من الطاقة الشمسية أي أكثر بنحو 30 مرة من الهدف الأفريقي للطاقة , وأنه يمكن لسد Inga أن يُولد طاقة كهربائية تربو عن 39.000 MW , في حال تنفيذه بتكلفة تُقدر بنحو 80 بليون دولار , وربطه بشبكات خطوط الكهرباء القائمة علي المستوي القطري بالدول الأفريقية المأهولة بالسكان كمصر ونيجيريا أفريقيا بتكلفة قُدرت بنحو 10 بليون دولار (وفقاً لأرقام عام 2000) .

في وسط هذه الظروف المُحيطة بتنفيذ المشروع في مناخ تنافسي بين تحالفات تتكون وأخري تتفكك , قام وزير الكهرباء المصري بزيارة Kinshasa في 25 يناير 2020 حيث ناقش مع المسئوليين الكونجوليين بعض المشروعات المُشتركة , وكذلك إمكانية مُشاركة مصر في تنفيذ مشروع سد Inga وهي الموضوعات نفسها التي ناقشها وزير الطاقة الكونجولي في زيارته للقاهرةعام 2016 , وقد نُشر في 3 فبراير2020 علي موقع AFRICA INTELLIGENCE أن السلطات الكونجولية تدرس إمكانية إقامة تحالف Consortium جديد يتألف من مصر والمؤسسة الصينية للهندسة الإنشائية (CSCEC) لتنفيذ المرحلة الثالثة من مشروع سد Inga3 , دون تحديد أي جزء من المرحلة الثالثة للسد سينفذها هذا الـ Consortium الذي لم تؤكد مصر مشاركتها فيه ومن المُرجح إن تأكد أمر تحالف كهذا فستكون المشاركة المصرية فيه من خلال تحالف محلي مصري مُكون من الحكومة المصرية وشركات حسن علام والسويدي و TAQA Arabia و Orascom Construction والمقاولين العرب , فهذه الشركات كان ممثليها ضمن الوفد الذي صاحب وزير الكهرباء المصري في زيارته للكونجو .

3- إن إكتملت المرحلة الثالثة لسد Ingaفسيكون أمام الكونجو الديموقراطية سوق مُتسع لتصدير الكهرباء المُولدة من هذا السد ولأن إنتاجيته من الطاقة الكهربائية من مراحله الثلاث قد تبلغ علي الأقل ضعفي إنتاج سد النهضة الإثيوبي , لذا فستكون الكونجو في وضع تنافسي أكثر تميزاً لأن شبكتها ستمد بالكهرباء أكبر إقتصادين صناعيين في أفريقيا جنوب أفريقيا ونيجيريا مُضاف إليهما أنجولا , وبالتالي فمن المحتمل أن يشكل ذلك عائقاً أمام خطة تسويق الطاقة الكهربائية المُولدة من سد النهضة وهي في حدها الأقصي 6,500 MW والتي تعد المُبرر الأول لإنشاءه , ومن ثم ربما كنتيجة لذلك أن تتأثر خطة التنمية القومية لإثيوبيا التي وُضعت علي أساس توفر حصيلة من العملات الصعبة من عوائد تصدير الطاقة الكهربائية لدول الجوار .

إن تم تنفيذ المرحلة الثالثة لسد INGA فسيكون مُتاحاً لجمهورية الكونجو الديموقراطية فرصة سوق مُستهلكين واسع ومتميز يضم تجمعين إقتصاديين علي جانب كبير من الوفرة المالية إذ بهما الدول الأفريقية الثماني أعضاء لجنة خليج غينيا المُنتجة للبترول والتجمعين هما تجمع الجنوب الأفريقي للتنمية SADC وأعضاءه 15 دولة والتجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا ECWAS وأعضاءه 16 دولة , وبالتالي فإتساع سوق الطاقة النظيفة (الهيدرولوكية علي نحو خاص) سواء السوق الأفريقي أو إمتداده الأوروبي أمام الطاقة الكهربائية المُولدة من سدي النهضة GERD وسد INGAعلي التتابع سيعني أنه ليس لأيهما وضع إحتكاري وبالتالي من المُرجح أن تصل تسعيرة الكيلو وات / ساعة لنقطة توازن أدني من النقطة التي كان يمكن أن تكون لأيهما إن كان سوق هذا النوع من الطاقة حكراً علي أحدهما , وهذا يعني علي المدي المتوسط أن سد النهضة ستتأثرإيراداته من العملة الصعبة إن تم تنفيذ المرحلة الثالثة من سد INGA خاصة لو تجاوزت قدرة توليده للطاقة حد 11,000MW .

تبذل الكونجو الديموقراطية جهوداً مُضنية لتنفيذ المرحلة الثالثة من سد Inga , وفي هذا الإطار صرح Vital Kamerhe رئيس ديوان الرئاسة الكونجولية في 22 نوفمبر 2019 أن منتدي سيُعقد خصيصاً في 10 ديسمبر 2019 في Abidjan لمناقشة موضوع سد Inga مُشيراً إلي أن مجمع توليد الكهرباء من المرحلة الثالثة لسد Inga وهي مرحلة السد الكبري ستُنفذ علي مراحل حتي تحقق رقم إنتاج يبلغ 11,000 MW , ستستورد جنوب أفريقيا حوالي 50% من هذه الطاقة أي 5,000 MW , كذللك ووفقاً لوكالة Bloomberg فإن وزير الطاقة الأنجولي João Baptista Borges أرسل خطاباً لرئيس ديوان الرئاسة الكونجولية أعرب فيها عن رغبة بلاده في توقيع إتفاق لمد أنجولا بنحو 5,000 MW علي الأقل بشرط أن يكون سعر شراء الكيلو/ ساعة من هذه الكهرباء بثلاث سنتات من الدولار , مُضيفاً أن أنجولا ستكون بحاجة لهذا القدر من الطاقة علي مدي 2025 , مع ملاحظة أن الكونجو الديموقراطية تمد بالفعل مقاطعة جيب Cabinda البترولية الأنجولية بحوالي 100 MW من سنترالي Inga I و Inga II , كذلك أبدت نيجيريا إهتمامها بالربط الكهربائي بشبكة سد Inga III لإستيراد ما بين 3,000 إلي 4,000 MW وهو أمر لم يتأكد بعد إذ قد يمكن لنيجيريا توفير هذه الطاقة من سد Mambilla علي نهر النيجر والذي تنفذه الصين بتمويل من Eximbank الصيني , هذا ووفقاً للوكالة الكونجولية لتنمية والترويج لسد Inga فإن الكونجو ستحتجز 6.000 MW للوفاء بأغراض الصناعة التعدينية لها في Katanga . أما بالنسبة لفرنسا فيُذكر أن البيان الصادر في 12 نوفمبر 2019 عقب لقاء الرئيس الكونجولي بالرئيس الفرنسي لم ترد فيه أي إشارة لإهتمام فرنسي بسد Inga III وتكرر نفس الأمر بعد محطته الفرنسية عقب زيارته ولقاءه بالمستشارة الألمانية Angela Merkel , وفي تقديري أن هناك ما يبرر موقفهما ففي حالة فرنسا فلإنها تعتمد علي توليد طاقتها الكهربائية علي مفاعلات نووية بها بفضل الإستغلال الفرنسي الشره ومتدني السعر لما يزيد عن 45 عاماً مُتصلة لمناجم اليورانيوم بشمال النيجر بواسطة مجموعة AREVA المملوك معظمها للدولة الفرنسية وتنتج 5.000 كج من الكعكة الصفراء Yellow Cake , أما ألمانيا فالحكومة الألمانية تترك القطاع الخاص الألماني لتنفيذ الجانب الأعظم من إستراتيجية الطاقة الألمانية كما هي الحال مع مؤسسة DESERTEC المعنية بمشروع مُرتقب أعلن عنه عام 2009 لتوليد الطاقة من شمس الصحراء الكبري بتكلفة قُدرت بنحو 555 بليون يورو تفي بنحو 25% من الإحتياج الطاقوي لأوروبا , لكن من الواضح أن لألمانيا – مؤسسات القطاع الخاص – قدرة ورغبة في تنفيذ INGA3 تنفيذاً للإستراتيجية الوطنية للهيدروجين المُشار إليها آنفاً .

4- فيما عدا مصر لم يُرصد إهتمام أي من الدول العربية بهذا المشروع للمساهمة فيه علي أسس تجارية بحتة , فمن متابعتي لموضوع تنفيذ المرحلة الثالثة لسد INGA أشير علي وجه الخصوص إلي أنه لابد وأن يستلفت النظر غياب أي توجه لدي الإمارات المُتحدة والسعودية للمشاركة في الإنضمام لأي Consortiumلتمويل هذا المشروع الطاقوي الضخم , خلافاً لموقفيهما من تمويل سد النهضة الإثيوبي , فكلاهما أسهم بشكل او بآخر في تمويل سد النهضة مع إدراكهما لخطورته علي الأمن القومي المصري , وفي الواقع ليس هناك أي قوة قاهرة مُورست علي الإمارات والسعودية كي يندفعان صوب إثيوبيا لتمويل سد النهضة , فالمرء يمكنه أن يستوعب سعيهما لإقامة قواعد عسكرية وتوقيع إتفاقات بشأن تأجير أو إدارة موانئ في القرن الأفريقي بالصومال وأرتريا وصوماليلاند بل وحتي Puntland , وتوجد قواعدهما في بربرة و Bosaso ومصوع كما أن لهما ميل لإقامة قاعدتين في جيبوتي , وإقامتهما لقواعد أمر مفهوم بسبب إنخراطهما في الحرب التي لا تنتهي في اليمن , لكن ما الذي دفعهما لتمويل سد النهضة ؟ , بالرغم من أن تمويلهما للمرحلة الثالثة لسد INGA لن تكون خاسرة خاصة إن دخلتا في Consortium دولي , وإن أكد ذلك أمراً فإنه يؤكد أن علاقات الإمارات والسعودية مع إثيوبيا تمر من باب الإستراتيجية التي لكليهما في القرن الأفريقي وإمتداده في البحر الأحمر , ويؤكد كذلك أن أمن مصر التي يحاول كلاهما ان يصفها بالحليف لا يعنيهما , بل لن أكون مُبالغاً إن وصفت تحركات هاتين الدولتين وخاصة السعودية تجاه مصر منذ تحطيم إبراهيم باشا للدرعية عاصمة عبد العزيز آل سعود الناشئة وهدم دولته التي فضلها البريطانيين علي رأسه , هي تحركات دافعها الحقد من يقظة ونهوض مصر , وإلا فما هو مبرر تفضيلهما الإستراتيجي لإثيوبيا وهي تناصب مصر وشعبها العداء والحقد التاريخي ؟ ومما قد يؤكد ما ذهبت إليه أن الإمارات مولت صاغرة بسبعة مليارات دولارالحملة الصليبية الفرنسية علي شمال مالي المعروفة بعملية Serval العسكرية المُتوحشة يناير 2013 – يوليو 2014 والمُنتهكة لحقوق الإنسان المُسلم في مالي , ثم ساهمت هي والسعودية بثلاثين مليون دولار ومائة مليون دولار علي التوالي لإقامة مجموعة الساحل الخماسية التي روجت لإنشاءها فرنسا لمساعدة عمليتها العسكرية Operation Barkhane أغسطس 2014 – حتي الآن والتي تلت عملية Serval هناك , وبالتالي يمكننا أن نصل لنتيجة من تتبع التمويلات والمُشاركات غير التمويلية الإماراتية والسعودية في أو لصالح الأنشطة العسكرية الفرنسية والأوروربية عامة بل والأمريكية في العالم وخاصة الإسلامي وهو تأكيد إتفاقهما مع الرؤية الغربية / الصليبية لما يصفونه بالإرهاب ومقابل ذلك دعم الأسرتين الحاكمتين , فهناك مشروعات عدة بوسط وغرب وجنوب أفريقيا بعضها تتبناه NEPAD , ولا تشارك فيها هاتان الدولتان المعنيتان فقط بالقرن الأفريقي الذي توجد به أساطيل وقواعد أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية تفضل محاربة “الإرهاب الإسلامي”.

5- يقع 3% من مجمل مساحة حوض النيل بجمهورية الكونجو الديموقراطية , ومثلما تعهد منليك الثاني لبريطانيا بعدم إقامة منشآت علي النيل الأزرق إلا بأخطار وإذن من بريطانيا بموجب المعاهدة التي وقعها مع الأخيرة عام 1902 , كذلك وقعت بريطانيا مع بلجيكا (قوة الإحتلال بالكونجو آنئذ) في 9 مايو 1906 معاهدة تشير المادة الثالثة منها “بأن حكومة دولة الكونجو المثستقلة تتعهد بألا تقيم أو تسمح بأن يُقام أي مشروع علي أو بالقرب من نهر SEMLIKI أو نهر ISANGO حيث من شأن ذلك تقليص كمية المياه الداخلة لبحيرة ALBERT , مالم يكن ذلك بإتفاق مع الحكومة السودانية ” , وفي ضوء ذلك لابد وأن يثور السؤال التالي : لماذا أعلنت الكونجو الديموقراطية دعمها لحق مصر في مياه النيل ولم تعلن السودان الشريك التاريخي لمصر دعمها لمصر بل قايضت بثلاثمائة MW من كهرباء سد النهضة قيم الإسلام التي منها : (1)”أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” و(2) “لمسلم أخو المسلم” , وأعترف حتي لا أغمط أخوتي في السودان حقهم أن نظام مبارك مارس كل ما فيه من حقد وغباء مع السودان لثلاثين عاماً مُتصلة وكان أبغض من أعداءنا معاً تجاه الأخوة السودانيين , لكن سد النهضة لم يكن ولن يكون كارثياً لمن يحكمون مصر بل سيكون سيفاً إثيوبياً مُسلطاً علي رقاب المصري,وإذ أضفنا لهذا الموقف الغريب سعي القادة العسكريين السودانيين صاغرين أو من تلقاء أنفسهم لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني المُثير للإشمئزاز فلا بأس إذن من قبول منطق عدم دعمهم لمصر في أزمة سد النهضة التي دعمها الغريب ولم يفعل القريب بل الأخ ذلك . في هذ المرحلة السوداء من تاريخنا يتولي الأمر في العالم العربي من لا وجه له لتراه خجلاً .

كاتب مصري

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. قرأت مقال حضرتك وللحق المقال رائع وملئ بمعلومات قيمه ولكن! ورد في مقالك القيم جمله تقول فيها ان مبارك مارس ظلماً تجاه السودان! هل من الممكن ان تذكر لنا مثالاً لهذه السياسات الظالمه؟! النظام السوداني فتح اراضي بلاده للعديد من الارهابيين الذين ارتكبوا عمليات ارهابية واغتيالات في مصر منذ الثمانينيات. النظام السوداني ارسل ارهابيين لقتل مبارك في اثيوبيا!!! البشير منح اراضي ومزارع لقيادات الاخوان الهاربين من مصر للسودان!! لا اعلم اذا كان كل السابق ذكره مبرر للرئيس مبارك رحمه الله لنهج سياسات معادية للسودان او لا! واترك الاجابه لحضرتك سيادة السفير.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here