السفير بلال المصري: الرئيس الفرنسي يكذب… فمن يُصدقه؟

السفير بلال المصري

يبدو أن كذب الرؤساء والقادة أصبح قاعدة غير أخلاقية علي الرأي العام العالمي أن يعتاد عليها , ففي كلمته التأبينية 2 ديسمبر 2019 بمناسبة مصرع 13 من العسكريين الفرنسيين المُشاركين في عملية  Barkhane operation العسكرية بشمال مالي ضد الجهاديين الماليين(المعارضين المُسلحين للوجود الفرنسي بمالي) التي تمركزت في منذ 6 سنوات مضت عقب إنتهاء عملية Serval العسكرية الوحشية هناك , قال الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron ما نصه : ” هؤلاء قضوا وهم يُقاتلون من أجل فرنسا , ومن أجل حماية شعب الساحل (جغرافياً 13 دولة أفريقية) ومن أجل زملاءهم في الوطن وحرية العالم بأسره” , كان من الممكن أن يُصدق المرء نصف هذه العبارة أي نصدق أن هؤلاء الذين جاؤا من بلادهم لقتل شعب مالي وتقتل عن إيمان ووطنية فرنسية من يدافعون عن السيادة المُهدرة لهذا البلد , إنما فعلوا ذلك من أجل فرنسا أو بمعني أوضح من أجل إستمرار النهب الفرنسي المُنتظم لموارد هذا البلد منذ إستقلاله عن فرنسا في 22 سبتمبر 1960وهو حق لدولة أو قوة كبري تشغل مقعداً وثيراً في مجلس الأمن الدولي وهو نادي للدول المسيحية في معظمها التي تُصنف ما هو مع أو ضد الأمن والإستقرار العالمي , لكن الذي لا يمكن لنصف عاقل أن يُصدقه أن هؤلاء يراهم آخرون أنهم ليسوا أكثر من مُرتزقة يُدافعون في الحساب الختامي للمسألة برمتها عن المجمع الصناعي والمالي الفرنسي , ولا شك من وجهة نظر هؤلاء أن الرئيس الفرنسي – ولا مبالغة في ذلك – لا يتحرج من الكذب الصريح أيضاً من أجل فرنسا كجنوده الذين دفعوا أرواحهم فداء للمصالح الفرنسي , فيما غاية ما سيدفعه هو إحترام الأخرين له , وهو يكذب ويستمر في الكذب علي حساب شعب فقير نصيب الفرد من مجمل الناتج المحلي  لا يتجاوز927 دولار / عام ( وفقاً لتقديرات البنك الدولي لعام 2018) .

هل كان مصرع جنود فرنسا من أجل حماية شعب الساحل حقاً ؟

هناك من الإثباتات التاريخية والمعاصرة ما يجعل من هذه العبارة التي تفوه بها الرئيس الفرنسي Macron مُثيرة للسخرية بل والحيرةبسبب هذا الرئيس المُبتلي بقصور ذهني فاضح , فمن الواضح أنه لا يعلم أن العالم خاصة الأفارقة والعرب يعلمون تماماً تاريخ بلاده الإستعماري الدموي في الجزائر وفي كل الدول الأفريقية , وإن كان غافلاً عن قراءة هذا التاريخ فعلي الأقل هو علي علم بشكل ما بما تفعله العسكرية الفرنسية , وذلك بإعتباره رئيس مُنتخب يعلم ما يحدث ويقع تحت ناظريه من أوراق يوقعها تكشف حقيقة الدبلوماسية والعسكرية الفرنسية في دول مجموعة الساحل الخماسية أو G5 Sahel التي تضم تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا وبوركينافاسو وهي صناعة فرنسية صرفة هدفها الحقيقي منها مواراة سوءة الترسانة العسكرية الفرنسية الرابضة حالياً في صحراء Azwad بشمالي مالي والنيجر وإمتدادهما في تشاد وبوركينافاسو وموريتانيا بناء علي إتفاقات عسكرية فرنسية مع كل هذه الدول الخمس , فالقوات الفرنسية تتمركزفي هذه الصحراء الواسعة لتؤمن المصالح الفرنسية واسعة المدي من هجمات “الجهاديين” المُعارضين للنهب الفرنسي لموارد بلادهم وهي الهجمات المُتكررة التي زادت وتيرتها بالنجر منذ عام 2010 ولم تفلح طائرات الإستطلاع الفرنسية فائقة القدرات أن ترصد المحطة النهائية للمهاجمين في مالي والذين إختطفوا رهائن وقتلوا عدد من الخبراء التعدينيين الفرنسيين التابعين لمجموعة Areva بمناطق إنتاج اليورانيوم بمدينة Arlit بشمال النيجر وقد أدي هذا التكرار إلي توقف إنتاج اليورانيوم أكثر من مرة مما يؤثر- علي المدي الطويل – علي إنتظام إنتاج اليورانيوم اللازم لإنتظام توليد 59مفاعل نووي في فرنسا تُولد الكهرباء وتفي بنحو 39% من مجمل إحتياجات  فرنسا منها , وإزاء إخفاق العسكرية الفرنسية في النيل من المهاجمين في كل هذه المواجهات التي حدثت , كان علي العسكرية الفرنسية البحث عن وكلاء ينهضون بالأعمال العسكرية الثانوية في المواجهة الدائرة والمباشرة بين العسكرية الفرنسية وبين الجهاديين , وهذه المواجهة المُستمرة تدحض ولو جزئياً مقولة الرئيس Macron بأن هؤلاء الجنود قضوا وهم يحمون شعب الساحل , ذلك أن هؤلاء الجهاديون يمثلون قطاعاً من شعوب بلدان الساحل وأحد الأسباب القوية لرفضه الوجود الفرنسي أن بلادهم منذ إستقلالها عن المستعمر الفرنسي وهي متخلفة إقتصادياً ولم تفلح الخطط الخمسية ولا العشرية في إنقاذها من وهدة الفقر السحيقة التي وقعت فيها بلدانهم بسبب تدخلات فرنسا الإقتصادية والسياسية في بلدانهم فلم تكتمل كثير من الخطط الخمسية للتنمية بسبب الإنقلابات العسكرية والتي كان وراءها في الغالب المكتب الثاني أو المخابرات الفرنسية , وبسبب الإرتباط النقدي العضوي بين عملة الفرنك الأفريقي CFA والفرنك الفرنسي (وحالياً اليورو) الذي أتاح لفرنسا إستنزافاً إقتصادياً مُستمراً ولطالما طالب إقتصاديون أفارقة بفض الإرتباط النقدي بين بلادهم وفرنسا أو علي الأقل إعادة تقييم سعر الفرنك الأفريقي مقابل الفرنك الفرنسي أو اليورو , وحالت فرنسا بكل وسائلها دون ذلك .

ظلت الدولة الفرنسية تغطي سياستها الأفريقية أو ما يُعرف بـ Françafrique بغلالة دبلوماسية وإعلامية حريرية وناعمة خدعت الكثيرين زمناً , لكن ومنذ إنقلاب مالي في 21 مارس 2012 الذي أطاح بالرئيس المالي أمادو توماني توري الذي لم يتبن حرفياً وجهة نظر الفرنسيين فيما يتعلق بإعتبارهم لمختلف التظيمات الإسلامية كأنصار الدين وجماعة التوحيد والجهاد وأضرابهما في شمال مالي إرهابيتين , ومن ثم عملت المخابرات الفرنسية أو ما يُعرف بالـمكتب الثاني Deuxième Bureau علي الإطاحة به تحت ذريعة أسلوبه في مواجهة تمرد الطوارق  رغم أنه كان مُتبقياً علي نهاية رئاسته الثانية أقل من شهر , لكن هذه الغلالة أصبحت تشف ما تحتها , فتحتها دماء وأشلاء قطاع من أبناء هذه الشعوب ومنها الشعب المالي ممن ناضلوا من أجل التخلص من الإستعمار الفرنسي لمالي الذي بدأ عسكرياً عام  1905 حتي سبتمبر 1960, وعاد إليهم عسكرياً أيضاً في 11 يناير من عام 2013كموجة ثانية للإستعمار في نسخته التقليدية العسكرية الصريحة بعملية  Serval العسكرية وذلك تحت غطاء قرار لمجلس الأمن الدولي برقم  2085 بتاريخ 20 ديسمبر 2012 وقد إنتهت هذه العملية في 15 يوليو 2014 لتعقبها عملية Operation Barkhane وقوامها 4,500 عسكري فرنسي التي بدأت في الأول من أغسطس 2014 , والعمليتان من وجهة نظر الدبلوماسية والعسكرية الفرنسية ضرورة لصيانة الأمن القومي لفرنسا التي معظم موارد الصناعة الفرنسية الأولية ترد من كتلة دول مستعمراتها الأفريقية (وغير الأفريقية) السابقة وفي مقدمتها معظم دول الساحل الأفريقي , وكل هذه الدول تُمثل أيضاً السوق الرحب للمنتجات النهائيةUltimate Products  الفرنسية , ومن ثم فهناك أكثر من مبرر فرنسي لإتخاذ الوسائل المناسبة للدفاع عن السوق الذي تحصل منه علي الموارد الأولية وتبيع فيه منتجاتها وخدماتها في ظل نظام نقدي هيمن بواسطته البنك المركزي الفرنسي نقدياً ومالياً علي مالية 14 دولية أفريقية في غرب ووسط أفريقيا من خلال تداولها لعملة الفرنك الأفريقي أو CFA المُرتبط باليورو بصفة ثابتة وهو محل إنتقاد واسع من إقتصاديين أفارقة كُثر بهذه الدول كما أشرت , هذا بالإضافة إلي ربط أمن كثير من هذه الدول (هناك أكثر من 20 إتفاق تعاون عسكري وأمني بين فرنسا ودول الفرانكفون الأفريقية) طواعية أو كارهة بسبب سمعة فرنسا شبه المُؤكدة في تدبير الإنقلابات العسكرية البيضاء والحمراء بهذه الدول إن شق أي من رؤساء هذه الدول عصا الطاعة ولم يخضع لمتطلبات فرنسا الإقتصادية والسياسية بل والثقافية أيضاً في داخل بلدانهم , ومن بين هذه الإنقلابات إنقلاب النيجرالذي أطاح بالرئيس Mamadou Tandja في 18 فبراير 2010 بدعوي إنتهاكه الدستور بتغييره للمادة المُتعلقة بالمدد الرئاسية في دستور جديد طرحه للإستفتاء الشعبي عليه ووافق عليه في 4أغسطس 2009 الشعب الذي يتحدث باسمه الرئيس Macron الآن , إذ كان الرئيس Tandja أعلن عام 2009 عن ذلك مما أثار أزمة دستورية / سياسية إنقسمت أحزاب النيجر بفعلها بين من هو مع أو ضد الرئيس في الإستفتاء علي دستور جديد يحل محل دستور 1999 يتيح له النص علي أن مدد الرئاسة ثلاث ليظفر بدة واحدة إضافية , وبسبب ذلك ثارت ثائرة فرنسا والولايات المتحدة ومعهما الأمم المتحدة وآخرين علي هذا الرئيس “المُستبد” الذي يريد فترة رئاسية واحدة , وأنا لا أدافع عن موقف الرئيس Tandja فهو موقف غير قابل لذلك , لكن دفاعي عن موقفه مرده الهجوم الفرنسي والأمريكي علي رغبته في الحصول علي فترة رئاسية غير دستورية فعلها معظم القادة الأفارقة المُستأنسين , ولذلك ثم تدبير إنقلاب عسكري قاده ضابط صغير الرتبة مغمورأطاح به , والسبب الحقيقي لموقفهما هو أن النيجر هامة لإستراتيجية الطاقة الفرنسية فهي رابع أو خامس منتج عالمي لليورانيوم وتعتمد عليها فرنسا في إستخراج اليورارنيوم من مواقعه بشمال النيجر عن طريق مجموعة AREVA (تغير مُسماها في 23 يناير 2018 ليصبح  Orano) المملوكة للدولة الفرنسية لإنتاج نحو 5,000 كج من الكعكة الصفراء التي تُمون مفاعلات فرنسا النووية بثمن بخس ,  وسبب رفض فرنسا حصول الرئيس Tandja علي فترة رئاسية ثالثة هو أنه في فترته الرئاسية الثانية (والأخيرة) وكان ذلك بالتزامن مع  تلك الأزمة الدستورية بالنيجر عام 2009 حاول التفاوض مع الفرنسيين لتعديل تعاقدات إستخراج مجموعة AREVA ليورانيوم النيجر التي دامت لأكثر من 45 عاماً حتي يومنا هذا فقد ظل إستغلال اليورانيوم مجالاً إحتكارياً لفرنسا  تقوم به شركة COGEMA الفرنسية منذ إستقلال النيجر ولاحقاً اصبح أسمها AREVA (إتهم الرئيس TANDJA مجموعة AREVA بتمويل مُتمردي الطوارق وطرد مدير فرعها بالنيجر لذلك) وفي عام 2009 إتجه رئيس النيجرMAMADOU TANDJA  في إطار تطبيقه لإستراتيجية تنويع الشركاء في مجال التعدين عموماً واليورانيوم والبترول بوجه خاص التي أطلقها عام 2007 لإنهاء إحتكار مجموعة AREVA الفرنسية وفتح باب دخول الصين الشعبية في مجال إستغلال اليورانيوم وبالفعل فازت بإمتياز بمنطقة AGADEM الواقعة بمحافظة DIFFA المُتاخمة لبحيرة تشاد , وبشأن ذلك أكد لي مسئول صيني إلتقيته في نيامي في 15 سبتمبر 2009 ” أن السبب الرئيسي لإستجابة  AREVAلتوقيع عقد منح حقوق التنقيب عن وإستغلال اليورانيوم مع حكومة النيجر هو خشيتها من أن تؤول هذه الحقوق للصين في حالة عدم قبول  AREVA لشروط التعاقد الجديد و التي طرحتها النيجر , لذلك أضطرت AREVA للتوقيع علي العقد وهو سار لمدة 30 عام وبموجبه يكون للنيجر نصيب في الشراكة بنسبة 34% ويتضمن العقد أيضاً تطبيق زيادة سنوية قدرها 5%” , وكان الرئيس/ TANDJAمؤمناً بإستراتيجية تنويع الشركاء كما شرحها لي في لقائي بسيادته في يناير 2010 , وكان غاضباً جداً من المفارقة الحادثة ببلاده حيث قال أن الفقر المُدقع والأزمات الغذائية المتتالية من نصيب سكان النيجر أما الثروة والرفاهية فهي من نصيب الفرنسيين الذين يغترفون ثروة النيجر من اليورانيوم بأبخس الأسعار لذلك وبسبب غضبه وإقترابه من منح الصينيين إمتياز إستغلال منجم IMORAREN ثاني أكبر منجم يورانيوم بأفريقيا أضطر الرئيس الفرنسي ساركوزي للمسارعة بزيارة نيامي لمدة 4 ساعات فقط في 14 مارس 2009 صاحبه فيها السيدة  Anne Lauvergeon المسئول التنفيذي لمجموعة AREVA  ورضخ لشروط الرئيس  Tandjaووُقع عقد إمتيازه , وكان من المعروف آنئذ أن علاقة مجموعة , وكان هذا الموقف سببا لغضب فرنسا علي الرئيس TANDJA لأن سياستها بشأن يورانيوم النيجر سعر بخس وتدفقات استثمارية في الوقت الذي لا يخل بإتزان سوق اليورانيوم الدولي بغض النظر عن إحتياج النيجر لبدء هذه التدفقات لإنعاش خزانتها الخاوية التي تعتمد بنسبة عالية علي إيرادات إستخراجه , وكما هو مُتوقع تلكأت فرنسا فيما بعد الإنقلاب العسكري في الإستثمار في منجمIMORAREN  لأن هدفها كان الفوز به وإقتناصه من الصينيين , وساعدها الإنقلابيين في ذلك , وكما أشارت صحيفة LE COURRIER الصادرة بنيامي في 5 ديسمبر2012 ” فالإنقلابات العسكرية وفقاً لكثير من المصادر التاريخية تتفق في القول بأن يورانيوم النيجر يأتي في قلب أسباب الإنقلابات العسكرية بها منذ عام 1974 لغاية إنقلاب 18 /2/2010 الذي أطاح بالرئيس / Tandja ” , وينطبق ذلك في عموم أفريقيا بل والعالم كقاعدة عامة فكل هذه الإنقلابات تتوازي مع المصالح الإقتصادية للقوي الدولية لتحققها .

 كان الموقف الفرنسي (والغربي بالطبع) الرافض بشدة لإتجاه رئيس النيجر Mamadou Tandja لتولي الرئاسة لعهدة ثالثة وأخيرة وفقاً لدستور جديد إستفتي عليه الشعب الذي وافق عليه بنسبة 90%  موقفاً كاشفاً لأمور كثيرة منها أن الديموقراطية العملية التي تراها فرنسا هي التي يطبقها رؤساء أفارقة يحققون المصالح العليا لفرنسا وهؤلاء إن طلبوا تولي الرئاسة لمائة عهدة فلا بأس فعندئذ تعلن فرنسا أن ” هذه هي إرادة الشعب” , والدليل علي ذلك أن رؤساء أفارقة كُثر تأبدوا في السلطة وأجروا تعديلات دستورية ” وقحة” أجازت لهم ليس فقط المكوث الأبدي في السلطة بل وتوريث أبناءهم ولدينا حالة فجة هي حالة حسني مبارك الذي أجري تعديلين مُطولين للمادتين 76 و 192 مكرر المنصوص عليهما بدستور مصر الصادر عام 1971 مُستهدفاً تحقيق عملية إنتقال ماكر للسلطة بالتوريث لأبنه الأكبر بموجب ذلك , وقد بدا للكثيرين في مصر أن التعديل الذي أُجري علي المادة 76 كأنه إقتباس من علم اللوغاريتمات أو الرياضة أو نظرية الإحتمالات في شقها الرياضي , إذ صيغ هذا التعديل بإلتفاف وتعقيد بالغين كي يوصد أي باب محتمل فتحه أمام أي مرشح للرئاسة من خارج الحزب الوطني الديموقراطي الذي أفسد مصر وخربها كما لم تخربها قوي أخري بما فيها الإحتلال البريطاني لمصر طيلة 73 عاماً , فقد نص تعديل المادة 76 التي صوت البرلمان بالموافقة عليها بأغلبية 405 من أعضاءه في 10 مايو 2005 ثم طُرحت للإستفتاء العام في 25 مايو 2005 وقبلها الشعب – فهكذا يسمونه دائماً – بنسبة 83%  , علي ما يلي ” ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السرى العام المباشر. ويلزم لقبول الترشيح لرئاسة الجمهورية أن يؤيد المتقدم للترشيح مائتان وخمسون عضوا على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسى الشعب والشورى والمجالس الشعبية المحلية للمحافظات ، على ألا يقل عدد المؤيدين عن خمسة وستين من أعضاء مجلس الشعب وخمسة وعشرين من أعضاء مجلس الشورى ، وعشرة أعضاء من كل مجلس شعبي محلى للمحافظة من أربع عشرة محافظة على الأقل ألخ … ولم تر فرنسا أو الولايات المتحدة  بأساً في إستمرار مبارك والإستمتاع بسلطة مُؤبدة , وقد أطمئن مبارك بعد أن حقق دستورياً التوريث لأبنه بواسطة هذا التعديل إلي دوام حكم جمهوري مزيف بلون أزرق ملكي لأسرة لم يُستدل للآن أن لمؤسسها نضال ضد الإحتلال البريطاني أو ممارسة السياسة في أي يوم من أيام حياته التي عُرف عنها أنها كانت حياة موظف مُؤدب يطيع رؤساءه بدون قيد أو شرط , لكن الغرب وفي صدارته الولايات المتحدة وفرنسا اللتان(وغيرهما من القوي الدولية بدرجة أو بأخري) تحاولان إعطاء إنطباع بأن قيم الديموقراطية تعنيهما وعلي إستعداد للذود عنها , هاتان القوتان الدوليتان لم تعترضا علي ما فعله مبارك بالديموقراطية التي حولها مبارك وغيره من الرؤساء الأفارقة المُناظرين له مثل العروض والأصول الثابتة والمتداولة يمكن توريثها أو بيعها أو التنازل للغير عنها , وهناك بالطبع حالات في أفريقيا جنوب الصحراء مختلفة عن حالة مصر لكنها مُتطابقة في الهدف ألا وهو ” إغتصاب السلطة” , وأسوق هنا من بين أمثلة تغطي دول القارة الأفريقية – ماعدا السنغال – مثالين : أولهما بوركينا فاسو مثلاً أغتيل رئيسها Sankara(فولتا العُليا آنئذ) في 15 أكتوبر 1987علي يد قوة إنقلابية قادها Blaise Compaoré الذي تولي السلطة بعد ذلك وظل يحكم من واجادوجو بعمليات إنتخابية صورية إلي أن إستقال مُجبراً من منصبه في 31 أكتوبر 2014نتيجة التظاهرات الإحتجاجية ضده والتي بدأت في 28 أكتوبر 2014 , ثانيهما الجابون فبعد أن تولي Gabriel Léon M’ba السلطة بها كأول رئيس لها بعد الإستقلال عن فرنسا في 17 إغسطس 1960 أطاح به إنقلاب عسكري في فبراير1964 تولي إثره Jean-Hilaire Aubame الرئاسة لفترة قصيرة ثم تدخلت فرنسا عسكرياً لإعادة الهدوء للبلاد إلي أن أُجريت إنتخابات رئاسية في مارس 1967أتت بالرئيس Gabriel Léon M’ba مرة أخري للسلطة , وخلال الأربع والعشرين شهراً التي أعقبت التدخل الفرنسي في الجابون وقعت إنقلابات عسكرية ناجحة في بنين(داهومي سابقاً) وفولتا العليا(بوركينافاسو حالياً) وأفريقيا الوسطي وتوجو وبوروندي والجزائر والكونجو كينشاسا وتشاد حيث تدخلت فرنسا عسكرياً عام 2008لحمايته بعد أن دخلت عناصر إتحاد قوي المعارضة التشادية العاصمة ندجامينا وأخرجها الطيران العسكري الفرنسي بعد أن وقع الرئيس ديبي في القصر الجمهوري حيث كان في متناول قوي المعارضة وقع لفرنسا عقود البترول وإمتيازات أخري …. وهكذا الأمر مع معظم هذه الدول حتي الآن .

 ولم يكن إنقلاب النيجر المُشار إليه والذي نفذته المخابرات الفرنسية والأمريكية بواسطة عناصر من شركة المرتزقة Black Water حالة إستثنائية في السلوك السياسي / الأمني الفرنسي تجاه مستعمراتها الأفريقية السابقة فلفرنسا دور لا يمكن إنكاره في حالة عدم الإستقرار السياسي وبالتالي الإقتصادي في هذه المُستعمرات السابقة أضر بالإستقراتر الإقتصادي والإجتماعي للشعوب الأفريقية التي أعطي الرئيس الفرنسي لنفسه الحق في الحديث نيابة عنها وأسبغ علي جنوده الذين يمكن من وجهة نظر أخري إعتبارهم مُرتزقة وهم يقتلون قطاع من شعب مالي بإعتبارهم ” جهاديين” أشرار (طبعاً مصطلح جهاديين شوهه الإعلام الغربي والشرقي والعربي الأعمي عمداً) .

إن فرنسا التي يقول رئيسها أن جنوده الصرعي يحمون شعب الساحل لابد أنه نسي أن بلاده عندما أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) في 6 أبريل 2012 إنفصالها عن مالي بقيام جمهورية أزواد علي أراضي شمال مالي , لم تعلن رسمياً رفضها لأي مساس بسيادة جمهورية مالي علي أراضيها وتكرر أنها مع تطبيق شكل من أشكال التسيير الذاتي لشمال مالي أي للأزواديين الطوارق وهو ما يرفضه تنظيمي أنصار الدين (وهو خليط من عرب وطوارق النيجر) وجماعة التوحيد والقتال بمالي , وترجع المحاولات الفرنسية لفصل المناطق الصحراوية بمنطقة الساحل لعام 1957 عندما أنشأت ما يُسمي بمنظمة المناطق الصحراوية المُشتركة أو OCRS , ولذلك لم تدن فرنسا إعلان الحركة الوطنية لتحرير أزواد إنفصال إقليم أزواد عن مالي بل لقد إستقبل البرلمان الأوروبي أيضاً بعض من عناصر هذه الحركة بذريعة الإستماع إليهم , ولا يخفي عن المراقبين أن الحكومة الفرنسية تحتضن عدة حركات إنفصالية أفريقية منهم كمثال فقط عناصر حركة MNLA وجمهورية كابيندا (الجناح السياسي لجبهة تحرير جيب كابيندا FLEC أو Frente para a Libertação do Enclave de Cabinda التي تهدف إلي الإستقلال عن أنجولا) وكذلك كان الرئيس البوركينابي المخلوع Blaise Compaoré من أكبر الداعمين الأفارقة لحركة تحرير أزواد بتسيق مع فرنسا , ولقد إزدادت كراهية وصراع العسكرية الفرنسية مع التنظيمات الإسلامية المُسلحة بشمال مالي وخاصة أنصار الدين لأنهم أحبطوا إنفصال أزواد وحطموا جمهوريتهم المزعومة بشمال مالي بعد معركة إستغرقت يومي 52 و26 يونيو 2012  بل وطردتهم من الشمال فالفرنسيون كانوا بحاجة لجمهورية كهذه ليغرفوا بلا حساب مواردها التعدينية فحرمهم أنصار الدين من ذلك وأستحقوا عن جدارة أن يُطلقوا عليهم ويمنحوهم رتبة ” إرهابيين” , وتفضل فرنسا وهي تطبق إستراتيجيتها المُسماة الإستعانة بالعسكريين أو المدنيين المُوالين كلية لها ,وفي حالتنا تلك أشير إلي أن جيش النيجر كجيش مالي إستخدامه الشائع هو فقط القيام بإنقلابات عسكرية ومعظم إن لم تكن كل القيادات العسكرية تلقت تكوينها المهني وأرتبطت لدرجة الولاء والوفاء بمصالح فرنسا , تماماً كالمدنيين الذين تناوبوا حكم النيجر بعد أو قبل الإنقلابات العسكرية وهم مرتبطون بالمصالح الفرنسية أو بمعني أدق بتحقيقها ويؤكد ذلك أن فرنسا وهي مُقبلة علي منح الإستقلال للنيجر كان بها حزبان رئيسيان هما حزب SWAPA إشتراكي تزعمه / DJIBRIL BAKARI وكان وطنياً رافضاً لأي إرتباط مع الفرنسيين ولذلك قضوا عليه بأساليبهم المختلفة فيما دعموا حزب RDA بزعامة DIORI HAMANI لولاءه للفرنسيين .

إن الرئيس الفرنسي يتحدث عن حماية لم يطلبها أي من شعوب الساحل بل إن الرؤساء الموالين لفرنسا بهذه المنطقة هم من تلقوا أوامر فرنسية لطلب حماية زائفة لعسكريين فرنسيين جاؤوا فقط لحماية مصالح فرنسا التي أصبحت مُهددة بإضطراد فقد إتسعت مواجهة المسلحين الإسلاميين – المُعارض الرئيسي للوجود العسكري والنهب الإقتصادي الفرنسي والغربي لبلادهم – لتمتد إلي بوركينا فاسو التي إستيقظت قبل الساعة العاشرة بقليل من صباح 2 مارس 2018 علي دوي إنفجارين بوسط العاصمة نتجا عن هجومين مُنسقين أولهما إستهدف مقر السفارة الفرنسية والمركز الثقافي الفرنسي ونفذه حوالي 7 (وفي تقدير آخر 4) مُهاجمين يرتدون زي القوات البرية لبوركينافاسو حسب شهود عيان , والآخر علي معسكر Guillaume حيث مقر قيادة أركان الجيش البوركينابي والذي يبعد بنحو كيلو متر واحد فقط عن السفارة الفرنسية وقد دخله هؤلاء المُهاجمون المُقنعون من مدخله الجنوبي مع مركبة مُفخخة , وقد سمع علي نطاق واسه بالعاصمة دوي إنفجاران أحدهما أكثر عنفاً من الآخر , وكان ممثلي الدول الخمس التي تتألف منها قوة الساحل الخماسية G5 Sahel (تشاد / النيجر/ مالي / موريتانيا /بوركينافاسو ) وقت التفجير في  إجتماع داخل مبني هيئة قيادة الأركان , لذلك لن تجدي تلك العبارات الزائفة التي يرددها الرئيس Macron مُستغلاً التعتيم الإعلامي العربي علي مجريات الأمور في أهم منطقة يجب علي العرب الإنتباه إليها لخطورتها علي أمنهم أعني منطقة الصحراء الكبري التي فيها أخواننا في الدين العرب والطوارق والتي تتمركز بها العسكرية الأمريكية والفرنسية والغربية فيما يمكن تشخيصه بالحملة الصليبية الآتية من جنوب العالم العربي , لننتببه فالخطر يحيط بنا جنوباً وشرقاً الآن .

الــقــاهــرة

تحريراً في 5 ديسمبر 2019

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. بالقرن الماضي قام الشعب الجزائري بثورة عظيمة تاريخية ضد الاحتلال الفرنسي المقيت وقد استشهد حوالي مليون جزائري ونالت الاستقلال والحرية والكرامة والمناعة ضد الاستعمار الذي يتذكر عن نوعية شعب جبار بتقديم الشهادة بالملايين ,, فيفكر الاستعمار الف مرة قبل ان يستعمر الجزائر ثانية ,,
    لكن الاستعمار الفرنسي في مالي ودول اخرى افريقية وان تعامله هذه المرحلة يختلف نوعا ما عن استعمار القديم,, فقد اعتمد بتواجده بتلك البلدان الافريقية بان تكون هناك علاقات صداقة مع الحاكم الافريقي وقواته وتجمغه مصالح وربما فساد متفشي بالدول الفقيرة الافريقية وجهل واضح لدى شريحة ,,الفرنسيون متواجدون هناك لاسخ
    لذلك الجماعات المتواجدة بالساحل ومالي تحديدا بالرغم انهم يغيروا احيانا على قوات الجيش المالي الضعيف ويغيروا على دولتهم يقتلوا شعبهم لانه يعتبرونهم خونة ,,,
    لقد استطاع المستعمر الفرنسسي والجهل للانسان بتلك البلدان ان يجعلا
    الاستعمار يمكث طويلا ولن يكون ثورة تشبه ثورة المليون شهيد لان الثورة الجزائرية لم تقتل ابناءها كما يحصل في مالي ,, كما ان الجماعات المتشددة المتطرفة المتواجدة بشمال مالي تشبه الجماعات التكفيرية ومنها الوهابية وهي خطر عالمي تلعب فرنسا بتلك النغمة وتنال موافقة دول ومنها العرض السعودي بتقديم مبلغ لما سموه مكافحة الارهاب في الساحل ولكنها تماطل وفرنسا تطالب مؤخرا السعودية بالوفاء بالالتزام هذا مما يزيد من شرعية عربية اسلامية دولية محلية لتمكث كثيرا هناك تستخرج الخيرات والمعادن ومنها اليورانيوم والذهب وغيره

  2. تحليل عميق يظهر الصورة الحقيقية لفرنسا و سياستها الرامية الي الهيمنة علي هذه الدول حماية لمصالحها الاقتصادية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here