السفير بلال المصري: الحملة الصهيونية الثالثة للحصول علي صفة العضو المُراقب بالإتحاد الأفريقي وخطورتها

السفير بلال المصري

تسلم رئيس الكيان الصهيوني  Reuven Rivlin يوم الأربعاء 18 ديسمبر 2019 أوراق إعتماد 5 سفراء جدد لدي الكيان من بينهم سفير أنجولا Osvaldo dos Santos Varela , وخلال الحديث البروتوكولي المُتبادل بينه وبين السفير الأنجولي قال رئيس الكيان بعد أن أشار إلي أمله في أن تنعكس العلاقات الثنائية القوية بين البلدين علي تصويت أنجولا في الأمم المُتحدة ثم قال ما نصه : ” نحن نعمل علي تعميق شراكتنا الإستراتيجية مع أفريقيا , التي تتضمن إستئناف وضعية المراقب لدولة إسرائيل بالإتحاد الأفريقي , وتعلمون أن في ذلك مصلحة مُشتركة , إذ أن ذلك يجلب فوائد عظيمة لدولة إسرائيل وإلي الأمم الأفريقية ” * (1) , إذن نحن مُقبلون علي محاولة أخري يُخطط لها الكيان الصهيوني للحصول علي صفة مُراقب بالإتحاد الأفريقي توفر له مزايا عديداً وإختراقاً يوفر لعلاقات الكيان مع الدول الأفريقية في المجالات المُختلفة منصة عريضة , وبالتالي فإن نجحت الدبلوماسية الصهيونية مدعومة بالطبع بالآلة الدبلوماسية الأمريكية التي سخرت ما لا يقل عن 30% من طاقتها تحقيقاً لأهداف الكيان الصهيوني وفي صدارتها هدف إكتساب مزيد من الشرعية لما يُدعي ” دولة إسرائيل” , ولم يكن قرار الولايات المتحدة الذي أعلنته الخارجية الأمريكية في 23 فبراير 2018بنقل سفارتها رسمياً من تل أبيب للقدس بالتزامن مع الذكرى السبعين لقيام الدولة الصهيونية في أيار/ مايو 2018 إلا نقضاً لقرارات الأمم المتحدة التي لطالما إلتزمت بها الإدارات الأمريكية السابقة , والقرار الأمريكي بالإعتراف بسيادة الكيان الصهيوني علي مرتفعات الجولان الصادر في 23 مارس 2019 والذي يأتي في إطار تطبيق مبدأ أعلنه رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو وأعلنه وهو مبدأ ” ما نستحوذ عليه بحرب الدفاع عن النفس، نحتفظ به لأنفسنا ” والذي سيكون إطاراً لقرارتال وهو ضم الكيان الصهيوني لأراضي الضفة الغربية , وهو ما يُعتقد في حدوثه في حالة تكون إئتلاف حكومي يميني وديني في الكيان الصهيوني يضم الأجزاء التي تسيطر عليها الكيان في الضفة الغربية و وفي هذه الحالة فإن الإنجيليين البروتستانت بالولايات المتحدة سيضغطون حتماً على الرئيس Trump  للاعتراف بذلك، تماماً كما فعلوا في حالة الجولان , وكل هذا التأييد والدعم الأمريكي يوفر منطقاً للقول بأن الإدارة الأمريكية تعي أنه لا حول ولا قوة لما كان يُسمي : “العالم العربي” فلا هوعالم بل عوالم يدور كل منها في فلك مختلف وكل مُتربص بالآخر ولم يعد عربياً خالصاً فجل قياداته عربية الوجه صهيونية الروح , ولإن المحاولة الصهيونية القادمة لإنتزاع صفة المراقب من الإتحاد الإفريقي .

حاز الكيان الصهيوني صفة المراقب بمنظمة الوحدة الأفريقية , لكن عندما تحولت هذه المنظمة إلي مرحلة الإتحاد الأفريقي عام 2002 (55 دولة عضو) وبجهود معمر القذافي نُزعت وأُلغيت هذه الصفة عن الكيان لكنه قام بمحاولته الأولي لإسترداد هذه الصفة عام 2003 إلا أنه أخفق , ولهذا وفي إطار تنفيذها لإستراتيجية الإختراق الدبلوماسي لأفريقيا قام وزير الخارجية الإسرائيلي السابق Avigdor Lieberman في بداية يونيو 2014 بجولة أفريقية أستغرقت عشرة أيام إلي رواندا وساحل العاج وغانا وإثيوبيا وكينيا أستهدفت الترويج لمسعي إسرائيل للحصول علي صفة ” مراقب ” بالإتحاد الأفريقي , ويبدو أن جهود رئيس الوزراء الصهيوني Netanyahu ووزير الخارجية  Lieberman التي بذلاها لتحقيق هذه الإستراتيجية أقنعتهما بإمكانية الحصول علي تأييد أفريقي كاف لحيازة صفة المراقب بالإتحاد الأفريقي فقرر الكيان القيام بمحاولة ثانية فأرسل وفداً إلى قمّة الاتحاد الإفريقي التي عُقدت في 26 يونيو 2014في مالابو (غينيا الاستوائية) ليمثله في هذا الاجتماع القارّي بصفة مراقب ، لكن هذا الوفد المكون من 14 صهيوني ووُجهت مشاركته بهذه الصفة بالرفض من قِبَل رئيس الدولة الموريتانية محمد ولد عبد العزيز ومن رئيس الاتحاد الإفريقي نفسه ووفود دول أعضاء أخري طالبت بإخراج الوفد الإسرائيلي من مركز المؤتمرات حيث عقدت القمة وهو ما حدث , ورغم ذلك لم يتوقف الكيان عن سعيه إذ حصل رئيس الوزراء الصهيوني في جولته الأفريقية في يوليو 2016 التي شملت 6 دول أفريقية علي دعمها لهذا المسعي ففي زيارته لإثيوبيا أكد رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين في المؤتمر الصحفي المُشترك مع رئيس الوزراء Netanyahu ذلك عندما قال : ” إن اسرائيل تعمل بجهد كبير في عدد من البلدان الافريقية ، وليس هناك أي سبب لحرمانها من وضع المراقب ” وأضاف : “نريد ان تصبح اسرائيل جزءا من نظامنا الافريقي ، نأخذ موقفا مبدئيا بجعل اسرائيل جزءا من اتحادنا ” , وفي زيارته لأوغندا شارك Netanyahu في قمة أفريقية إقليمية مُصغرة عن الأمن والتصدي للإرهاب حضرها رؤساء دول وحكومات كينيا ورواندا وإثيوبيا وجنوب السودان وزامبيا ومالاوي وحصل خلالها علي تعهد منهم بلقبول الكيان الصهيوني عضواً مُراقباً بالإتحاد الأفريقي , ولا أحد ما يمكن أن تسفر عنه المحاولة الثالثة التي أشار إليها رئيس الكيان الصهيوني في حديثه القصير مع السفير الأنجولي الجديد , وبالتالي فلا أحد يعلم ما الذي يمكن أن يحدث في شأن السعي الصهيوني لحيازة صفة ” مراقب ” بالإتحاد الأفريقي في قمته لعام 2020 .

كانت جولات رئيس الوزراء ووزير الخارجية ومسئولييها لأفريقيا فيما بين 2014 – 2018مثمرة إذ أن الكيان الصهيوني إستعاد وطورمن خلالها علاقاته الدبلوماسية مع دول أفريقية منها علي سبيل المثال غينيا كوناكري وذلك في20 يوليو 2016 وتشاد في 20 يناير 2019, إلا أن هناك دول أفريقية أثقل وزناً داخل الإتحاد الأفريقي قد تشكل حائطاً مانعاً أمام هذه المسعي الصهيوني وأهم هذه الدول جنوب أفريقيا ونيجيريا , فالكيان الصهيوني مازال يعتبر قوة إحتلال و/ أو نظام عنصري لدي هاتان الدولتان الأفريقيتان ودول أخري , ومازالت صفة ” المراقب بالإتحاد الأفريقي قاصرة علي الدول الآتية : فلسطين (التي حازت صفة العضو المراقب بمنظمة الوحدة الأفريقية في قمة المنظمة عام 1973) , هايتي , كازاخستان , صربيا , تركيا , لاتفيا , ولا شك أن الدافع الذي لدي الكيان الصهيوني والأهداف المتنوعة المدرجة في إستراتيجية الكيان بالنسبة لأفريقيا أشد قوة من دوافع هذه الدول التي حصلت علي وضعية  “المراقب ” بالإتحاد الأفريقي ربما بإستثناء تركيا , فالكيان الصهيوني وضع أفريقيا كأولوية مُتقدمة في سياسته الخارجية وكان هدف إقامة علاقات دبلوماسية  مع دول هذه القارة هدفاً أولاً وبصفة حصرية وقد إضطردت أهمية تحقيق هذا الهدف كون الإتحاد الأفريقي يضم حالياً 55 دولة أي كتلة تصويتية يمكن أن تكون مُرجحة لأي قرار مع أو ضد الكيان الصهيوني(كانت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي أقل من نصف هذا العدد) ولذلك وبالرغم من الصعوبات الجمة التي حالت دون تحقيق الكيان هدف الإعتراف الدبلوماسي كاملاً إلا أن الكيان حاول وسجل نجاحاً نسبياً مؤخراً ويتضح ذلك من خلال بيان مُوجزلمراحل الإختراق الصهيوني لأفريقيا وهي – في تقديري- كما يلي :

(1) المرحلة الأولي منذ 1949 حتي ما قبل العدوان الثلاثي علي مصر في 29 أكتوبر 1956: كانت بدايتها لوجيستيكية عندما أقامت محلية (ميناء فيما بعد) Eilat أو Elath (أم الرشراش) جنوبي صحراء النقب علي خليج العقبة عام 1951ولذلك ركزالكيان علي العلاقات مع دول شرق أفريقيا وإثيوبيا علي نحو خاص .

(2) المرحلة الثانية منذ 29 أكتوبر 1956 وحتي 5 يونيو 1967: وخلالها إرتبط تطور التمثيل الدبلوماسي للكيان الصهيوني في أفريقيا وأتسع في هذه المرحلة بقدر ما أتاحت الموارد المالية للكيان الصهيوني الناشئ وبقدر رغبة الدول الأفريقية المستقلة إبان هذه المرحلة – وكانت قليلة – في الإعتراف بإسرائيل كمحددين رئيسيين لمدي ونطاق هذه العلاقات .

(3) المرحلة الثالثة بعد حرب 1967حتي توقيع معاهدة السلام المصرية / الصهيونية في 26 مارس 1979:     إستطاعت السياسة الصهيونية في الفترة السابقة واللاحقةعلي حرب يونيو 1967 كسب تعاطف بل وتأييد دول أفريقية لموقفها من الصراع العربي الإسرائيلي وربما كان موقف هذه الدول الأفريقية صادراً – إلي جانب الجهد الدبلوماسي والدعائي الإسرائيلي – عن الخلفية المسيحية التوراتية لكثير من القادة الأفارقة , وقلما كان الجانب العربي واعياً لهذه الخلفية لدي هؤلاء القادة ومنهم من نشأ في كنف مدارس إرسالية مسيحية ولذلك إستساغ هؤلاء وهضموا المنطق الإسرائيلي الذي تتناول به إسرائيل صراعها مع العرب والمسلمين , ولذلك حقق الكيان إنتشاراً دبلوماسياً غير مسبوق   في القارة فأعترفت به 24 دولة أفريقية بالإضافة إلي الدول التي سبقتها في الإعتراف بالكيان وفتحت 11 دولة أفريقية سفارات لها في تل أبيب وكان بالقاهرة 16 سفارة لدول أفريقية إلي أن جاءت حرب أكتوبر 1973 التي أحدثت موجة جزر للعلاقات الصهيونية /الأفريقية إذ بسبب هذه الحرب المجيدة قطعت 31دولة أفريقية علاقاتها الدبلوماسية بالكيان بموجب قرار من منظمة الوحدة الأفريقية , لكن بسقوط الإتحاد السوفيتي في مستهل تسعينات القرن الماضي تغيرت البيئة السياسية في دول أفريقية كثيرة كانت تتبني النهج الإشتراكي وقرأ الكيان الصهيوني هذه التحولات فأقترب من جديد لإعادة إعمار علاقاته بأفريقيا وهي مرحلة شارفت علي نهايتها بعد الجهود التي بذلها BenjaminNetanyahu ووزير الخارجية Avigdor Lieberman من خلال جولاتهما في أفريقيا المُشار إليها . *(4)

(4) المرحلة الرابعة : وهي المرحلة المُمتدة منذ توقيع مصر والكيان الصهيوني معاهدة السلام في واشنطن في 26 ومؤتمر مدريد للسلام في 30 أكتوبر – الأول من نوفمبر 1991 ثم ما سُمي بإتفاق أوسلو أو إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الإنتقالي المُوقع في واشنطن في 13 سبتمبر 1993 ثم إتفاقية وادي عربة26 أكتوبر 1994 إلي يومنا هذا , وهذه الإتفاقيات (إضافة إلي الإتفاقات الشفاهية) بغض النظر عن أي من وجهات النظر بشأنها أدت إلي تقديم الصهاينة أنفسهم للأفارقة وللعالم زوراً كقوة سلام في الشرق الأوسط , لكن الثابت والواقع أن بعض الدول العربية خاصة مصر تلك التي كانت داعمة لحركات التحرير الأفريقية قبلت هي ومنظمة التحريروالأردن بواقع إحتلال الصهاينة لفلسطين وهو ما إستخدمته الدبلوماسية الصهيونية لتغيير وجه القضية الفلسطينية وإعتبارها فقط قضية “لاجئين” , وفي إطار هذه المرحلة تطور التحرك الصهيوني في أفريقيا وتجاوز هدف تطبيع العلاقات الدبلوماسية ليصل إلي حد التنسيق ما بين الكيان والرئيس التوجولي Faure Gnassingbé خلال زيارته للكيان في الفترة من 7 إلي 11 أغسطس 2016 لتنظيم وعقد قمة “إسرائيل / أفريقيا في Lomé في الفترة من 16 إلي 20 أكتوبر 2017 والتي كان من المُقرر أن تركز علي قضيتين :الأمن والتنمية بهدف تقوية التعاون بين إسرائيل وأفريقيا * (2), لكن هذه القمة لم تُعقد بسبب الأوضاع الداخلية السيئة في توجو ورفض دول أفريقية مهمة المشاركة فيها والتحرك الفلسطيني  , وقد سبق هذه القمة تحركات صهيونية نشطة مع الأفارقة أهمها عقد المؤتمر الوزاري الزراعي بين إسرائيل وأفريقيا بالقدس في الفترة من 5 إلي 8 ديسمبر 2016  بالتعاون ما بين وكالة التنمية الدولية والتعاون الصهيونية Mashav والتجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا ECOWAS شارك فيه 7 وزراء خارجية أفارقة وكبار المسئولين من 6 دول أخري , كذلك حاول رئيس الوزراء الصهيوني عقد قمة صهيونية في نيجيريا في نهاية 2016 تُشارك فيها 15 دولة أفريقية عضو بالتجمع الإقتصادي لغرب أفريقيا ECOWAS بالإتفاق مع  Marcel Alain de Souza رئيس مفوضية ECOWAS إلا أن نيجيريا رفضت مشاركة رئيس الوزراء الصهيوني في قمة ECOWAS بنيجيريا * (3) , إلا أن Netanyahu لم ييأس وعاود محاولة المُشاركة في القمة 51 للتجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا ECWAS في 4 يونيو 2017 وبالفعل وبفضل جهود Souza إستطاع Netanyahu أن يُشارك مما أدي لإنسحاب الملك محمد الخامس من المشاركة فيها .

وإلي أن تنعقد قمة الإتحاد الأفريقي القادمة عام 2020 يواصل الكيان تحركاته النشطة مع كثير من الدول الأفريقية فمثلاً توجهت رئيسة قسم أفريقيا بالخارجية الصهيونية السفيرة Eynat Schlein (متخصصة في ملف الشرق الأوسط وعلاقات الكيان مع الدول العربية) إلي السنغال في زيارة إستغرقت يومين بدأت في 12 ديسمبر 2019 إستهدفت وفقاً لبيان سفارة الكيان في  Dakarوزراء وشخصيات سياسية وإعلامية سنغالية وفي الواقع فإن الإستراتيجية الصهيونية لإختراق أفريقيا تستهدف تحقيق إختراق دبلوماسي هدفه النهائي بعد التطبيع الدبلوماسي حيازة صفة العضو المراقب بالإتحاد الأفريقي ,  مع الإختراق العسكري / الأمني بالتعاون مع القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM علي نحو خاص ومع الإختراق الإقتصادي الذي يتضمن جذب رؤوس الأموال الناشة عن خلايا الفساد بالدول الأأفريقية أو نواتج نهب الشعوب لتستقر في مصارف الكيان الصهيوني  .

إمكانية نجاح المسعي الصهيوني لحيازة صفة المراقب بالإتحاد الأفريقي بقمته في 2020 :

يتضح من العرض السابق أن لدي الصهاينة أرادة لم يتمكن اليأس منها فقد حاولوا مرتين وبلا شك إستطاعت دبلوماسية الكيان الخروج بإجابات علي أسئلة منها : أي الدول الأفريقية التي يتأسس موقفها علي المبادئ ؟ والإجابة أنها قليلة, وما هي الطريقة التي يمكن بها إخراج الدول ذات الموقف الحيادي لتتبني موقفاً إيجابياً من المسألة ؟ الإجابة مزيد من المعونات ومزيد من الضغوط / الإغراءات الأمريكية , كذلك كيف يمكن الحفاظ علي المواقف الإيجابية لدي بعض الدول وعزل هذه المواقف عن أي مؤثرات قد تطرأ قبل القمة ؟ الإجابة بالمتابعة والتذكير المتكرر , لكن هذا ما يتعلق بمواقف الدول الأفريقية , فما هو الموقف العربي المُتوقع لمواجهة المحاولة الصهيونية الثالثة ,بمعني آخر: هل الموقف العربي جاهز لدفع الكيان الصهيوني بعيداً عن الإتحاد الأفريقي وإقترابه من هذه الكتلة التصويتية المهمة بالأمم المُتحدة ؟ الإجابة في الغالب : “لا” , فبالرغم من أن الموقف العربي كان ضعيفاً في المحاولتين السابقتين , إلا أن نطاق وعمق الضعف هذه المرة مُنذر بالخطر , وذلك لأسباب مختلفة منها :

(1) أن السعودية تلك الدولة التي طرحت في قمة بيروت العربية مارس 2002ما يُعرف بالمبادرة العربية للتسوية مع الكيان الصهيوني والتي تضمنت أعترافاً مشروطاً بمسألة إقامة علاقات طبيعية مع كيان الصهاينة , لم تعد مُتمسكة بهذا الطرح وتمضي مع الإمارات العربية وعُمان التي زارها Netanyahu في 26 أكتوبر 2018 في طريق التطبيع المُتواري تارة والعلني تارة أخري فمن بين أدلة ذلك أن Shmuel Bar مؤسس شركة تدعيIntuView  قال “أنه إلتقي وبحرية سعوديين وخليجيين في مؤتمرات و فعاليات خاصة وأن التجارة والتعاون المخابراتي يزدهر بين إسرائيل ودول عربية ” *(6) , والسبب الرئيسي لإنقلاب مواقف دول تُوصف بهتاناً بأنها مُعتدلة فيما يتعلق بالعلاقات مع الكيان هوهشاشة الوضع السياسي العربي وخوف القادة المُروع من هبوب رياح الديموقراطية مرة ثانية وبأقوي مما كانت عليه إبان الربيع العربي يجعل من قدرتهم علي إحتمال ثورة جماهيرية قادمة متدنية جداً ومن ثم فهم بحاجة إلي كفيل خارجي فدول الخليج التي تعتمد نظام الكفيل للعاملين العرب بها هي نفسها لكن هذه المرة في شخص قادتها هم من بحاجة إلي الكفيلين الصهيوني والأمريكي ومن ثم فهم بعد سلسلة تنازلات أصبحوا عرايا أمام شعوبهم , ولا يمكن إنتظار أي موقف بشأن أي مواجهة للكيان في مسألة سعيه لحيازة صفة”مراقب ” بالإتحاد الأفريقي , أما باقي أعضاء الجامعة العربية فهم مُنكفئون علي مصائبهم التي بعضها من صنع أياديهم .

(2) بالنسبة لمصر فمن المؤكد أنها علي علم بالمسعي الصهيوني إلا أنه ليس من المُتوقع أن تتحرك الدبلوماسية المصرية لإحباطه ما لم يجد أمر جديد , فوفقاً للسوابق الأخيرة نجد أن الدبلوماسية تعتمد منهج : دعهم يمرون أو Laissez-les passer فمن ضمن هذه السوابق أن الوفد الدائم لمصر لدي الأمم المتحدة سحب فجأة مشروع قرار سبق أن وزع في مساء 21 ديسمبر 2016 مسودته علي أعضاء مجلس الأمن  للتصويت عليه وكان يتضمن إدانة ومطالبة الكيان الصهيوني “بتعليق الأنشطة الإستيطانية في الضفة الغربية من أجل إنقاذ “حل الدولتين”, وقد أشاد الكيان الصهيوني بالتصرف المصري , وهو ما دمر مصداقية مصر وموقعها الفريد من القضية الفلسطينية برمتها , وقد تقدمت بمشروع قرار إدانة بديل دول أخري غير عربية هي فينزويلا وماليزيا والسنغال ونيوزيلاند (رغم أن الأخيرة لها تاريخ غير إيجابي في التصويت علي قرارات تخص القضية الفلسطينية) وحاز القرارعلي إجماع أعضاء مجلس الأمن فيما إمتنعت الولايات المتحدة عن التصويت مما يعتبر موافقة ضمنية منها عليه في أول سابقة من نوعها في العلاقات الأمريكية /الصهيونية , كذلك فاز الكيان في إقتراع سري أجري بالأمم المتحدة في يونيو 2016 برئاسة اللجنة القانونية بها ، وهي المرة الأولى التي تولى فيها الكيان رئاسة واحدة من اللجان الدائمة الست للمنظمة الدولية منذ انضمامها لها عام 1949, ونُقل عن مصادر دبلوماسية عربية بالقاهرة تأكيدها بأن هناك أربع دول عربية كانت من ضمن الدول الـ 109 التي صوتت لصالح إسرائيل من بين 193 دولة *(5) .

(3) يعلم الأفارقة يقيناً أن ما يُسمي بالتعاون العربي أصبح أثراً بعد عين , فلم يعد الأفارقة يثقون في أمره بعد تنازل فرادي للصهاينة عن الساحة الأفريقية طواعية تلك الساحة التي عادوا إليها ثانية لكن هذه المرة ليمارسوا خلافاتهم ويستعرضون تمزقهم شر ممُزق أمام الأفارقة أعني تداعيات الأزمة الخليجية والحصار الرباعي مع قطر فرباعي الحصار ذهب للأفارقة بالترغيب ليقطعوا علاقاتهم بقطر وكأن قطر هي الكيان الصهيوني ففي الأزمنة الغابرة كان العرب يعملون علي حصار إسرائيل لا قطر في أفريقيا , ألا تري أن أهدافهم أصبحت كالعار يلازمهم , فكيف يحترمهم الأفارقة ؟ ولئلا ننسي فقد فشلت القمة العربية / الأفريقية الرابعة التي عُقدت في Malabo عاصمة غينيا الإستوائية في الفترة من 17 إلي 23 نوفمبر 2016 فشلاً ذريعاً أيضاً بسبب الخلافات العربية الناشئة عن إصرارسكرتارية الإتحاد الأفريقي علي مشاركة وفد للجمهورية العربية الصحراوية RASD (البوليساريو) دعوة وفد ما يُسمي بالجمهورية الصحراوية ما أدي إلي إنسحاب وفود المغرب، السعودية ، الإمارات ، البحرين ، قطر ، الأردن ، اليمن , أما بالنسبة للقمة العربية / الأفريقية الخامسة التي كان مُقرراً أن تُعقد في الرياض في 25 نوفمبر 2019 فقدأعلنت الجامعة العربية عن تأجيليها إلي موعد لاحق خلال الربع الأول من عام 2020 بطلب سعودي أُبلغ للجامعة وللإتحاد الأفريقي ؟ والسؤال هنا : هل لتأجيل هذه القمة علاقة ما بتنسيق سعودي / صهيوني حتي لا  يكون للقمة تأثير ضار بالحملة الصهيونية الدبلوماسية السابقة علي قمة الإتحاد الأفريقي القادمة ؟

الظروف مواتية جداً للتقدم الصهيوني وفقاً لما تقدم علي الساحة وإلي أن يكتمل الهدف الدبلوماسي الصهيوني بالحصول علي صفة “المراقب” يعمل الكيان علي تنمية مجال حيوي للأفارقة هو التعاون العسكري كتدريب القوات الخاصة الصهيونية لعناصر من قوات :إثيوبيا/كينيا/تنزانيا/مالاوي/جنوب أفريقيا/أنجولا/نيجيريا/الكاميرون/توجو/ساحل العاج/غانا ويقوم علي تنفيذ النفاذ العسكري / الأمني الصهيوني في أفريقيا نسق يجمع قوات جيش الدفاع الصهيوني IDF والموساد و Shin Bet ووزارة الخارجية الصهيونية *(7) ولا يمكنك أن تجد نسقاً كهذا في دولة عربية , وللمفارقة نجد أن الولايات المتحدة وحلفاءها العرب الشرق أوسطيين يبذلون جهودهاً مُتقطعة لإقامة ما يُسمي بتحالف يجمع مصر والأردن  والسعودية والإمارات ومعهم الكيان الصهيوني بهدف مواجهة إيران وداعش .

(4) تناقص الدور المصري بأفريقيا لأكثر من 35 عاماً مضت وللآن , إضافة إلي إستهلاك أزمة سد النهضة الإثيوبي لما تبقي من قدرات السياسة المصرية , وإستهلاك ما يُسمي بالإرهاب في الصحراء الكبري جنوب الجزائر والساحل لنسبة مُعتبرة من جهود الجزائر الدبلوماسية وإنخراط المغرب بدلاً من الإستفادة من ذخيرتها الدبلوماسية ذات الخلفية الإسلامية التراثية بغرب أفريقيا في مواجهة الجزائر التي تساند ما يُسمي بالجمهورية الصحرواية فتبدد دور المغرب الأفريقي , وهذه الدول الثلاث إضافة لليبيا وتونس كان يمكن لو هناك نظام عربي وجامعة عربية حقيقية لا جمعية لهواة جمع طوابع البريد نشرت وكالةAnadolu التركية في13 مارس 2017 أن هناك حديث عن أن الرئيس الأمريكي  Trump يبحث عن تكوين تحالف بين دول عربية وإسرائيل لمواجهة جماعة داعش الإرهابية وإيران وأنه سيشمل مصر والأردن  والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المُتحدة , وأحالت الوكالة علي الإعلام الأجنبي إشارته إلي أن هذا التحالف سيكون علي نمط منظمة حلف شمال الأطلنطي NATO وسيُركز علي تقاسم مُنتظم للمعلومات الإستخباراتية والسماح للشركات العسكرية الإسرائيلية بالعمل في العالم العربي وتقاسم مُنتظم للمعلومات الإستخباراتية والسماح للشركات العسكرية الإسرائيلية بالعمل في العالم العربي * (8) , وإتصالاً بذلك أشار مسئول صهيوني كبير قريب من مجال العلاقات الأمنية المباشرة بين إسرائيل وكل من مصر بأنه أقنع مسؤليين بدول أفريقية عديدة بأنه ليس لهم أن يقلقوا من الضغوط العربية بسبب تطويرعلاقات بلادهم بإسرائيل فلدي الدول العربية علاقات مع إسرائيل , و” أن إسرائيل وكثير من الدول الأفريقية يشتركون الآن في مواجهة عدو واحد هو التطرف الإسلامي وتريد الدول الأفريقية الإستفادة من الخبرات الإسرائيلية في هذا المجال ” *(9).

التوصية :

 فلنكن واقعيين فكما أن مقاومة العدو الصهيوني منذ أوسلوا أصبحت علي عاتق عناصر المقاومة في الداخل الفلسطيني , فإن المعركة الدبلوماسية لابد وأنها ستكون علي كاهل السلطة الفلسطينية , ومن الواضح وفقاً لما تقدم أن قادة العرب أصبحوا كعود ثقاب مبلول لا رجاء فيه , ومن ثم فعلي الفلسطينيين وأحرار العرب وهم دون المستوي القيادي لسوء الحظ أن ينشطوا من الآن في جهد إستباقي لصد الحملة الصهيونية من أجل حيازة الكيان الصهيوني صفة العضو “المُراقب” بالإتحاد الأفريقي بزيارات يقوم بها السيد محمودعباس للدول المفتاحية التي تتحرك الدبلوماسية الصهيونية بإتجاهها وهي جنوب أفريقيا ونيجيريا والسنغال وإثيوبيا وأنجولا وزيارات لرئيس الدائرة السياسية للدول الأفريقية الأخري مع توجيه خطابات لها تشرح عدم إتساق حيازة الكيان لصفة المراقب مع إستمرار إحتلاله وإمتناعه عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وهو ما لا تقبله الروح الأفريقية ,

إن خطورة تحقيق الكيان لحيازة صفة المراقب بالإتحاد الأفريقي أنها الخطوة ما قبل الأخيرة لجهود صهيونية تالية تتسق مع الهدف الإستراتيجي مما يُسمي حتي الآن بصفقة القرن ألا وهو التصفية النهائية للقضية الفلسطينية , فالخطوة الأخيرة هي إلغاء عضوية فلسطين بصفة مراقب في الأمم المُتحدة وبعدها الإتحاد الأفريقي وكل المنظمات والوكالات التابعة لكليهما أو غير التابعة لهما , وفي النهاية سنجد الكيان الصهيوني عضواً مُراقباً بالجامعة العربية / العبرية فقادة العرب الحاليين ليسوا إلا نسخة أخري لملوك الطوائف الأندلسيين لحظة بكاءهم كالنساء تقترب .

القاهرة في 25 ديسمبر 2019

المراجع :

* (1) صحيفة  Arutz Sheva الصهيونية بتاريخ 18 ديسمبر 2019.

*(2) السفير بلال المصري: قمة أفريقيا – إسرائيل في توجو: المغزي والنتائج المُتوقعة . وكالة إيران اليوم الإخبارية .

*(3) صحيفة The Jerusalem Post 23 أغسطس 2016 .

*(4) السفير بلال المصري . بناء إسرائيل لعلاقاتها الأفريقية :غينيا نموذجاً . مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط ومجلة شجون عربية , الأول من ديسمبر 2016 .

*(5) وكالة قدس برس إنترناشيونال للأنباء بتاريخ 15 يونيو 2016 .

*(6) شبكة Bloomberg بتاريخ 2 فبراير 2017 .

*(7) صحيفة THE TIMES OF ISRAEL بتاريخ 4 مارس 2019 .

*(8) وكالة Anadolu التركية بتاريخ 13 مارس 2017 .

*(9) The Jerusalem Post في يوليو 2016 .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here