السفير بلال المصري: الإشتباك المُسلح الحدودي السوداني الإثيوبي : مغزاه ومداه المُتوقع

 

 

السفير بلال المصري

نشرت وكالة الأنباء السودانية في 28 مايو 2020 بالإحالة علي الناطق باسم القوات المُسلحة السودانية إعلانه أن ” إشتباكات مُسلحة مع مليشات اثيوبية درجت باسناد من الجيش الاثيوبي على تكرار الاعتداء على الاراضي والموارد السودانية وأنه ورغم ذلك مازالت القوات المسلحة السودانية تمد حبال الصبر فى اكمال العملية التفاوضية الرامية الى وضع حد لهذه الاعمال العدائية والاجرامية , وحدد الناطق بداية تلك الإشتباكات بأنها كانت في 26-5-2020 حين انتشرت قوة تقدر بقوة سرية مشاة للجيش الاثيوبي حول معسكر القوات السودانية بمنطقة العلاو داخل الاراضي السودانية  ، وخلال ذلك وبناء على اجتماعات مشتركة بين قيادات الجيشين السوداني والاثيوبي تم الاتفاق على سحب نقطة المراقبة التابعة لقواتنا بالعلاو داخل المعسكر للقوات ، على ان تسحب السرية الاثيوبية الى معسكرها، وتم سحب القوتين الى المعسكرات من مناطق انتشارها , لكن وبتاريخ 28-5-2020 وصلت الى الضفة الشرقية لنهرعطبرة مقابل منطقة بركة نورين مجموعة من المليشيات الاثيوبية بغرض سحب مياه من النهر واشتبكت معهم قواتنا فى منطقة البركة ومنعتهم من اخذ المياه وبعدها تسلسلت الاحداث والاشتباكات , فحدث تبادل لاطلاق النار بين الطرفين نتج عنه اصابة احد عناصر المليشيات وانسحبت المليشيات تجاه معسكر الجيش الاثيوبي شرق بركة نورين ثم عادت مره  اخري بقوة تعزيز فصيلة من الجيش الاثيوبي واشتبكوا مع قواتنا مجددا , ثم وفي الساعة 8.30  في نفس اليوم وصلت الي الضفة الشرقية لنهر عطبرة قوة من الجيش الاثيويي تقدر بسرية مشاة واشتبكت مع قواتنا غرب النهر نتج عن ذلك استشهاد ضابط برتبة النقيب واصابة 6 افراد منهم ضابط برتبة الملازم اول ,علي ضوء دلك تم تعزيز موقع بركة نورين بقوات مناسبة من جانبنا , واستمرت الاشتباكات بصورة متقطعة معظم ساعات النهار استخدمت فيها القوات الاثيوبية الرشاشات والبنادق القناصة ومدافع آر بي جي ..نتج عن ذلك اصابة 3 مواطنين ووفاة طفل وعند الساعة الثانية ظهرا بدأت القوات الاثيوبية المتمركزة بالنهر الانسحاب الي معسكرها تاركة خلفها عناصر من القناصة لتأمين الضفة الشرقية للنهر , ثم وعند الساعة التاسعة بتاريخ 27-5 -2020م حضر الي منطقة كمبو دالي التي تقع علي بعد 500 متر من شرق معسكر جبل حلاوة ضباط من القوات الاثيوبية ومعهم عمدة منطقة كترارات وبرفقتهم مجموعة من المزارعين من نفس المنطقة وطلبوا عقد اجتماع مع قوات جبل حلاوة وكان الغرض من الاجتماع السماح لهم بالاستزراع داخل الاراضي السودانية تم رفض طلب الاستزراع نهائيا نتيجة لذلك هدد عمدة كترارات بادخال الاليات والمزراعين الاثيوبين الى المشاريع السودانية عنوة . وعليه تم تنشيط الاطواف لهذه المنطقة بغرض مراقبتها وعند الساعة الثامنة بتاريخ 28-5-2020 دخل طوف  في نفس اليوم استطلاع بقوة فصيلة مشاه لهذه المناطق تعرضت قوة الطوف لاطلاق اعيرة نارية كثيفة من الملشيات الاثيوبية التى تقدر عددها 250 فرد .. تبادلت معهم قوة الطوف اطلاق النار وحقققت فيهم خسائر كبيرة ونتج عن ذلك اصابة ضابط برتبة الملازم وفقدان احد الافراد من طوف الاستطلاع ” .

من المهم جداً عرض ما ورد ببيان القوات المُسلحة السودانية المُشار إليه آنفاً لأن هذه الإشتباكات ليست حدثاً عارضاً في علاقات دولتين وصل مستواها إلي حد وصفها “بعلاقة التحالف” والتي تأكدت علي مدي 30 عاماً تمثل عمر نظام عمر البشير , ومن بين أهم  الملاحظات التي يجدر الإشارة إليها لتقدير مغزي هذا الحدث ومداه السياسي :

(1) أن الحدث تم بثه عبر وكالة الأنباء السودانية الرسمية بالإحالة مباشرة علي الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية ونشر البيان أثناء الإشتباكات و هو ما لم يكن ليحدث أبداً في عهد البشير فلطالما تجاوز المزارعين الإثيوبيين الحدود ومنحوا أنفسهم بحماية سياسية وأمنية إثيوبية حق الزراعة والحصاد في منطقة الفشقة والقضارف وكان نظام البشير يتكتم علي هذه الإنتهاكات بل أحياناً كان يُنكر حدوثها رغم أن الكثير من السودانيين خاصة بمنطقتي القضارف والدمازين يعلم بها فهي إنتهاكات يومية ورغم ذلك وجدنا البشير في مؤتمر صحفي مُشترك في ختام زيارة زيارة رسمية إستغرقت 3 أيام للخرطوم قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي  Hailemariam Desalegn في 17 أغسطس2017 ينفي أن يكون هناك ثمة نزاع حدودي مع إثيوبيا فالبلدان – كما قال – يعملان علي تعزيز العلاقات الثنائية وتحقيق التكامل الإقليمي , مُوضحاً ما نصه أن ” هناك إتفاق تام علي ترسيم الحدود وليس هناك ثمة عدم إتفاق علي  شروط واختصاصات الترسيم بين البلدين , وكل ما تبقي هو وضع علامات الحدود في مكانها ثم أشار إلي ” أن هناك آلية عالية المستوي ومُشتركة ترأسها مع رئيس الوزراء الإثيوبي بالإضافة إلي آليتين وزارية وفنية للأمن وأخري إقليمية لحماية الحدود بين البلدين “. * (Sudan Tribune  17 أغسطس 2017)

(2) أن القوات السودانية بغض النظر عمن بدأ إطلاق النار – والمُرجح وفقاً لإصرار عمدة منطقة كترارات علي طلب السماح للمزارعين الإثيوبيين بالزراعة بالمنطقة – أن الجانب الإثيوبي هوة من بدأ بإستفز القوات السودانية خاصة وأن العمدة هدد بفعل ذلك عنوة .

(3) المدي الزمني القصير بين دخول سرية المُشاة الإثيوبية مرافقة لميليشيا الزارعين الإثيوبيين في 26 مايو وبين تعامل القوات المُسلحة السودانية بالإشتباك معها ومع الجيش الإثيوبي في 28 مايو بعد معاودة الميليشيا الإثيوبية دخول الأراضي السودانية مُسندة بفصيلة من الجيش الإثيوبي , هذا المدي الزمني القصير يُشير إلي أن المخابرات والقوات المسلحة السودانية كان لديهما علم مُسبق بالتحركات الإثيوبية , وبالتالي كان هناك قرار سوداني مُسبق بالتعامل الفوري مع الإنتهاكات الإثيوبية وفقاً لتطورها وهو ما حدث .

(4) تغيير نمط التعامل السوداني مع الإنتهاكات الحدودية للإثيوبيين سواء من قبل المزارعين أو الجيش الإثيوبي ليكون نمطاً طبيعياً وليس مُصطنعاً كعهد البشير , فقد كانت دائماً هذه الإنتهاكات ما تمثل إهانة للمُؤسسة العسكرية السودانية , لكن كان النظام العسكري الذي قاده البشير لثلاثين عاماً قادراً علي إبتلاعها وتجاوزها بدم بارد , وكان معظم إن لم يكن كل القادة العسكريين السودانيين الحاليين وخاصة هؤلاء الذين بالمجلس السيادي الإنتقالي جزءاً من هذه المؤسسة العسكرية , وهم أنفسهم هم الذين قرروا الآن تغيير نمط التعامل مع هذه الإنتهاكات الإثيوبية التقليدية لسيادة السودان علي أقاليمه .

إنعكست هذه النظرة التي آمن بها نظام البشير علي تناوله لقضية النزاع الحدودي , فلم يستطع نظام البشير حسم هذا النزاع والتمسك بسيادته علي إراضي الدولة , ومما يؤكد ذلك إجتماعات اللجنة الأمنية التي تولت تناول النزاع فاللجان الأمنية والعسكرية المُشتركة المُتعلقة بأمن الحدود المُشتركة كانت تُعقد بصفة تكاد وأن تكون مُنتظمة وكان هناك تفاهم بين حكومتي السودان وأثيوبيا منذ عام 1995 بجعل المنطقة الحدودية بين البلدين خالية من القوات المسلحة للبلدين  وأقتصر الوجود السوداني بالفشقة علي كتائب الدفاع الشعبي والمليشيات المسلحة الأثيوبية فقط , وهي التي كانت ومازالت القوات المسلحة الإثيوبية تساندها في كل إنتهاك حدودي بالفشقة , وكمثال علي تناقص الإردة السياسية السودانية في عهد البشير لحسم النزاع أو علي الأقل إظهار القوة والبأس السودانيين في تناوله أعمال اللجان المعنية ومنها مثلاً :

– الإجتماع العاشرللجنة تنمية الحدود الإثيوبية / السودانية الذي عُقد بمدينة جامبيلا الإثيوبية لمدة ثلاثة أيام بدءاً من 19 أكتوبر 2007 وشارك فيه 150 شخص من الرسميين والفعاليات الشعبية , وترأسها عن الجانب السوداني والي القضارف وعن الجانب الإثيوبي حاكم إقليم جامبيلا الإثيوبي , ونقل الإعلام السوداني وقتها عن رؤساء أقاليم أمهرا وجامبيلا وتيجراي الإثيوبية قولهم أن هذا الإجتماع سيعزز العلاقات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية والزراعية , وكانت هذه اللجنة في إجتماعها الثامن قد أوصت بالإسراع في عملية ترسيم الحدود  بين البلدين خاصة مع تكرار إختراق المزارعين الإثيوبيين للحدود السودانية والزراعة في مناطق بالقلابات السودانية , ومع ذلك ظل الوضع كما هو أي إستمرار دخول المزارعين الإثيوبيين لمناطق الفشقة وجوارها بحماية الجيش الإثيوبي وغض الجيش السوداني الطرف عن تلك الإنتهاكات مما شجع الجانب الإثيوبي لجعل هذه الإنتهاكات قاعدة لا إستثناء .

– إجتماع الدورة الحادية عشر المعنية بالمسائل العسكرية في 18 أغسطس 2014 في أديس أبابا التي توصلت إلي إتفاق بإنشاء قوة عسكرية مشتركة من البلدين بقيادة موحدة لتأمين الحدود تعمل في 8 مواقع لمواجهة المهددات الحدودية وأن هذه القوة سيتم تمركزها في هذه المواقع في سبتمبر 2014 , وقد علقت صحيفة Sudan Tribune علي هذا بأنه وإزاء عدم ثقة الرأي العام بالبلدين في تصريحات الحكومة الإثيوبية وحكومة الرئيس البشير بهذا الشأن فإن الجانبان يحاولان التوصل لإتفاق يضع نهاية لخلاف قديم , وأحالت علي مسئوليين إثيوبيين قولهم أن إتفاقاً أمنيا يضع نهاية لهذا الخلاف الحدودي يعتبر أمراً ضرورياً في إستراتيجية الدفاع الإثيوبية فهو يمكنها من تجنب أي نشاط هدام Sabotage محتمل ضد مشروع سد النهضة الذي يقع علي مسافة 40 كم من الحدود السودانية / الإثيوبية , لكن وبالرغم من كثير من التصريحات الإيجابية في شأن النزاع المزمن علي الحدود ,فإن الموقف بشأنه ما لبث أن إشتعل مجدداً ففي 30 يونيو 2014 نشرت بعض وسائل الإعلام ومنها وسائل إثيوبية أن الموقف الحدودي عاد للتأزم بعد أن قتلت قوة إثيوبية مجهولة بإستخدام المورتار والأسلحة الآلية جندياً سودانيا بالمنطقة الحدودية بين البلدين وأن القوات السودانية ردت علي الفور علي مصدر النيران .

– نشرت صحيفة Sudan Tribune وبثت إذاعة Dabanga في 16 يناير 2016 أن اللجنة الفنية المعنية بإعادة رسم الحدود تخطط لإستكمال عملها هذا العام وأحالت علي رئيس الجانب السوداني باللجنة قوله ” إن عملية ترسيم 725 كم من الحدود تمضي قدما بشكل جيد ” , وتزامن مع هذا التصريح تصريح آخر لوزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور أشار فيه إلي أن الحكومتان الإثيوبية والسودانية تتعاونان لتطويق أنشطة العصابات بولاية القضارف السودانية بشرق السودان , وأكد في تصريحه علي أن منطقة الفشقة منطقة سودانية (تبلغ مساحتها 250 كم مربع وبها 600,000 فدان تُروي من أنهار العطبرة وستيت و Baslam ) , وأن الحكومة السودانية في إطار إتفاق ثنائي مع إثيوبيا تسمح للمزارعين الإثيوبيين بتجاوز الحدود الإثيوبية للزراعة في هذه المنطقة السودانية , ومازال الخلاف الحدودي لم يسو ثنائياً بعد .

– كان آخر اللجان المعنية بالنزاع “اللجنة المُشتركة المكونة من سلاحي مُشاة البلدين” التي عقدت دورتها السابعة والعشرين بولاية كسلا بشرقي السودان في 14 مارس 2018 , كذلك عقدت اللجنة الأمنية المُشتركة علي مستوي المنطقتين الحدوديتين لولاية القضارف ومحافظة Amhara الإثيوبية إجتماعها الأخير في أكتوبر 2017 بمدينة بحر دار الإثيوبية , وهو الإجتماع الذي في نهايته رفعت توصية بإنشاء قوة مُشتركة علي طول الحدود المُشتركة (سبق وأن اقترح في الإجتماع 14 للجنة الفنية المُشتركة في مارس 2016 بالخرطوم موضوع إنشاء وحدات حدودية مُشتركة) , وهو نفس الإقتراح الذي قدمه السودان للجانب المصري , ولم يرد عليه الجانب المصري , ويجدر بالذكر أن محافظ منطقة  Amhara الإثيوبية جدد في الإجتماع جدية الحكومة الإثيوبية في وقف كل الإعتداءات التي يقوم بها المزاعين الإثيوبيين بالأراضي السودانية ومحاربة كافة أنواع التهريب للسلع وللسلاح والمخدرات . * 10   Sudan Tribune ) أكتوبر 2017)

إن حق السودان في هذه المنطقة الحدودية كان ومايزال واضحاً لنظام البشير ومن بعده إذ يؤكده ما ورد بتقرير سري صادر عن مصلحة المساحة السودانية تحت رقم 8 بتاريخ 11 مارس 1966 , فقد ورد بالتقرير أن الحدود مع الجزء الجنوبي من إثيوبيا (فالشمالي منها يعني أرتريا) تمتد من  عند تقاطع خط العرض 6 درجة شمال مع خط الطول 35 درجة شرق جرينتش إلي بحيرة رودلف , وأن الحدود بهذه المنطقة تخضع لأحكام الإتفاقية المعقودة بين الحكومتين البريطانية والإثيوبية في 6 ديسمبر 1907 , وكان الغرض من تلك الإتفاقية تنظيم الحدود بين كل من إثيوبيا وشرق أفريقيا البريطانية( الجزء الشمالي الشرقي من السودان وقتذاك) وأوغندا (الجزء الجنوبي الشرقي من السودان حالياً) , وقد وقع الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني علي النسخة الأمهرية من هذه الإتفاقية لكنه لم يُوقع علي النسخة الإنجليزية , وأصبح السودان بعد عقد إتفاقية 1914 (المعروفة باسم خط أوغندا) بينه وبين أوغندا مُلزماً تلقائياً بإتفاقية 1907والتي أُرفق بها خريطة توضح باللون الأحمر الحدود المُقترحة التي يُشار إليها بالخط الأحمر , وفي نوفمبر 1910 تم إخطار مجلس الوزراء الإثيوبي للوزير البريطاني بأديس أبابا بأن الحكومة الإثيوبية لا توفق علي التحديد الذي قام به الماجور كوين ,انها تعتبر الخط الأحمر المُبين بالخريطة المُرفقة بمعاهدة 1907 هو الحد النهائي , ورد الجانب البريطاني بأنه لا يوافق علي ذلك الرأي , ووفقاً لرأي المساحة السودانية أن هذا الخط الأحمر يُوضح الخطوط العريضة للحدود بالمنطقة وأنه قابل للتعديل حسب المعالم الطبيعية والحدود القبلية  ووفقاً لتصريحات متكررة من المسئولين بالبلدين فإن هناك إتجاه لتسوية هذا النزاع الحدودي لكنها كانت ومازالت مجرد تصريحات منها تصريح أدلي به علي كرتي وزير خارجية السودان بمناسبة زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn للخرطوم في 3 ديسمبر 2013 أشار فيه إلي ” أن السودان وإثيوبيا أنهيا خلافهما الحدودي بمنطقة الفشقة وأن الرئيسان سوف يوقعان وثيقة تاريخية تضع الخطوط الحدودية بصفة نهائية ” وهو ما لم يحدث بلطبع حتي الآن لأن الإثيوبيين يريدون الإستيلاء علي هذه المنطقة برمتها كما تشير واقعة إنتهاكهم للحدود الأخيرة في 26 مايو 2020 , من جهة أخري صرح وزير الخارجية الإثيوبي Tederos Adhanom بأن ” الجانبان يعملان علي جعل الحدود هادئة سلمية بينهما ” , وهو مالم يحدث أيضاً , لكنه يُؤكد أن الإتجاه الإثيوبي هو جعل الموقف Ipso Facto , كل ذلك رغم أن هناك إتفاق وقعه عسكريين من الجانبين في ولاية   Gambellaالإثيوبية عقب زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي للخرطوم في ديسمبر 2013 يقضي بالعمل المُشترك لوضع تدابير من شأنها مواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية بتأمين السلام علي حدودهما المُشتركة  .

تحري النظام العسكري السوداني منذ إنقلابه علي النظام المُنتخب ديموقراطياً في 30 يونيو 1989 نهجاً توافقياً مع النظام الحاكم في إثيوبيا وكان من بين أهم دوافع نظام البشير في هذا النهج تردي العلاقات مع مصر/ مبارك وهو نظام أعمي عاني منذ توليه السلطة بمصر من حالة أمية إستراتيجية بحيث إستجاب لتطبيق الإملاءات الأمريكية التي من بينها معاداة أي نظام إسلامي ومن بين هذه الأنظمة نظام البشير الذي لم يكن من الوجهة الواقعية إسلامياً بل تشكيل عصابي بتمويه Camouflage إسلامي مظهري أعلن عن مسئوليته عن مشروع حضاري إسلامي لم ينعكس تنموياً علي السودان , ويكفي أن دستور 1998 خلا من أي إشارة مباشرة تعني أن نظام الحكم بالسودان “إسلامي” بل أني سمعت بنفسي من د . غازي صلاح الدين (أحد عناصر الحكم آنئذ) في أحدي الندوات السياسية يقول : ” أن مصر هي التي تعلن أنها نظام إسلامي فالمادة الثانية من الدستور المصري تشير إلي أن : ” الإسلام دين الدولة ، واللغة العربية لغتها الرسمية ، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع” , وما حدث هو تنامي   العلاقات الإثيوبية / السودانية في عهد البشير حتي وصلت إلي حد التحالف وربما وحدة الأمن القومي بين الدولتين , ومما يؤكد ذلك أنه في خطاب جماهيري للرئيس عمر البشير  في 4 ديسمبر 2014 بمناسبة تدشينه ورئيس الوزراء الإثيوبي لشبكة الربط الكهربائي بين البلدين بولاية القضارف المُتاخمة للحدود مع إثيوبيا أشار إلي ” أن السودان تدعم إقامة هذا السد (سد النهضة) لأنه سيحظي بنصيب كبير من الكهرباء المُولدة من السد ” وأوضح  قائلاً ” ساندنا سد النهضة لقناعتنا الراسخة أن فيه فائدة لكل الإقليم بما فيها مصر وسنعمل عبر اللجنة الثلاثية الدولية لتقييم سد النهضة يداً بيد لما فيه مصلحة شعوب المنطقة ” وفي إشارة لها أكثر من مدلول قال” نحن أصلاً شعب واحد والسودان هو جزء من الحبشة الكبري التي كانت تضم الصومال وإرتريا وجيبوتي وإثيوبيا لكن الحدود التي وضعها المُستعمر هي التي فرقتنا ” , وأكد ذلك لاحقاً حين صرح في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين بثته وكالة الأنباء السودانية في 4 أبريل 2017 وأشار إلي ” إنه لا سقف للتعاون بيننا في المجال الأمني إذ إن أمن أثيوبيا هو أمن السودان , وأمن السودان هو أمن أثيوبيا ” , وهو ما أمن رئيس الوزراء الأثيوبي ديسالين عليه بقوله ” إن ما يمس أثيوبيا ينعكس على السودان ، وإن ما يمس السودان ينعكس على إثيوبيا , لذلك فإن البلدين مصممان على التعاون الوثيق في هذه المجالات كلها ” .

لذلك كله ففي تقديري أن هذا التغيير – إن إستمر – بالإضافة إلي أنه كان قراراً صائباً للمجلس السيادي أملته عليه الضرورة وماضي التنازلات غير المُبررة لنظام البشير مقابل الإنتهاكات الإثيوبية للحدود والموارد الطبيعية السودانية , إلا أنه لا شك في كونه تغيير أملته أيضاً ضغوط ممزوجة برغبات خارجية بفعل الضغوط الداخلية خاصة الإقتصادية والأمنية التي يواجهها المجلس السيادي (في شقه العسكري) , فهؤلاء العسكريون الحاليون (البرهان وصحبه) كانوا جزءاً من نظام البشير الفاسد الذي درج دائماً في علاقاته بإثيوبيا علي التنازل المهين غير المُبرر في عدد متنوع من القضايا منها قضية سيادة السودان علي أراضيه (الفشقة) وقضية مياه النيل (سد النهضة) إذ لم يحصل السوادان حتي آخر جولات التفاوض بشأنه في واشنطن علي ضمانات تتعلق بأمان السد وهو الأمر الوحيد الذي كان مصدر تحفظ خفيف للمفاوض السوداني , أما بخصوص السيادة علي الأراضي فمازال الإتهام لنظام البشير سارياً بتفريطه فيها فبعد إنفصال جنوب السودان وإعلان إستقلاله في 9 يوليو 2011 بناء علي رضوخ هذا النظام – بعد حروب مُكلفة ومُتقطعة مع التمرد الجنوبي المُسلح – بالتوقيع علي إتفاق السلام الشامل في يناير 2005 الذي تضمن إعتراف النظام السوداني بحق الجنوبيين في ممارسة حق تقرير المصير , وبالتالي فمن فرط في 619745 كم مربع من أراضي الدولة لن يصعب عليه التفريط في منطقة الفشقة الواقعة علي طول الحدود السودانية / الإثيوبية  بمسافة 168 كيلومتر والتي تبلغ مساحتها الكلية 5700 كيلومتر مربع , وهي من أخصب أراضي السودان , يُضاف إلي ذلك أنه لم يفتح بجدية مع الحكومة الكينية ملف منطقة مُثلثIlemi Triangle  ((14,000 كم مربع) , وكان النزاع الحدودي المفتوح وبقوة وأثر علي أحد دوائر العلاقات الثنائية هو مثلث حلايب مع مصر .

مما تقدم يتضح أن هذه الإشتباكات الحدودية ليست بجديدة في حد ذاتها لكن الجديد فيها توقيتها فهي تأتي في توقيت يحاول السودان فيه – بتنسيق مع مصر- جذب إثيوبيا لإستئناف مفاوضاتهم الثلاثية لحل معضلة سد النهضة وهو ما تتجنبه إثيوبيا لأسباب مختلفة , كما أن الجديد أيضاً تناول السودان للإشتباكات علناً وعدم التكتم عليها كما فعل نظام البشير , خاصة وأن إثيوبيا لم تكترث بالنتائج التي إنتهت إليها الإجتماعات الأمنية المُتكررة مع السودان ومن أهمها الإجتماع الذي عُقد في بحر دار بإثيوبيا في أكتوبر 2017 ووُقع في نهايته علي إتفاق بإنسحاب قوات الجانبين من منطقة الحدود وتمركز قوات مُشتركة علي حدود البلدين لمكافحة تهريب البشر والسلع والذخائر والعصابات الخارجة عن القانون , لكن وبالرغم من أن وزير الخارجية السوداني إجتمع بالسفير الإثيوبي بالخرطوم في 31 يوليو 2018 وأثار معه مسألة ضرورة إستئناف أعمال تعليم الحدود المُشتركة لمنع التعدي علي الأراضي الزراعية ( وفقاً للمصادر السودانية فإن الإثيوبيين يضعون أياديهم علي نحو مليون فدان بمنطقة الفشقة وأن هذه المنطقة عُزلت تماماً عن سيطرة وسيادة السودان عليها) مما تسبب في مواجهات بين المزارعين الإثيوبيين والسودانيين يقع علي أثرها ضحايا من الجانبين , إلا ان إثيوبيا ظلت تماطل في تحقيق ذلك .

إن مغزي هذه الإشتباكات واضح – وفقاً لما تقدم – وهو أن شراهة الإثيوبيين للمياه لا حد لها , فها هي إثيوبيا تحاول الإستيلاء علي مياه نهر العطبرة بالأراضي السودانية ويستولي مزارعيها تحت حماية الجيش الإثيوبي علي ما يربو عن مليون فدان من أخصب الأراضي الزراعية بالعالم بالفشقة والقضارف , وإن لم يُعتبر ذلك الموقف إنتهاك لسيادة السودان وحقوق شعبه الآن فمتي يُعتبر ؟ السوابق والدلائل الحالية الناجمة عن السلوك التفاوضي الإثيوبي في قضيتي سد النهضة و تعليم الحدود الإثيوبية / السودانية تؤكد النهج التوسعي الإثيوبي للسيطرة علي المياه والأراضي وليست أطماع إثيوبيا في الصومال وإستيلاءها علي الأوجادين بخافية أو غير مُعبرة عن هذه الحقيقة , إن بقاء السودان لثلاثين عاماً في يد نظام مُتناقص القوة كنظام البشير ضيع السودان موارده البشرية والطبيعية وجعله بلا هيبة في الإقليم لدرجة أن نظام ضعيف وتحت الحصار كالنظام الأرتري نشرت في مارس 1997 خريطة جديدة تضم مساحة واسعة واسعة من الأراضي السودانية في منطقة طوكر والتي بها مشروعين زراعيين هما : مشروع القاش (400,000 فدان) ومشروع طوكر الزراعي (46,000 فدان) .

إن الإثيوبيين كالإسرائيليين يتبعون نهج “فرض الأمر الواقع” ولهذا كان من خطأ جسيماً أن تدع السلطات السودانيين – ولفترة طويلة حتي الآن – المزارعين الإثيوبيين يتمتعون بحماية الجيش الإثيوبي لدرجة أُتيحت لهم حرية الزراعة بل ونقل الحصاد إلي الداخل الإثيوبي , كذلك لم تعبأ إثيوبيا برد فعل السودان فيما لو إستمر إنتهاك مزارعيها لأراضيه وإستباحتها بالرغم من المستوي العالي من العلاقات الذي تحقق في عهد البشير , وفي تقديري أن إثيوبيا الآن وهي علي وشك إنهاء أعمال سد النهضة ووصول مفاوضات واشنطن إلي نقطة الحسم ما جعل الأطراف المفاوضة الثلاث وجوهها إلي الحائط , تعتقد أنها في غير حاجة الآن إلي الموقف السوداني في المفاوضات خاصة وهي تعلن أنها تستعد لملأ بحيرة سد النهضة بغير حاجة لإخطار و / أو موافقة مصر والسودان .

أما عن المدي الذي قد يصل إليه بتداعياته , فإنه لن يصل إلي درجة مواجهة عسكرية ممُتدة لأن كل من إثيوبيا والسودان منهكتين داخلياً بما فيه الكفاية , لكن هذا لن يمنع من تعقد القضية سياسياً وتأثيرها علي مواقف إثيوبيا والسودان في علاقتهما الثنائية في الفترة القادمة , أما عن مصر فهي لن تتورط عسكرياً إلي حد الإقتراب من خطوط التماس بين إثيوبيا والسودان لأن القدرات المصرية مُستنفذة أو تكاد في الإتجاهات الغربية (ليبيا) والشرقية (سيناء) وربما الشمالية لاحقاً (شرقي المتوسط) , لكنها ستحاول وضع نتيجة الإشتباكات الإثيوبية / السودانية في مجري مصالحها الإستراتيجية خاصة تلك المُتعلقة بمياه النيل .

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here