السفير بلال المصري: إمكانية إقتراب مصر العسكري المُحتمل من مصدر تهديد أمنها القومي

 

 

السفير بلال المصري

منذ أن وضعت إثيوبيا رسمياً حجر الأساس في  2 أبريل 2011 إيذاناً ببدء إقامة سد النهضة علي مجري النيل الأزرق علي بعد 20 كم من حدودها مع السودان , بدأت العسكرية المصرية علي التوازي في وضع هذا المشروع موضع الخطر المُحتمل علي أمن مصر القومي , ومع الفشل المتكرر لجولات التفاوض بين مصر وإثيوبيا والسودان ,آخرها جولة واشنطن التي إنتهت بالفشل حيث رفضت حضور مراسم التوقيع علي الإتفاق , وأما السودان فحضر لكنه رفض التوقيع , أم الولايات المتحدة التي رعت وزارة خزانتها هذه الجولة التفاوضية فأصدرت بيان بتاريخ 28 فبراير 2020 أشار إلي ” أنه  تمشيا مع المبادئ المنصوص عليها في إعلان المبادئ لعام 2015 ولا سيما مبادئ عدم التسبب في ضرر كبير لبلدان المصب ، فلا ينبغي أن يُجري الاختبار النهائي لعملية الملء دون اتفاق ” و ” أن المعايير الدولية للأمان يجب أن تُستوفي قبل أن يبدأ الملء” , وهو ما رفضته إثيوبيا ببيان رسمي أشارت فيه إلي ” أنها مالكة سد النهضة وستبدأ الملء الأول له بالتوازي مع بناءه وبالتوافق مع مبادئ الإستخدام العادل والمعقول وعدم التسبب في ضرر ” , وبعد فشل هذه الجولة التي عولت علي نجاحها مصر بإعتبار ما تعتقده من نفوذ أمريكي علي أطراف التفاوض , وهو ما لم يكن إعتقاداً واقعياً , بعد ذلك توجه وزير الخارجية المصري إلي 7 دول عربية في جولة دبلوماسية بدأت في 7 مارس 2020 ثم زار بلجيكا وفرنسا في 11 مارس ثم زار 7 عواصم أفريقية بالتوازي مع توجه وفد عن الخارجية المصرية لدول عربية أخري  بهدف بناء مواقف مواتية من هذه الدول تدعم موقف مصر في أزمتها مع إثيوبيا بشأن سد النهضة  , وأخيراً وجهت مصر بتاريخ الأول من مايو 2020 رسالة لرئيس مجلس الأمن الدولي لإحاطته  في 17 صفحة بأزمة سد النهضة , هذا في الوقت الذي قامت فيه إثيوبيا بحملة موازية مُضادة للحملة المصرية .

من الواضح إذن , أن الجهد الدبلوماسي المصري إستنفذ أغراضه فإثيوبيا منذ الإعلان عن إقامة هذا السد / الأزمة وضعت تصميمين أحدهما هندسي بمواصفات تتجاوز القانون الدولي ومصالح والأمن القومي لدولتي المصب أي مصر والسودان والآخر دبلوماسي / سياسي تأسس علي مبدأ إستهلاك الزمن وبعثرة إمكانيات الخصم المفاوض وخاصة مصر التي كانت حبال صبرها كحبال من رمال ناعمة , ولذلك لم يعد أمام مصر إلا الخيار العسكري أو علي الأقل الحديث عن الخيار العسكري والذي حتي لو إفترضنا أن مصر ستمضي بثبات نحو الأخذ بإصرار بهذا الخيار فإنها تكون قد أبرأت ذمتها أمام المجتمع الدولي الساكت عن جريمة إثيوبيا ماضية في إرتكابها وهي جريمة الإبادة الجماعية للأمة المصرية (أكثر من 100 مليون نسمة) التي ليس لهامصدر مائي إلا مياه النيل تشربها وتزرع بها أراضيها وتحقق بنصيبها الحالي منها(55,5 مليار متر مكعب) الحد الأدني من أمنها الغذائي , فسد النهضة لإثيوبيا خيار بين وضعين حياة بدونه أو حياة أفضلبه  أما مصر فالسد بمواصفاته الفنية تلك موت مُحقق لها .

فيما يتعلق بالخيار العسكري ثار الحديث عنه مُجدداً بعد أن نشر موقع Juba T.V في 2 يونيو 2020 بالإحالة علي مصدر عسكري رفيع المستوي لم يسمه قوله : ” أن  حكومة جنوب السودان وافقت علي طلب مصر لبناء قاعدة عسكرية في بلدة Pagak (معقل سابق للمعارضة الجنوب سودانية المسلحة التي قادها Riek Machar خصم الرئيس  Salva Kiir في الحرب الأهلية بين فريقهما ديسمبر 2013 – أغسطس 2018) , وأن هذه القاعدة سيتواجد بها نحو 250 من القوات المُسلحة المصرية إستعداداً لتبعات إقامة سد النهضة الإثيوبي العملاق الذي تُعارض مصر مواصفاته” , لكن المصدر أوضح من جهة أخري أن : ” حكومة جنوب السودان وجيش الدفاع الشعبي لجنوب السودان وافقا علي تخصيص قطعة أرض لأخواننا المصريين الذين طلبوها علي أن تكون في شرقي جنوب السودان لتمركز قواتهم التي ستساعد في تنمية الجنوب ” , وأضاف الموقع عن مسئول آخر بوزارة خارجية جنوب السودان تصريحه لوكالة أنباء جنوب السودان الآن SSNN بقوله : ” أن هذه الأرض ستستخدم فقط لأغراض التنمية التي تعهدت مصر أن تمد حكومة الجنوب بها ”  .

لم يصدر تكذيب رسمي من حكومة جنوب السودان علي ما تقدم كما لم تُؤكد أو تنفي مصر ذلك , لكن مصدر إعلامي آخر بجنوب السودان هو موقع The National Carrier سارع في 3 يونيو ونشر بالإحالة أيضاً علي “مصادر عسكرية بجنوب السودان” إنكارها أن يكون هناك ثمة إتفاق توصلت إليه حكومة جنوب السودان مع مصر يتيح للأخيرة بناء قاعدة عسكرية في بلدة Pagak بولاية أعالي النيل المتاخمة لحدود جنوب السودان مع إثيوبيا , كما أحال هذا الموقع علي مصدر عسكري جنوبي آخر قوله أن هناك إتفاقية دفاع مع إثيوبيا ولا يمكن لحكومة الجنوب أن تنتهكها خاصة وأن إثيوبيا ساهمت في بناء دولة جنوب السودان .

لكن وبالرغم من النفي السريع لمسألة قاعدة مصرية بجنوب السودان إلا أن الأمر قد يتطلب في غياب الإثبات والإنكار الرسمي من جنوب السودان ومصر – كل من زاوية رؤيته للأمر – أن نستعرض إمكانية إقتراب مصر العسكري من إثيوبيا إنطلاقاً من جنوب السودان وهو ما يمكن أن يتضح من خلال الحقائق التالية التي تتعلق بالأطراف المعنية بهذه المسألة ومن بينها مايلي  :

1- أن حكومة جنوب السودان نفسها تتبني موقف يكاد وأن يكون مواز للموقف الإثيوبي من مسألة مياه النيل فحكومة الجنوب لم تعترف بعد ولن تعترف بإتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل المُوقعة بالقاهرة بين مصر والسودان في 8 نوفبر 1959 بل إنها كانت علي وشك التوقيع علي الإتفاق الإطاري الذي أُعلن عنه عام 2010 والمُوقع تباعاً بمعرفة إثيوبيا وأوغندا وبورندي ورواندا وكينيا وهو الأتفاق الذي يُنكر علي مصر والسودان حقوقهما التاريخية في مياه النيل ورفضتا توقيعه , وصحيح أن جنوب السودان أعلن مسئوليه فيما بعد بدء الحرب الأهلية في منتصف ديسمبر 2013 – التي دعمت فيها مصر بقوة نظام الرئيس Salva Kiir – عن أنه لا مساس بمصالح مصر المائية , إلا أنه وعلي نحو مُناقض وقبل ذلك أدلي وزير ري وموارد المياه بجنوب السودان Paul Mayom Akec بتصريح وصف فيه توقيع بلاده إتفاق الإطار التعاوني بحوض النيل (إتفاق عنتيبي ) بأنه ” أمر لا مفر منه وأن عملية الإنضمام لهذا الإتفاق بدأت علي كل مستوي أجهزة الدولة بجنوب السودان وأن بلاده ستشرع في تطبيق الإتفاق حالما يصدق عليه البرلمان ” *(1) ولولا إشتعال الحرب الأهلية بين نظام الرئيس Kiir وبين خصمه ونائبه السابق Machar في 15 ديسمبر 2013 لوقع جنوب السودان الإتفاق الإطاري لسبب بسيط وواضح وهو أن أمنه القومي مرتبط بجواره الأفريقي المباشر وخاصة مع كينيا وإثيوبيا , وليس بجواره المباشر مع السودان ولا غير المباشر مع مصر , وما التحالف الذي يبدو وكأنه تحالف بين مصر وجنوب السودان وأوغندا إلا تحالفاً شعورياً آنياً بحتاً مرتبط بمصالح موقوتة سرعان ما تتحقق أو تتآكل خاصة بعد إنجاز سد النهضة وتوليد طاقته الكهربائية (6,500 ميجاوات) للتصدير .

2- أن جنوب السودان بعد إنفصاله عن السودان وإعلان إستقلاله عنه في 9 يوليو 2011 مازال وسيظل يتبني الموقف الرافض الذي تبناه وأكده جون جارانج في رسالة الدكتوراه التي حصل عليها من جامعة Iowa State University الأمريكية بشأن شق مصر والسودان لقناة جونجلي لحصد مياه الأمطار المُهدرة في منطقتي مشار والسد بجنوب السودان بإعتبار أنها قناة مُدمرة للبيئة الطبيعية هناك , وعليه أصبحت القناة هدفاً للتمرد الجنوبي المُسلح الذي أقدم في فبراير 1984 علي تدميرالحفار العملاق المُستخدم في الحفر فتوقف العمل بالمشروع بعد شق 100 كم منه وتبقي 70 , وكانت شائعات قد سرت وقتذاك بأن مصر ستوطن 2 مليون فلاح مصري بالمنطقة , وبالطبع فإن هذا الموقف مُضاد لمصالح مصر المائية وهي التي كانت تعول علي تعويض الفاقد من مياه النيل وتزايد الطلب المصري علي مياه النيل بتنفيذ مشروع جونجلي الذي كان سيحقق لمصر والسودان معاً وفراً قُدر بنحو4,7 مليار متر مُكعب عام تُوزع علي البلدين بالمناصفة أي 2,35 مليار متر مُكعب/ عام لكل منهما , ويُؤكد ذلك نشرة لوزارة الري المصرية *(2)عنوانها ” المياه وموقف مصر ” أشارت إلي ما نصه : ” علي الرغم من ثبات حصة مصر من مياه النيل عند 55,5 مليار متر مُكعب/ عام , إلا أن الوزارة (وزارة الأشغال العامة والموارد المائية) تتوقع زيادة كمية المياه المُتاحة بين عامي 1990- 2017 وذلك من خلال تنفيذ مشروعات أعالي النيل مثل قناة جونجلي , وهي أحد المشروعات التي تسعي الدولة جاهدة لتنفيذها , حيث ستُوفر لمصر حوالي 2 مليار متر مُكعب / عام من مياه النيل , ولكن هذه الزيادة لن تكون كافية لمواجهة الطلب المُتزايد علي المياه , لذا ستكون عمليات إعادة إستخدام المياه ذات أهمية قصوي في المُستقبل” , من جهة أخري أكد ذلك المهندس أحمد بهاء الدين رئيس قطاع مياه النيل بوزارة الري المصري في تصريح  صحفي له *(3) بقوله ” إن إعادة إحياء مشروع قناة جونجلى قرار سياسى بالدرجة الأولى وأن مصر حريصة على التواجد فى جنوب السودان ودعم الأشقاء هناك ، وأن حكومة جوبا فى الوقت الحالى تعطى أولوية لمشروعات البنية التحتية للاستفادة المجتمعية “.

3- تُعد مشروعات الطرق سواء البرية أو الحديدية أو المشروعات المينائية بالقرن الأفريقي الكبير Greater Horn of Africa وفقاً للمصطلح الأمريكي الذي تعد جنوب السودان أحد دوله مفتاحاً لفهم ثم توقع إستعداد جنوب السودان لإمتلاك جسارة أن تكون تمنح قاعدة عسكرية لمصر تدفع بدولة جنوب السودان للدخول في معادلة جيوسياسية أكبر من طاقتها السياسية وآمالها الإقتصادية لبناء وطن علي أنقاض حروب مُتصلة آخرها الحرب الأهلية 2013- 2018 والتي دمرت بنيتها التحتية تماماً  خاصة وأن إثيوبيا وجنوب السودان مُدرجتان معاً أو أحدهما في مشروعات الطرق المُشار إليها والتي بتنفيذها تتناقص حدة التتداعيات الإقتصادية السلبية جراء كونها دولتين حبيستين Landlocked , ومن بين أهم هذه المشروعات مشروع ممر النقل Transport Corridor الذي يربط ميناء Lamu بكينيا علي المحيط الهندي بجنوب السودان وبإثيوبيا , وقد نشرت صحيفة Guardian Mail في 26 يوليو 2015 أن هذا المشروع الذي يقع في إطار برنامج يُدعي Lapsset تبلغ تكلفته التقديرية 26 مليار دولار , ويتضمن أعمال إنشاء ستة مراسي Berths بالمياه العميقة ووحدة تحلية مياه ومحطة لتوليد الكهرباء تعمل بالغاز السائل وخط بترول , وتؤكد الحكومة الكينية مراراً أنها عازمة علي إكمال هذا الميناء الثاني لكينيا ليكون إحتياطيا لميناء Mombasa بإعتباره مشروعاً مفتاحياً لدفع التجارة بين كينيا وجنوب السودان وإثيوبيا , وُشار في هذا الصدد أيضاً للزيارة الرسمية التي قام رئيس جنوب السودان   Salva Kiir إلي إثيوبيا لمدة 3 أيام بدأت في 24 فبراير 2017 والتي أجري خلالها مباحثات لتعزيز التعاون الإقتصادي وأمن الحدود مع إثيوبيا , وقد أشار رئيس الوزراء الإثيوبي في تصريح له بشأن هذه الزيارة قوله ” إننا لا نريد أن نذهب بعيداً لنشتري البترول فيما جنوب السودان قريبة  منا ” , وأضاف فيما يتعلق بإنشاء طريق يربط البلدان : ” إن إثيوبيا تنشئ حالياً طريقاً من Dima إلي Raad وتنوي مد هذا الطريق لمسافة أطول حتي يصل إلي Boma كجزء من خططنا لتقوية الروابط الإقتصادية مع دولة جنوب السودان ” , ويُشار في هذا الصدد  أيضاً إلي أن هناك طرق من المُخطط إنشاؤها تربط إثيوبيا بجنوب السودان علي محور Gambella-Pagak-Palouge مع المحور الثاني الذي يربط  Dima-Raad-Boma-Bor , كذلك صرح وزير شئون رئاسة جنوب السودان Mayiik Ayii, Gai أثناء هذه الزيارة الرئاسية بقوله ” إن إنشاء الطريق يتزامن مع إقامة مصفاة لتكرير بترول جنوب السودان في ولاية أعالي النيل مُمولة من شركات سويسرية وأمريكية تبلغ طاقتها 100,000 برميل بترول / يوم ” , كما لابد من الإشارة إلي الإعلان الصادر في 30 يونيو 2015 بشأن توصل جيبوتي وإثيوبيا وجنوب السودان والسودان إلي توافق بشأن تأسيس سلطة لوجيستيكية أو ما يُدعي Djibouti Corridor Authority والعمل بمبدأ المنفذ الحدودي ذا التوقف الواحد أو One Stop Border Post من أجل تسريع إنسياب السلع والأشخاص , وأتفاق هذه الدول علي أن تبدأ سلطة جيبوتي بنهاية 2015 بهدف تقدم وإضطراد الأنشطة الإقتصادية بهذه المنطقة بمد طريق لنقل السلع براً وبالبحر لهذه الدول الأربع , وتسير هذه السلطة علي هدي لائحة السوق المشتركة للشرق والجنوب الافريقي COMESA , وبموجب ذلك تمنح هذه الدول الأربع لبعضها البعض الحق في المرور وتيسير حركة السلع عبر منطقتهم , وستستفيد كل من إثيوبيا وجنوب السودان من ذلك بحيازة الحق في الوصول ببضائعهما للتصدير و/ أو للإستيراد عبر موانئ السودان وجيبوتي , وذلك علي غرار ما يتم فعلاً في حالة سلطة تنسيق مسار النقل والعبورالشمالية Northern Corridor Transit and Transport Coordination Authority التي تأسست عام 1985 وتضم كل من بوروندي والكونجو الديموقراطية وأوغندا ورواندا وكينيا حيث تتمتع الدول الحبيسة الأعضاء بهذه السلطة أيضاً بميزة الوصول وإستخدام ميناء  Mombasa الكيني , هذا بعض ممما يمكن بيانه عن الإرتباطات المصلحة الإستراتيجية بين إثيوبيا وجنوب السودان والتي لا يُتصور منطقياً أن تضحي بها جوبا تحت أي ظرف فهي تتعلق بأمن جنوب السودان القومي الذي يعتبر مُعرضاً للخطر والتناقص بدون خفض إنحباس الدولة جغرافياً بمثل هذه المشروعات وغيرها .

4- بنفس الطريقة التي أعلن بها أو سُرب بها مسألة إقامة قاعدة عسكرية مصرية بجنوب السودان , سُرب أيضاً خبر إقامة قاعدة عسكرية مصرية بأرتريا إذ ذكرت منظمة عفار البحر الأحمر الديموقراطية RSADO المُعارضة لنظام الحكم القائم بإرتريا أن حكومة أسمرا أعطت مصر الضوء الأخضر لبناء والحصول علي قاعدة عسكرية علي الأراضي الأرترية بجزيرة (محلية) Nora أو Norah ثاني أكبر الجزر المسكونة بأرخبيل Dahlak والبالغ مساحتها حوالي 105 كم مربع , وأشارت المنظمة إلي أن وفداً عسكرياً وأمنياً مصرياً قام بزيارة لأسمرا مطلع أبريل 2017 للإتفاق علي تمركزعدد يتراوح ما بين 2000 إلي 3000 من عناصر البحرية المصرية بهذه القاعدة البحرية , وكان رد الفعل الإثيوبي العلني علي ذلك تصريح ما أدلي به Redda Mulgeta عضو حزب جبهة الشعوب الإثيوبية الجمهوري الديموقراطي EPRDF الحاكم بإثيوبيا أشار فيه إلي أن ” التحرك المصري لحيازة تواجد عسكري بأرتريا واضح وأن الدافع الذي لدي القادة المصريين من الحصول علي قاعدة عسكرية علي أراضي أرتريا خصم إثيوبيا هو تخريب سد النهضة العملاق بواسطة الجماعات الأرترية المعارضة المُضادة لإثيوبيا والجماعات الصومالية المتحالفة مع القاعدة , وأن مصر تأمل في إخضاع إثيوبيا للدخول معها في حرب بالوكالة بواسطة عدوتها أرتريا والمعارضة المحلية وحركة الشباب الصومالية”  * (5) , وكحالة ما يتعلق بخبر منح جنوب السودان مصر قاعدة علي أراضيها , فلم تنف أرتريا ولا مصر أكدت سعيها لإقامة قاعدة بحرية بجزيرة Norah  الأرترية إلي أن قام Abiy Ahmed رئيس الوزراء الإثيوبي بزيارته التاريخية للعاصمة الأرترية أسمرا في 8 يوليو2018 والتي أنهي بها عقود من العداء المُستحكم بين بلاده وأرتريا رد عليها الرئيس الأرتري  Isaias Afwerki بزيارة لأديس أبابا في 14 يوليو 2018 ولمدة 5 أيام , وبذلك لم يعد هناك ثمة أمل في مجرد الحديث عن إقامة القاعدة المصرية بأرتريا ناهيك عن أن هناك تداعيات جيوستراتيجية لا تتحملها أرتريا المحاصرة بموجب قرارات من مجلس الأمن الدولي والمُنهكة إقتصادياً , وبطبيعة الحال فقد حاولت مصر الحصول علي قاعدة عسكرية من جيبوتي لكن للآن لم يُثار أو يُعلن عن أن قاعدة مصرية بجيبوتي ولا الجانب الجيبوتي تكلم في هذا الشأن بالرغم من أن سفير جيبوتي في أنقرة صرح بأن ” بلاده مُنفتحة علي أي مدخل  تركي كإقامة قاعدة عسكرية  في جيبوتي لتأمين البحر الأحمر وأن أي تدابير تتخذها تركيا لإقامة هذه القاعدة مُرحب بها في جيبوتي ” *(7) , فمازالت مصر غائبة بقواعدها البحرية الممكنة عن المسرح البحري بخليج عدن وبساحل البحر الأحمر الأفريقي (السودان / أرتريا / جيبوتي / الصومال ) فيما أنضم إلي اللعبين القدامي من الدول الإستعمارية القديمة كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا والإمارات بل واليابان .

من جهة أخري لا يبدو أن إثيوبيا تكتفي بمتابعة التحركات المصرية الهادفة إلي إيجاد نقطة إرتكاز يسهل منها أن تنال مصر من سد النهضة , ففي 29 ديسمبر 2019 نُشر خبر نقلاً عن مصادر إثيوبية مفاده أن البحرية الإثيوبية ستتمركز في بقاعدة بحرية في Tadjoura على ساحل جيبوتي  بينما سيكون مقر قيادتها في بحر دار عاصمة منطقة أمهرة بشمال غرب   إثيوبيا بقيادة العميد Kindu Gezu  *(6) وهو أمر كان  ومايزال مصدراً لقلق مصر .

5- بالرغم من أن مصر دعمت نظام Salva Kiir في أزمة نظامه التي من تداعياته نشوب الحرب الأهلية ضد نائبه وخصمه Riek Machar قائد حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة SPLA-IO الذي إدعي دعم مصر عسكريا لنظام Kiir بل وأصدرت حركته بياناً تضمن أن القوات الجوية المصرية أسقطت ما لا يقل عن 9 قنابل ومتفجرات علي مواقع تابعة لحركة SPLA-IO تقع علي مقربة من قرية  Kaka بولاية أعالي النيل بجنوب السودان , كما حذر المتحدث العسكري للحركة العقيد William Gatjiath Deng ” من مغبة إستمرارالتمرد السوداني وتصعيد مصر لمشاركتها في الحرب القائمة حالياً بجنوب السودان *(8) , لكن كان الدعم الدبلوماسي والسياسي المصري لنظام الرئيس Kiir هو الأوضح ولا لبس فيه فعلي سبيل المثال أنه إزاء تدهور الأوضاع الأمنية بالجنوب خلال الحرب الأهلية التي إندلعت في 15 ديسمبر 2013 قادت الولايات المتحدة في الربع الثالث من أغسطس 2016 جهوداً تفاوضية في الأمم المتحدة لإستصدار قرار من مجلس الأمن للترخيص بزيادة إضافية لقوة حفظ السلام الأممية بجنوب السودان UNMISS بواقع 4000 عنصر للحماية ولتأمين العاصمة جوبا ودعم القوة الأممية لجنوب السودان UNMISS  المتواجدة هناك بالفعل وقوامها 12,000 رجل , وقد صدر هذا القرار بالفعل عن مجلس الأمن الدولي تحت الرقم   2304 بتاريخ 12 أغسطس 2016 مُتضمناً تجديد مهمة قوة حفظ السلام القائمة بالفعل في جنوب السودان حتي 30 يونيو 2017 , كما رخص بدعمها بعدد إضافي لتعزيز حماية المدنيين , وقد صوت ممثلي 11 دولة عضو بالمجلس بالموافقة علي القرار فيما إمتنع عن التصويت كل من ممثل الصين وروسيا ومصر وفينزويلا . فبينما كانت المُساندة المصرية لنظام  Kiir في جميع الإتجاهات أو كما يُقال Dans tous les azimutés , كانت المساهمة الإثيوبية الأكثر حسماً والأبعد مدي إذ أن إثيوبيا إختارت أن تلعب دوراً دبلوماسياً  في الحل الأزمة السياسية بجنوب السودان إلي أن وقع طرفي الحرب الأهلية إتفاقية أديس أبابا في17 أغسطس 2015 لتقاسم السلطة , وهو نفس ما فعلته إثيوبيا في الأزمة السياسية بالسودان بعد عزل البشير عن السلطة بفعل ثورة 19 ديسمبر 2018 بين قوي التغيير وتجمع المهنيين من جهة والعسكرين المُتبقين من نظام البشير , ونجحت إلي حد كبير في حل الأزمة أو علي الأقل تحريكها بعيداً عن الإحتراق  , وهو دور لم تشأ مصر أن تلعبه مع أنه أبعد مدي وأعمق تأثيراً , بل إكتفت في حالة أزمة الشمال بالتوقف عن الحركة , وفي الجنوب ساندت نظام Kiir هكذا وهو الذي يتمسك الآن بإتفاق عسكري وقعه مع الإثيوبيين ويعلن أنه لا يريد إنتهاكه .

في ضوء ما تقدم يمكن القول أن مسألة إقامة مصر قاعدة عسكرية لها بجنوب السودان مسألة ليس من الصعب تحقيقها بل هي في ظروف مختلفة وبإستخدام أدوات معينة في توقيتها المناسب كان يمكن إعتبارها سهلة المنال Attainable , لولا أننا أمام حقائق كالتي أوضحت قليلاً بعضها وهي حقائق تفرض علي المرء إستبعاد إمكانية إقامة مصر لهذه القاعدة , فالدنيا السياسية بالقرن الأفريقي تغيرت وتتغير بسرعة ولم تستطع الدبلوماسية المصرية وهيئات أخري اللحاق بها ووضعها في الإعتبار ومن ثم التعامل معها بكفاءة , وهو وضع يُسأل عنه نظام مبارك الذي كانت دبلوماسيته تتحرك بأقدام من رصاص ثقيل , وخسرت مصر وتخسر للآن جراء ذلك , كما يجب التنويه إلي أنه وبالرغم من أن هناك ثمة تغيير قد يطرأ علي العلاقات السودانية / الإثيوبية قد تستفيد منه مصر , إلا أن مبني العلاقات الإثيوبية / الإثيوبية الشاهق مُتعدد الأدوار الذي أقامه نظام البشير ليسع السودان وإثيوبيا من الصعب هدمه دفعة واحدة فالمبني نشأ لعلاقة ليناسب تحالف لا علاقة عادية محدودة , لذلك ليس لمصر الآن بسبب إرث مبارك في سياسة مصر الخارجية وخاصة الأفريقية من حلفاء أو علي الأٌقل شركاء يُوثق فيهم ويُعتمد عليهم كحالة نظامSalva Kiir Mayardit الذي ساندته مصر طويلاً حتي علي حساب أمنها القومي كما فعل نظام مبارك , وهاهو الآن يكتفي بمشاهدة مصر وهي تريد تحقيق أمنها القومي دون أن يفعل ما يجب علي الحليف فعله لحليفه .

الــقــاهــرة تــحــريــراً في 4 يونيو 2020

المراجع :

1-  جريدة الأهرام في 18 يونيو 2013 .

2- نشرة صادرة عن وزارة الأشغال العامة والموارد المائية Code : A- 2 A\ August 99 .

3- صحيفة “اليوم السابع” القاهرية في 5 أغسطس 2016 .

4- دراسة للسفير المصري بعنوان : ” مشروع الخط الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط والطفو علي تناقضات ومخاطر ” موقع المركز الديموقراطي العربي بتاريخ 10. مارس 2017 .

5- صحيفة SUDAN TRIBUNE بتاريخ  17 أبريل 2017 .

6- موقع Mediterranee PERSPECTIVES بتاريخ 29 ديسمبر 2019 .

7- موقع Redaction الفرنسي في 21 يناير 2020  .

8- وكالة أنباء جنوب السودان SSNA في 3 فبراير  2017 ووكالةReuters  للإنباء في 4 فبراير 2016 .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. الحل الوحيد لهذه الازمه ان تتفق مصر والدول ألعربيه إغلاق المجال الجوي للطيران المتجه لأثيوبيا مباشره أو غير مباشره
    عندها سنرى كم سيستمر العناد الإثيوبي

  2. اطمئن العسكر المصري لا يستأسد إلا على المواطنين العزل إلا إذا أردت نصرا من صنع الإعلام .

  3. لا اعتقد ان لدى مصر حالياالشكيمة والقدرة لشن حملة عسكرية قي الوقت الحالي لكن بامكانهم من السيطرة عى المستوى المطلوب من كمية الماء المخزن في سد النهضة بطريقة سهلة – اذا كان لدى مصر القيادة المناسبة والتي لا تستكين امام اسرائيل الجهة المؤازرة لاثيوبيا .
    وهذه الطريقه تعتمد على القاء الغام بالموضع المناسب لجدران السد بحيث تنفجر عند وصول مستوى الماء في السد الى ما يهدد حياة الشعب المصري .
    ويمكن صنع هذه الالغام في مصر والقائها من الجو وتعمل على ميدأ الضغط من مدى ارتفاع الماء وحسب وزن عامود الماء فوق هذه الالغام – كما انه يمكن تفجيرها اذا تمت محاولة من اسرائيل لسحب هذه الالغام من مكانها – تماما مثل الالغام التي تزرعها اسرائيل في كل انحاءالمنطقة العربية خاصة في فلسطين المحتلة والتي تسببت قي فقدان ارجل كثير من الاطفال هناك .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here