السفير الأمريكي ومطرقته.. سلوان … أي مسمار في نعش القدس قد تم دقه؟

نادية عصام حرحش

هل كنا بحاجة لرؤية السفير الامريكي لدى اسرائيل بينما كان يضرب الحائط المؤدي للبلدة القديمة من نفق سلوان؟

هل الحدث الذي تم افتتاحه جديدا وغريبا عما يجري يوميا وعلى مدار السنوات بالقدس ،تحت أعين السلطة الفلسطينية بكافة أذرعها في المدينة؟

بينما نبكي بين اللطم والشجب فعلة الامريكي الصهيوني بمشاركة كيان الاحتلال بافتتاح المكان التاريخي بالمدينة، هناك عقود من الزمن شهدنا فيها امثلة مشابهة وبتمثيل اعلى من تمثيل سفير. يبادر ذهني زيارة الرئيس الامريكي في حينه ـ كلينتون ـ  لافتتاح انفاق البلدة القديمة التي دكت معاويلها ومنذ عقود على مرأى اعيننا متاخمة للمسجد الاقصى وتحت بيوت البشر في البلدة القديمة، لتصبح ما هي عليه اليوم من معلم اساسي لهوية القدس القديمة بتهويد محكم الابعاد. فالانفاق بالبلدة القديمة شهدت تغيرات وتطورات لمدينة متعددة الطبقات من الازمنة، لتصير اليوم طبقة “التهويد” فيها هي المهيمنة. فالمصلى الضخم بما تجسده الاعراف اليهودية بالعبادة يبدو للعين انه كان هناك منذ الاف السنين، بينما بالاصل وضع قبل سنوات لا تتعدى البضع.وانفاق سلوان التي تم دك احجارها لتربط بالبلدة القديمة اليوم، ليست الا تكملة لمشروع بدأ بالتوازي مع عقود الزمن الذي بدأت فيه اسرائيل تهويدها للمدينة من كل الاتجاهت وعلى كل الطبقات. وبينما نلطم اليوم على افتتاح نفق، هناك ما هو ابغض قادم، وهو التيليفريك الذي سيعبر فوق سلوان مرورا الى الطور، في رحلات “توراتية” تعرف السائح من السماء عن “تلمودية” المكان، بلا حاجة للعبور جسديا مع “السكان المحليين” وملاحظتهم حتى. تراهم من فوق، كأجسام تضيف ايقاعا دراميا للمشهد “التاريخي التوراتي” .

الحقيقة، وبكل اسف، ان ما اقدم عليه السفير الامريكي من افتتاح لا اهمية له ، فالنفق قد تم تجهيزه منذ مدة، والعمل عليه لم يتوقف منذ سنوات كثيرة. السؤال الاهم هو ، اين كانت السلطة والمسؤولين بينما كانت اسرائيل تخترق ارض البلدة القديمة بدء بسلوان؟ لماذا نأتي اليوم ونشجب، بينما كنا نعرف ونرى ونشهد ما يحصل منذ سنوات؟

اليوم ، قضية التليفريك، اهم ، لأنها لا تزال في قيد الانشاء.

كما قضية بركة البطريرك التي ستثير عاصفة من الاحتجاجات عندما يأتي السفير نفسه ليفتتحها بعد سنوات قليلة.

اذا ما نظرنا حولنا، هناك امثلة كثيرة تتردد في القدس كما تتردد في خارجها ، نراها بأم اعيننا ، ولا نكاد نرف بجفوننا حتى نستوعب ان عملية تهويد وتزييف وسرقة حصلت امامنا، ولا حياة لمن تنادي.

ما يجري بأريحا مثال حي اخر، لم نسمع حتى تعليق من وزارة السياحة بشأن موقع تلول ابو العلايق الاثري الذي تم انجاز ترميمه من قبل وزارة القدس والتراث الاسرائيلية. هل سنسمع تصريح به تنديد من وزارة السياحة الفلسطينية ، ووزارة الخارجية، والمحافظ عندما يأتي السفير الامريكي ليفتتح الموقع قريبا؟

نحن هكذا، نقفز فزعا للحظات، ثم نأمن أنفسنا ، كأن الامور كلها تحت سيطرتنا، نفزعهم بصراخنا ومسيراتنا ومظاهراتنا وشجبنا  ـ من وجهة نظرنا فقط ـ وننتصر لأنفسنا . نشبه الفزاعات التي توضع للطيور بالحقول ، ونتناسى ان الفزاعة للطير وليست للقوارض، ونترك الفزاعة وسيلة وحيدة لحماية حقلنا، بينما تطور الطيور اساليبها و يتغير جنسها ، ونحن كما الفلاح المستأمن على ارضه محمي بفزاعة لا يصدق دفاعها غيره.

مع الاسف الشديد، وكما يحصل في كل امر متعلق بتصفية القضية الفلسطينية منذ ادخلنا اوسلو لتكون بوصلة قضيتنا. كل ما يجري يسير على قدم وساق مع السلطة الفلسطينية ، بداخل المكاتب المغلقة او على موائد المطاعم. سواء كان السمسار الذي يمرر الصفقات هذه ، رجل اعمال، او اكاديمي، او وزير، او رجل دين. هناك تواطؤ واضح وجلي من قبل السلطة الفلسطينية مع كيان الاحتلال بشأن القضية الفلسطينية ،التي صارت اكبر طموحها تسهيلات اقتصادية وبعض الحركةـ بشكل عام ـ والقدس، وما نشهده، كمن تنسل من بين يديه حجارة مسبحة. تسريب العقارات وضلوع شخصيات اعتبارية ومؤسسات وطنية فيها، من تأجير او بيع او مساومات. أسرلة المناهج التعليمية من خلال دمج المدارس تدريجيا بوزارة المعارف الاسرائيلية وبلدية الاحتلال بأذرعها المختلفة.  شق الطرق وتقسيم الاحياء السكنية وتفريق العائلات وتشديد سبل الحياة على ابناء المدينة ،ليذهبوا طوعا نحو مواطنة اسرائيلية او الهرب من المدينة. انهيار تدريجي لوجه المدينة الثقافي في عملية الهاء يبدو انها انتهت، ليبرز وجه الاحتلال الحقيقي في ما يمكن السماح به من فعاليات بالمدينة.

افتتاح النفق الذي رأيناه، ليس اكثر اهمية بحجمه، من بيان الشجب الفلسطيني، الذي لم يرق ليكون شجبا رئاسيا، بل كان على مستوى وزارة الخارجية، وكأن القدس شأن دبلوماسي خارجي.

قد يكون من البديهي كذلك عدم طرح سؤال اخر: هل هناك دور لوزير القدس ولمحافظ القدس ولوزارة السياحة ولوزارة الاوقاف؟ وبينما يبدو البديهي استفزازي هنا، قد يكون من المحزن التيقن انه لن يكون بمقدرة هؤلاء حتى التعليق او الشجب في هذه المسألة. فلقد رأينا مداهمة الشرطة الاسرائيلية لبيت وزير القدس واعتقاله ـ او التحقيق معه ـ بسبب مشاركته بفعالية بالمدينة. ولن يكون غريبا ان يكون المحافظ ممنوعا من الظهور الرسمي بأمر شرطةـ

بالحقيقة ان هذه الانفاق للمتطلعين ليست الا جزء من شبكة الصرف الرومانية ، فلا اهمية دينية لها ، ولكن لأن اسرائيل دولة قامت وتستمر بالقيام على التزييف واختلاق الاساطير لتصنع منها تاريخا لها ،بنيما يمر الجسر المقام على حارة المغاربة امام ساحة البراق علنا الى سطح الاقصى ، ولا حتى تصريح رسمي واحد يندد او يطالب. تستطيع اسرائيل ان تقدم اي عمل استعماري على انه تراثي ديني، لأنه بالمقابل، لا يوجد سلطة فلسطينية ترد او تهتم او تقاوم… واذا ما ردت او اهتمت او قاومت… فالامور كلها تنتهي الى ركود معدم بعد ايام معدودة او اسابيع في احسن الاحوال.

القدس متروكة، ومنذ سنوات كثيرة، بين فكي الاحتلال والسماسرة ( على مختلف اشكالهم وهيئاتهم) ، على مرأى السلطة. موجودة فقط في الشعارات التعبوية ،كما تصريحات السلطة في شأن العلاقة مع اسرائيل: مقاطعة علنية بالخطاب التعبوي مع التشديد على “قدسية التنسيق الامني” . وتنسيق وصل الى اوجه ـ  في توصيفه بمصطلحات لا اريد استخدامها ـ بعيدا عن الخطابات وعلى كل الاصعدة التي لا يمكن وصفها بأنها سرية. لأن الشعب مغيب عن القرارات الحقيقة.

ما قام به السفير الامريكي ليس الا دق مسمار اخر في نعش مدينة كلنا مشتركون في دفنها، لتبعث ـ من جديد ـ  بصبغة وهوية ليست لها.

بينما ، تقف السلطة هناك في كامل “اناقة” سيادتها، بوزارة قدس، ووزارة سياحة، ووزارة اوقاف ومقدسات، والوية وعقداء ومحافظة، مستمرة بإعطاء الالقاب والمناصب التي تكهل ظهر الشعب المهدد بالجوع، ونسمع بتهديدات ممكنة للرئيس بامكانية سحب اعترافه باسرائيل!!!يدق مسمار اخر في نعش القدس.

كاتبة من القدس

http://nadiaharhash.co

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. السيده ناديه عصام حرحش
    ومازل فريق عباس في راملله يقول أنه في حال تم ضم مناطق c وغور الشريعه ستكون عملية السلام قد دفنت يعني الجماعة مازالوا يعولون على عوده للمفاوضات بإختصار غزه ترزح تحت حصار والقدس تهود على قدم وساق والضفه تعاني من تصحر وطني وضعف بالقياده المجاهده الفدائيه ولايوجد فصائل تقاوم وحتى جمعيات منزمة التحرير التي فقط همها الوحيد (بايعناك – فوضناك – كلنا معاك) لعباس الملحوظ أنه فتح تحولت إلى دكتاتورية الفرد وحتى طريق الحكم بالضفه أيضا فرديه بمعنى عباس هو الأمر الناهي بيده كل الملفات يعاقب كل من يقف ضد رأييه بإختصار شديد نحن نرى فساد وتفرد نادر جدا على العموم أنا لاأعرف إلى أين تسير الضفه والصراع الفلسطيني مع الإحتلال لاكن المرجح أن بعد عباس الضفه ستشهد نزاعات بين تيارات فتح على كرسي راملله الإمبراطوري الرجاء النشر وشكرا

  2. بوركت..لا فض فوك..لا بد من دق ناقوس الخطر..حتى لو ان لا حياه لمن تنادي

  3. ان التارسخ يكتبه المنتصر.ولهذا لن يستمع العالم لنا بجدية ولن ياخذ كلامنا على محمل الصدق الا اذا انتصرنا!اما ان نطالب العالم بتصديقنا ونحن لا حول لنا ولا قوة. فهو أمر صعب الحصول. وكما قال شاعر الاردن عرار: شمس العدالة لم تشرق على بلد + سكانه من مخاريق وخرسان !

  4. تم العثور سنة 1880 م على نقش في سلوان في وسط نفق لإجراء الماء الى البركة :في هذا النقش لا يوجد أي تاريخ ولا يوجد اسم الحاكم الذي أمر بنقشه ،كما لا يوجد فيه أي اسم لإنسان مطلقاً ، لكن المستشرقين والباحثين التوراتيين نسبوه الى نبيهم ( حزقيا) الذي قالوا انه عاش في حوالي 700ق. م . وجاء في سفر اخبار الملوك الثاني الاصحاح 32 ” وحزقيا هذا سد مخرج مياه جيحون الاعلى واجراها تحت الارض الى الجهة الغربية من مدينة داود ” أي جبل صهيون بالقرب من اورشليم . وجبل صهيون ليس في القدس ، فقد ذكر الشاعر الاعشى مخاطباً زعامة نجران : وإن اجلبت صهيون يوماً عليكما فإن رحى الحرب الدكوك رحاكما . بمعنى ان ( صهيون) قريب من نجران . وجاء في التوراة أن اورشليم هي يبوس التي ذكرها الشاعر عبد الله بن سلمة الغامدي بقوله : لمن الديار بتولع فيبوس فبياض ريطة غير ذات أنيس . وهذه المواضع الثلاثة توجد في ديار أزد شنوءة في محافظة مأرب .وجيحون ( الواو والنون للتصغير مثل زيدون ــ جيح ) آل جيح : قرية في بلدية عسيلان في مديرية عسيلان في محافظة شبوة في اليمن . وهكذا فإن ما يتعلق بحزقيا كان في اليمن لكنهم زيفاً وتزويراً فرضوه على سلوان . إذ كيف قرروا انه لحزقيا والنقش يخلو من أي اسم إنسان ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here