السجن العربي الكبير!

 

د. صبحي غندور

لا أعلم لِمَ تراود ذهني صورةٌ أتخيّل فيها العرب كلّهم أشبه بمساجين في معتقل كبير، ومدراء السجن الأجانب ووكالاؤهم الضباط المحلّيون يتركون للسجّانين “حرّية الحركة” في التعامل مع المسجونين في زنزاناتٍ متفاوتة الدرجة والخدمات ..

في هذا السجن الكبير، يتصارع بعض المعتقلين مع أنفسهم على مقدار المساحة المخصّصة لهم في كلّ زنزانة، ويشتبك آخرون مع بعضهم البعض فقط لأنّهم عاجزون عن صبّ غضبهم مباشرةً على ضابط السجن أو حتّى على السجّان الأجير نفسه!

وكما في السجون العادية، كذلك في صورة هذا “السجن العربي” الكبير، يفرز المعتقلون أنفسهم إلى مجموعات يتزعّم كلٌّ منها الأشدّ عنفاً، وتكون معايير الفرز أحياناً إثنية أو دينية أو ثقافية أو اجتماعية، أو ربّما مجرّد مصالح نفعية مشتركة!. لكن أخطر ما في صورة هذا “السجن العربي الكبير” هو دور مدير السجن في تشويه أجساد وقيم المعتقَلين.

هكذا هو حال الأمّة العربية اليوم وما فيها من انشدادٍ كبير إلى صراعاتٍ داخلية قائمة، وإلى مشاريع حروب إقليمية قاتمة، في ظلّ هيمنةٍ أجنبية على مصائر البلاد العربية واستغلالٍ إسرائيلي كبير لهذه الصراعات والحروب.

وضحايا هذه الصراعات العربية ليسوا فقط من البشر والحجر في الأوطان، بل الكثير أيضاً من القيم والمفاهيم والأفكار والشعارات.

فالدين والطائفة والمذهب، كلّها تسمياتٌ أصبحت من الأسلحة الفتّاكة المستخدَمة في هذه الصراعات.

كذلك العروبة والوطنية، فهما الآن أيضاً موضع تفكيكٍ وتفريغ من أيّ معنًى جامع أو توحيدي، في الوقت نفسه الذي يتمّ استخدامهما لصراعاتٍ مع جوار عربي أو إسلامي!.

والحرّية والديمقراطية أصبحتا مطلبين يتناقضان الآن، فالنماذج الديمقراطية المعروضة، أو المفروضة، تقوم على قبولٍ بالاحتلال أو بالوصاية الأجنبية على الأوطان من أجل الحصول على آلياتٍ ديمقراطية في الحكم!. أمّا المقاومة ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي، فقد أصبحت “مذهباً” لدى الرافضين لها، فإذا كنت تتحدّث عن ضرورة مقاومة إسرائيل، فأنت “فارسي” أو “متشيّع” حتى لو كنت من المسحيين العرب أو من سكان قطاع غزة!.

وفي هذا الزمن الرديء ضاع مفهوم “الشهادة”، حيث امتزج “القاتل” و”الإرهابي” مع “المقاوم” و”الثائر”، وتحوّل “الديكتاتور” – المشنوق أو المذبوح أو المستمرّ بالحكم- إلى رمزٍ قيادي للأمّة!!، وأصبحت المحاكم العربية والدولية هي نفسها بحاجة إلى محكمة وعقاب!!

التشويه يحصل أيضاً للصراعات الحقيقية في الماضي والحاضر، وللأهداف المرجوّة في المستقبل، ولمواصفات الأعداء والخصوم والأصدقاء، بحيث لم يعد واضحاً من هو العدوّ ومن هو الصديق، وفي أيِّ قضيةٍ أو معركة، ولصالح من؟!.

إنّ الخروج من هذا السجن العربي الكبير يتطلّب أولاً كسر القيود الدامية للشعوب، وفكّ أسر الإرادة العربية من الهيمنة الخارجية، الإقليمية والدولية، وتحرير العقول العربية من تسلّط الغرائز والموروثات الخاطئة. ورحم الله الشاعر التونسي الكبير أبو القاسم الشابي حينما استبق في قصيدته المشهورة عن: “ولا بدّ للّيل أن ينجلي.. ولا بدّ للقيد أن ينكسر”، قوله: “إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة”… فهنا تكون البداية، أي إرادة الحياة الحرّة الكريمة.

لكن بلا شك، فإنَّ مفتاح هذا “السجن الكبير” تملكه الإدارت الأميركية المتعاقبة في واشنطن على مدى نصف قرن من الزمو. فهي التي أوجدت هذا المناخ المتأزّم عربياً بعد إخراج مصر من دورها العربي الريادي نتيجة معاهدات كمب ديفيد، ثمّ بعد احتلال العراق، وفي ظلّ التهميش المتعمّد على مدار عقود من الزمن لحقوق الشعب الفلسطيني.

وواشنطن هي التي دعت لمفاهيم “الفوضى الخلاقة” و”النماذج الديمقراطية” الجديدة في المنطقة، وهي التي جمعت في أسلوب تحكّمها بالعراق بين انفرادية القرار الأميركي بمصير هذا البلد حينما احتلته، وبين تقسيم شعبه إلى مناطق متصارعة تبحث كلٌّ منها عن نصير إقليمي داعم لها، فكانت النتائج لغير صالح أميركا أو العراق أو العرب!

وواشنطن هي التي عجزت عن وقف الإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فكيف عن إجبار إسرائيل على الانسحاب وعلى بناء الدولة الفلسطينية المستقلة؟!. وواشنطن هي التي تحترم “رأي” إسرائيل، إن لم نقل دورها الفاعل، في تقرير مصائر العراق وسوريا ولبنان، وهي الدول التي لم توقّع بعد اتفاقيات سلام مع الدولة العبرية على جبهة المشرق العربي.

وهل هناك أصلاً من مصلحة إسرائيلية في إعادة إعمار سوريا والعراق، وبأن يكون كلٌّ منهما بلداً واحداً قوياً ديمقراطياً؟ وهل كان لإسرائيل مصلحة في استمرار وجود لبنان كدولة ديمقراطية مستقرّة قائمة على تنوّع طائفي، وكنموذج بديل لحالتها العنصرية الدينية، وهي الحالة اللبنانية التي عملت إسرائيل على تحطيمها أكثر من مرّة منذ منتصف سبعينات القرن الماضي؟!

فمسكينٌ ذاك الذي يصدّق في أميركا والغرب أنَّ إسرائيل ستدعم بناء مجتمعاتٍ ديمقراطية مستقرّة في الشرق الأوسط، حتّى لو قامت جميعها بالتطبيع مع إسرائيل، إذ هل هناك من مصلحة إسرائيلية في إقامة دول منافسة لها تلغي خصوصيتها تجاه أميركا والغرب؟!.

نعم، تزداد الآن لدى معظم العرب حالات القنوط والإحباط ممّا يحدث على الأرض العربية وفي بعض الأوطان من قتلٍ وصراعاتٍ وانقسامات. وهي حالةٌ معاكسة تماماً لما ساد مطلع العام 2011 في المنطقة، حينما نجحت الانتفاضات الشعبية السلمية في تونس ومصر بإحداث تغييراتٍ سياسية هامة، وبتأكيد حيوية الشارع الشعبي وطلائعه الشبابية، ومن دون الاعتماد على أسلوب العنف في عملية التغيير. لكن ما حدث بعد ذلك في البلدان العربية الأخرى هو بلا شك السبب الأهم لما نشهده من قنوطٍ عربي ومخاوف متزايدة من احتمالات الحاضر والمستقبل.

وقد كثر الحديث في السنوات الماضية عن مسؤولية حكومات أو عن مؤامرات خارجية أو عن الأسباب الموضوعية لضعف وتشرذم قوى التغيير، بينما المشكلة هي أصلاً في الإنسان العربي نفسه، إن كان حاكماً أو محكوماً، في موقع المسؤولية أو في موقع المعارضة. فالقيادة السليمة، حتّى لدُولٍ أو جماعات تحمل أهدافاً غير صالحة وغير مشروعة، تنجح في تحقيق هذه الأهداف رغم ما قد يعترضها من صعوباتٍ وعقبات. وربّما المثال الحي على ذلك، والمستمرّ أمام العرب لأكثر من مائة عام، هو ما نتج عن وجود “المنظمة الصهيونية العالمية” من تحوّلات خطيرة في المنطقة والعالم، كان العنصر الأساس في إحداثها هو وجود مؤسسة/تنظيم جيد، وقيادات مخلصة لهذه المؤسسة وأهدافها.

وقد نجد في الحالة العربية قياداتٍ شريفة ومخلصة لأوطان أو جماعات، لكن المشكلة تكون في طبيعة المؤسسات التي تقودها، أو يحصل العكس أحياناً حيث سوء القيادات، أو انحراف بعضٍ منها، يؤدّي إلى ضعف وانحراف الدول أو المؤسسات وإلى تفكّكها. فمصر عبد الناصر كانت مثالاً على النموذج الأول من القيادة الشريفة الساعية لأهداف نبيلة وعظيمة لكن مع تعثر في بناء المؤسسات السليمة، ومصر السادات- مبارك كانت مثالاً للنموذج الآخر عن سؤ القيادة والهدف والأسلوب معاً. كذلك كانت هذه النماذج المتباينة في مسيرة “منظمة التحرير الفلسطينية” وحركات وطنية عربية عديدة في مشرق الأمّة ومغربها.

هذا عن مسؤولية الإنسان العربي، أينما كان، فماذا عن مسؤولية الإنسان العربي الذي يستنجد بالخارج لحلِّ مشكلاتٍ عربية داخلية؟ فما نشهده حتّى الآن في بعض البلدان هو انتقالٌ من حال الاستبداد والفساد إلى حال التبعية والحروب الأهلية؟! كلاهما زمن انحطاطٍ وتخلّف واستنساخ لماضٍ قريبٍ وبعيد عاشته البلاد العربية منذ انتهاء حقبة “الخلفاء الراشدين”، فبعدها غاب الرشد عن الحاكم والمحكوم، إلا في فتراتٍ عابرة لم تصمد طويلاً أمام جشع جماعات الفساد في الداخل وقوى التآمر من الخارج. ومنذ ذلك “الزمن الراشدي” لا تتغيّر أنظمة الحاكمين على أساس عائلي إلا بفعل القوّة العسكرية المسنودة أحياناً بدعمٍ خارجي!. ولا فرق هنا بين عربيٍّ وأعجمي، فهكذا أيضاً وصل الجيش الانكشاري العثماني إلى سلطة “الخلافة”، وحكَم العرب لأربعة قرون انتهت بثورة الشريف حسين “العربية” المدعومة من الغرب!. وهاهو “الغرب الأميركي والأوروبي” وروسيا والصين وتركيا وإيران يتنافسون الآن جميعاً على أرجاء الأمّة العربية التي ما زال يتحكم في وسطها وشؤون بعض بلدانها، قلبٌ إسرائيليٌّ مصطنَع!.

نعم تعدّدت الأسباب، لكن النتيجة واحدة. نعم أنظمة الاستبداد والفساد مسؤولة عن تردّي أحوال الأوطان العربية وعن تبرير التدخّل الأجنبي بمصائرها، لكن هل سيغير ذلك الآن من النتائج؟! أليس الاستنجاد بالأجنبي لتغيير حكوماتٍ وأنظمة هو أيضاً تكرارٌ لما حدث قبل قرنٍ من الزمن أيام “الثوة العربية الكبرى”؟!.

صحيحٌ أنّ الانتفاضات الشعبية العربية المتواصلة لعقد من الزمن قد حطّمت حاجز الخوف لدى شعوب المنطقة، لكن ما يجرى أيضاً في عدّة بلدان عربية هو محاولات كسر وتحطيم مقوّمات الوحدة الوطنية وتسهيل سقوط الكيانات، كما سقطت أنظمة وحكومات، إذ غاب التمييز السليم (عن قصدٍ أو عن غير قصد) بين مشروعية تغيير الأنظمة وبين محرّمات تفكيك الأوطان ووحدة شعوبها. وهذه المخاطر موجودةٌ في كلّ المجتمعات العربية، سواءٌ أكانت منتفضةً الآن أمْ مستقرّةً إلى حين!.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن.

Twitter: @AlhewarCenter

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

8 تعليقات

  1. تسلم اوضحت المشكلة وحلها، ولدينا في الوطن العربي أصحاب دور فعال ندعوهم إلى الحضور الفعال هم أهل الفكر والرأي ، هم في هذا الزمن بمثابة الراعي المسئول عن رعيته لعل بعض الحكام يسعى ما ستطاع إلى صون كيان الوطن الذي يحكمه حتى لاينهار كما حصل في العراق وليبيا وهو بحاجة إلى حضور أهل الفكرة والرأي عونا وسندا حتى ولو لم يرق لهم ذلك الحاكم فالخروج إلى بر الأمان أولا ثم الإصلاح والتصحيح بكل الوسائل الواعية البنائة بما في ذلك تغيير الحاكم بدون خسائر.

  2. تسلم اوضحت المشكلة وحلها، ولدينا في الوطن العربي أصحاب دور فعال ندعوهم إلى الحضور الفوال هم أهل الفكرة والرأي ، هم في هذا الزمن بمثابة الراعي المسئول عن رعيته لعب بعض الحكام يسعى ما ستطاع إلى صون كيان الوطن الذي يحكمه حتى لاينهار كما حصل في العراق وليبيا وهو بحاجة إلى حضور أهل الفكرة والرأي عونا وسندا حتى ولو لم يرق لهم ذلك الحاكم فالخروج إلى بر الأمان أولا ثم الإصلاح والتصحيح بكل الوسائل الواعية البنائة .

  3. مقالة ام معلقة حقوق وخارطة طريق الى مستقبل الأمل المنشود.
    اقرأ للكاتب دوما لعمق مقالاته الواقعي وتفهمه التحليلي للمنطقة العربية وثقافة تفكير الغرب.
    ولكن هذة المقالة فصل الخطاب في شرح تحليلي وتفهم عميق للوضع العربي
    وكذلك كيف الخروج من شرنقة الذل والانحطاط الى النهضة والخلاص للأمة.
    شكرا للكاتب الفاضل المطلع المثقف وعلى حرصه على اوطان العروبة ومحبته لأمته.

  4. ماساة العروبة وشعوبها ليست ففط ببنائها على الرمال بل في خيارات خاطئة جكاما وشعوبا والاخيرة الاهم………فاذا اخطا الحكام وغالبا عن جهل وقلت دراية – بعكس حكام الغرب – افلا ينبغي على الشع/و/ب ان تصحح وهنا المشكلة الاكبر : التصحيح غريزي انفعالي عاطفي – وايضا بسبب الجهل المتعمد – بدلا من كونه بحثي – افضل نقدي لكن ربما فهمت مالي – فمثلا عبد الناصر الكاريزمي الذي الهب الجماهير بحق……..هل كانت له استحقاقية تحرير قناة السويس ام روسيا وامريكا معا ولكل شيء توابعه ؟……..هناك جهات-سياسية ودينية – لا يهمها ان تعرف الشعوب لتحاسب بمبدا لا تسال عما يضر……نعم الضرر الاني سيصبح دمارا……….مستقبلا……….ان

  5. لماذا تراودك هذه الافكار، انها حقيقة يا عزيزي الفاضل
    فالعربي وحسب ثقافة العرب هو من الرعايا يتسلط عليه كل من يغتصب السلطة كما حدث طوال عصور الخلافة الاسلامية. اليست هذه هي الحقيقة؟

  6. وددت يكون نصيبي كالطير
    ولكن سبحانك
    حتى الطير لها أفنان
    وتعود لها ،
    وأنا لا زلت أطير
    فوطني الممتد من البحر البحر
    سجون متلاصقة
    سجان يمسك سجان

    له درك يا مظفر…

    انا متفائل جدا رغم هول ما نحن فيه، فالمشروع الصهيوني في حالة انحسار مهما كبرت تحالفاته، وحتى لو العالم كله تحالف معه فانه يبقى في داخله مرعوب وغير مؤهل للاستمرار.
    وعندما تخف قبضة التضليل والفتن المصاحبة لانشاء هذا الكيان سوف تتحرر عقولنا أولا قبل تحرير أوطاننا وسنرى الامور على حقيقتها.
    وأنا مقتنع انه مهما تلاطمت بنا الامواج فستبقى مرجعيتنا الكبرى هي الله ورسوله، وبالتالي من عنده “محمد” الذي سيجمعنا ويستوعبنا جميعا فلن نضل أبدا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here