السبسي.. ثمانيني قد يحدث مفارقة في بلد ثورة الشباب

 tunis-candiat77

بون ـ دوتشيه فيلله:

الانتخابات الرئاسية التي شهدتها تونس الأحد تتسم باستقطاب شديد بين المرشحين السبسي والمرزوقي، لكن من يوصفون بـ”اللاعبين الصغار” قد يخلطون أوراق”الكبار”، ويبدو السبسي المستفيد الأكبر من مزاج تونس بعد ثلاث سنوات من الثورة.

تبدو تونس على أبواب مفارقة في تاريخها السياسي، شيخ مرشحي الانتخابات الرئاسية، الباجي قايد السبسي (87 عاماً)، تمنحه استطلاعات كثيرة أفضلية التقدم على منافسيه الشباب والكهول، في بلد مهد الربيع العربي الذي أشعلت ثورة شبابها المنطقة بأسرها. وهو ما يتوقف عنده محللون كثيرون، ويعتبرونه “مفارقة” كما يقول الدكتور عبد اللطيف الحناشي، أستاذ الفكر السياسي بجامعة تونس في حوار مع DWعربية.

وتكتسي الانتخابات الرئاسية التي تجري الأحد (23 نوفمبر/ تشرين الثاني) أهمية خاصة، كونها أول انتخابات رئاسية تعددية فعلية في تاريخ البلاد، وذلك بعد إقرار الدستور الجديد. كما تجري الانتخابات في ظل ترقب شديد لمعرفة الساكن الجديد لقصر قرطاج، والذي سيشكل حجر زاوية أساسية في توازنات المشهد السياسي التونسي، بعد أن منحت الانتخابات التشريعية لحزب نداء تونس الليبرالي العلماني تقدماً بنسبة 39 في المائة من مقاعد البرلمان. ويليه حزب النهضة الإسلامي بنسبة 31 في المائة، بينما جاءت نسب باقي الأحزاب المتنافسة مشتتة وضعيفة.

المخضرم السبسي يعيد بورقيبة للواجهة

يقدم المرشح المخضرم الباجي قايد السبسي نفسه كبديل ليبرالي علماني في مواجهة الإسلاميين، الذين يميل قطاع مهم منهم لدعم الرئيس الحالي منصف المرزوقي، الحقوقي الذي ناضل بشراسة ضد دكتاتورية الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. ويعتمد الباجي قايد السبسي الذي أسس حزب نداء تونس قبل عامين فقط كمحاولة لإعادة التوازن للمشهد السياسي بعد الفوز الكاسح الذي حققه حزب النهضة الإسلامي سنة 2011 في أول انتخابات ديمقراطية بعد الثورة التونسية.

وفي رده على سؤال DWعربية حول تفسيره لأساب تصدر شيخ المرشحين الباجي قايد السبسي لاستطلاعات الرأي بنسبة 70 في المائة، يعزو الدكتور الحناشي ذلك لسببين رئيسيين، أولهما تراجع دور الشباب في الانتخابات وارتفاع نسبة المقاطعين لها، نتيجة “إحباط وخيبة أمل من السياسيين بعد ثلاث سنوات من الثورة” التي فجرها الشباب تحت شعار “الكرامة والحرية”. وتواجه تونس معضلة البطالة ويناهز معدلها أكثر من 15 في المائة، وترتفع هذه النسبة إلى 30 في المائة بالنسبة لخريجي الجامعات.

أما العنصر الثاني الذي يفسر ارتفاع حظوظ الباجي قايد السبسي – حسب الخبير التونسي – فهو ارتفاع نسبة الفئات العمرية المتقدمة (الكهول والشيوخ) الذين يشاركون في الانتخابات، وهي فئات عاشت حقبتي نظام زين العابدين بن علي وسلفه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي ما يزال يحظى برصيد تاريخي لدى التونسيين، وينظر له كزعيم محرر للبلاد من الاستعمار وكرائد في مجال الإصلاحات الإجتماعية وتحرر المرأة.

المرشح، منصف المرزوقي الرئيس الحالي

ويقدم الباجي قايد السبسي نفسه كامتداد لبورقيبة بل إنه يظهر في كليبات دعائية للانتخابات كشبيه لـ”الزعيم بورقيبة”. وتولى قايد السبسي مناصب وزارية في حكومات متعاقبة منذ بداية الستينات وصولاً إلى ثمانينات القرن الماضي.

وفي مواجهة خصمه الأول في الانتخابات، الرئيس الحالي منصف المرزوقي، يركز قايد السبسي في حملته الانتخابية على عنصري الأمن و”الحفاظ على النموذج المجتمعي التونسي”، ويتخذهما كمنطلق لمهاجمة المرزوقي باعتباره كان حليفا لإسلاميي النهضة خلال السنوات الثلاث الماضية، وهي فترة تعرضت فيها تونس لحملات من الإسلاميين المتشددين ضد مظاهر الحداثة العريقة في تونس. بالإضافة إلى مخاطر منظمات إرهابية وعمليات إتيالات سياسية غير مسبوقة في تونس، نتيجة “تساهل من حكومة الترويكا (ائتلاف ثلاثي ضم حزب النهضة وحزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل الحريات) مع أنشطة السلفيين الجدهاديين”، كما يقول السبسي.

المرزوقي يعتمد على أصوات أنصار “النهضة”

ويخوض المرزوقي حملة انتخابية قوية في محاولة “لإعادة التوازن للمشهد السياسي” الذي يخشى المرزوقي ومؤيدوه من إسلاميي النهضة وأحزاب أخرى ترفع شعار “الحفاظ على مكاسب الثورة”، بأن يؤدي فوز حزب نداء تونس بالرئاسة وبأغلبية البرلمان إلى “هيمنة بقايا النظام القديم”. ويُنظر إلى حزب نداء تونس، على أنه امتداد لحزب الرئيس المخلوع بن علي الذي تم حله إثر الثورة، لكن عاد بصيغة جديدة في شكل جبهة تتألف من ثلاثة أجنحة: جناح”الدستوريين” (نسبة إلى حزب الدستور التسمية التاريخية لحزب النظام السابق) ويساريين ونقابيين، توحد بينها مناهضتها للإسلاميين.

وقد أثارت نتائج الانتخابات التشريعية مخاوف في أوساط شبابية كان لهم دور في الثورة، ما جعلها تحشد من جديد قواها، لدعم ترشيح المرزوقي، الحقوقي والمناضل الشرس ضد الدكتاورية. لكن الدكتور الحناشي يعتقد أن هذه الحملات ستكون محدودة التأثير في الشارع، لأنها “تركز بالأساس على مواقع التواصل الإجتماعي” دون عمق إجتماعي وخصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية، مثل العاصمة تونس ومدينتي صفاقس وسوسة، والتي بدت فيها حملة السبسي تلقى تجاوباً ملحوظاً.

لكن أنصار المرزوقي يتحدثون عن “جهات” في الدولة العميقة تدعم مرشح حزب نداء تونس الذي يضم شرائح من كبار الموظفين وكفاءات الإدارة التي كان يعتمد عليها الرئيس السابق بن علي في حكمه. ويراهن المرزوقي على ورقة إسلاميي النهضة، فرغم قرار الحزب عدم تقديم مرشح والتزام الحياد إزاء المرشحين، إلا أن أنصاره لا يخفون تأييدهم للمرزوقي.

مرشحون قد يخلطون الأوراق

ووسط الاستقطاب الشديد بين المرشحين قايد السبسي والمرزوقي، يخوض المرشحون الـ25 الآخرون، ضمنهم امرأة وحيدة هي القاضية كلثوم كنو، بدورهم حملات انتخابية لا تقل شراسة، ولا يستبعد مراقبون أن تكون لها تداعيات مباشرة على حظوظ المرشحين الرئيسيين، وستكون دراماتيكية في حال تمكن السبسي من الفوز من الدورة الأولى في الانتخابات.

تونس مهد الربيع العربي

ويبدو المرزوقي أكثر المتضررين من وجود مرشحين آخرين يركزون على قاعدته الانتخابية المفترضة، وضمنهم المرشح اليساري، حمه الهمامي زعيم الجبهة الشعبية (ائتلاف بين أحزاب يسارية راديكالية وقومية عروبية). ويركز الهمامي على رصيده النضالي في عهد النظام السابق، ويحظى بدعم بعض قطاعات نقابية في المركزية النقابية العريقة والنافذة، الاتحاد العام التونسي للشغل.

ويلتقي الهمامي مع قايد السبسي في مناهضته للإسلاميين. وحقق حزبه اختراقاً في الانتخابات التشريعية بفوزه بـ15 مقعد، ولا يستبعد محللون أن يحقق مفاجأة في الانتخابات الرئاسية باحتلاله المركز الثالث.

ويخوض السباق إلى قصر قرطاج، مرشح شاب، هو سليم الرياحي، وهو رجل أعمال ثري ويرأس نادي كرة القدم العريق (النادي الإفريقي)، ويركز على الفئات الشبابية ومناطق الأحياء الفقيرة في كبريات المدن. وكانت نتائج حزبه “الاتحاد الوطني الحر” قد فاجأت المراقبين باحتلاله المركز الثالث في الانتخابات التشريعية.

كما يحتمل أن تتأثر حظوظ المرزوقي، بسبب منافسة زعيم تيار المحبة، الهاشمي الحامدي، الإعلامي الذي عاد لتونس منذ بضعة أسبيع فقط، بعد عقدين من منفاه اللندني. ويركز هذا الأخير حملته الإنتخابية على شعار “العدالة الاجتماعية” وخصوصاً في المناطق الفقيرة التي انطلقت منها الثورة، ومنها مسقط رأسه سيدي بوزيد. ولأن الحامدي هو في الأصل قيادي سابق في حزب النهضة (استقال منذ 20 عاماً)، فربما يستفيد من بعض أصوات إسلاميي النهضة.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. كيفما تكون نتائج الانتخابات ومن سيكون الرابح فيها فهي شأن تونسي يخص الشعب التونسي وحده ، ونتائج هذا الاستحقاق تعبر عن النتيجة النهائية التي آلت اليها آراء الشعب التونسي بعد أربع سنوات من المخاض الصعب وفترة يجب أن تنتهي للدخول الى الحياة المستقرة التي ومن خلالها يمكن حل المشاكل المستعصية كالبطالة والوضع الاقتصادي وتحريك عجلة النمو وهذا كله لايمكن أن يتم الا بعد انتهاء هذا الاستحقاق الدستوري الهام ، والمسألة الملفتة للنظر في هذا كله هي أن التونسيين بدؤوا يفيقون من أوهام الاسلام السياسي والاخواني وفضلوا عجوزآ مخضرمآ في العقد التاسع من عمره على رئيس مؤقت محسوب على الاخوان وهذا ان دل على شيء فهو يدل على ان الوعي قد عاد بقوة الى الأمة التونسية التي لن تؤخذ مرة أخرى الى الاسلاموفوبيا التي فشلت فشلآ ذريعآ كما في مصر في بناء دولة عصرية تعددية كما كانت تنادي سابقآ وانما عندما استطاعت الوصول الى الحكم (كما حصل في مصر) أرادت التفرد وتجاهل الآخر فنبذها الجميع وخسرت .

  2. سؤال للاخوة التونسيين ان كان هناك تونسيون معنا:
    هل تدخل المال في الانتخابات؟
    قد توجد دول معروفة تدفع الف دولار للصوت الواحد علما ان ثمنه في بلداننا العريقة لا يتجاوز الاربعين دولارا.خافت منها حماس و لم تجرؤ الدخول الى انتخابات في الضفة الغربية.
    اما الحملات او ما يقوله المرشح فمجرد شعارات لا يسمع لها احد ولا تؤثر في النتائج.
    يحزنني سقوط المرزوقي ان فشل في الانتخابات بسبب رصانته و نضاله.

  3. إن حدثت المفارقة فعلا ، فستكون بفضل شروط الدول المانحة ، التي تشترط على أن تكون تونس ليبيرالية . ( وإسلاموفوبية).

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here