الرَّهـجُ الكردي والدور الأمريكي في مناطق شمال سورية

د. علي الباشا

لم يختلف توصيف التنظيمات المسلحة ، أيَّاً كانت نيتها ، لطالما تسعى إلى إقامة كيان مستقل على الأرض السورية ، أنّها وُجدت لتخدم أغراض معينة في إطار تسويق نظرية الخداع الأمريكية في الديمقراطية وحقوق الإنسان . هذه النظرية التي أوهمت تنظيم الـ بي يي دي الكردي، ضمن واقع افتراضي ، أنه فاعل مؤثرعلى الأرض ، وساندته بالنصائح العسكرية و السياسية ، وزوّدته بالخطط والإستراتيجيات التي تتناسب وطبيعة التطور المرحلي للأحداث.

لكنّ المصلحة الأمريكية لا يمكنها ، من دون سند شرعي ، تحقيق استمرارية المساندة إلى أجل غير مسمّى ، فقط باستنادها على محاربة الإرهاب الداعشي ، والذي انتهى توظيفه مؤخراً بعد أن لاقى تفاعلاً دولياً في إطار ما سموه التحالف الدولي . ولأنّه كان عنوان هذا التحالف الصريح هو التآمر على سورية و تفتيتها، فقد وقفت ، بشكل حاسم وأكثر فاعلية ، الدول المناهضة للغطرسة الأمريكية وعلى رأسها روسيا وإيران ضد ما يسمّى التوسع في استثمار الصراع السوري ؛ وعليه أوجدت الوسائل اللازمة على الأرض لوقف هذا الاستنزاف الاستراتيجي الطويل ، وكان واضحاً انخراط دول الخليج في إدارة هذا الاستنزاف إلى جانب أمريكا و الدول الغربية.

 من هنا وبما لا يقبل الشك ، بات البحث عن خصم آخر ، لإعادة التجربة على الأرض السورية هو نقطة التحول الكبرى في السياسة الأمريكية التي أعلنت ، بشكل مضطرب ، سحب قواتها من سورية وتراجعت عنه بشكل صريح بُعيد مؤتمر وارسو الذي حضرته دول الخليج، على أساس أنّها وجدت معقولية في الربط بين أمرين هما: إخراج إيران من سورية و حماية الميليشيا الكردية ، ليس هذا فحسب ، بل وجدتها متنفساً لإعادة الضغط على الحكومة السورية.

بالتركيزعلى الاجتماعات بين كل من روسيا وتركيا و إيران، امتداداً من جنيف وأستانة وسوتشي، يَظهر القلق الأمريكي مع تزايد ضغط الحليفة تركيا لتولي إدارة مناطق الشمال السوري ، وهو مؤشر ملفت لتوالي الهزائم الأمريكية و الغربية ، خاصّةً أنها اعتمدت ، بالمجمل، على كيان ضعيف غير قادر على ضبط إيقاع الاختلاف العرقي و الطائفي والايديلوجي في مناطق تواجدها. ولأن واقع توقيت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد مؤخراً إلى إيران ، وإن كانت بمثابة تحول طارئ في التعاطي مع المتغيرات ، ألا أنها جاءت رداً على المخطط الأمريكي المتذبذب الذي قرر في مؤتمر وارسو المنعقد في شباط/2019 فرط عقد التوازنات، ولو بإعلانه الحرب على إيران ، وفرض واقع غير منطقي على المنطقة ، أكثر اضطراباً و توتراً.

***

 بين كل هذه المضاعفات ، وعلى خلفية الإرتباك الأمريكي ، يظهر “حصان طروادة” الكيان الكردي مضعضعاً ، وفضلاً عن أنه استنفذ مداه الزمني وبات عبئاً على الولايات المتحدة ، فإن الإنعكاس الأعظم هو وضعه فعلياً في خانة المساومة ، وذلك بعد تعرضه للخديعة الكبرى من قبل مشغّليه ، وهو ليس بالأمر المستغرب عن الأكراد ، فقد تعرّضوا عبر التاريخ ، وهو من باب قصر النظر، لإخفاقات مماثلة تكشف وظيفتهم التاريخية كمتعاقدين محليين تستأجرهم جهة قوية أثناء الاشتباكات الدولية أو الإقليمية وتضعهم في قلب ساحات النزاع ، بهدف إضعاف أو زعزة استقرار منطقة ما أو استهداف جماعة ما  ، وهي مماثلة لحالات مكشوفة تماماً ، على نفس الخط الذي يسيرون عليه تاريخياً ، وتبدى ذلك في مسؤوليتهم عن إبادة نصف مليون سرياني  بين عامي 1831- 1846  وبتغاضي الباب العالي العثماني ، وتوحشهم في مجزرة عامودا السورية عام 1937م  كأداة من أدوات الإحتلال الفرنسي، واليوم يأتي الأكراد في نفس الصيغة ، أداة أمريكية في احتلال مناطق شمال وشرق سوريا واضطهاد أهلها وتصفيتهم ، هذا السياق لن يستمر دون نهاية ، باعتبار أن مقاومة الاحتلال وأدواته واجب مقدّس.

يمكن القول ، أنّ استغلال هذه الفئة من قبل أمريكا ، في ظل الحاجة لتحقيق أهداف في المكان و الزمان المناسبين وفي إطار الاستثمار المدروس ، يجعل الرّهج ” الغبار” الذي يثيره الأكراد في مناطق شمال سورية أكثر ارتداداً عليهم.

دمتم بخير ،،

كاتب وأكاديمي سوري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. لا يسعني الا شكرك على هذه الاضاءة الجميلة على حقبة عصيبة من تاريخ سورية وعلي الادوار العالمية المتكالبة عليها بمسميات شتا فقط الحقيقة غائبة لك جزيل الشكر دكتور علي واتمنا لك مزيد من التقدم والنجاح

  2. سلمت يداك يادكتور علي الباش اتضحت الصورة تماما وتحليل صحيح ومعقول

  3. الاخوه الاکراد بینهم کثیرین متعلمین و مثقفین و ایضا یعترفون ارتکاب مجازر بحق السریان اشوریین لکن للاسف هولاه اکثریتهم اما هاجرو او ماتو و الاداره کردیه الحالیه عباره عن عصابه عایشین علی اوهام ما یسمی کردستان ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here