“الرُحل”.. مغاربة البيداء يخوضون “صراع البقاء”

15305

المغرب/ سناء التاغي/ الأناضول

ورث محمد ذو الستين عاما حياة الترحال عن أجداده، المنحدرين من قبيلة بني كيل، بضواحي مدينة بوعرفة (أقصى شرقي المغرب)، حيث اعتادوا التنقل بين العديد من المناطق، بحثا عن أحسن المراعي لأغنامهم، يساعده في ذلك أسرته الصغيرة المكونة من 12 فردا.
وبعفوية يقول محمد لوكالة الأناضول، “لقد ألفنا حياة الرُحل (البدو)، لكن للألفة حكاية، فأمي رحمها الله، التي أنجبتنا جميعنا في الخيمة، كانت تساعد والدي في رعي الغنم، وما زلت أنا إلى الآن أمارس نفس العمل، الذي تدربت عليه منذ طفولتي، وأخذه عني أبنائي، وأحفادي”.
يعيش محمد داخل خيمة كبيرة، صنعت من الصوف، بها أثاث بسيط وفراش بال، وبجانبها قطيع متنوع من الماشية (الحيوانات)، داخل سياج من أسلاك حديدية.
بساطة العيش تستهوي كل زائر أجنبي، لكنها تخفي معاناة أسرة، مع قساوة الطبيعة، ويقول حسن، الابن البكر لمحمد “حياتنا مرتبطة بتساقط الأمطار، لأن غيابها يدفعنا لشراء العلف للماشية، وهذا مكلف ماديا، كما أننا نتنقل حوالي7 كيلومترات مشيا على الأقدام، من أجل جلب الماء الصالح للشرب”.
ويقتسم أفراد أسرة محمد التكاليف بينهم، فالرجال يرعون الأغنام، ويساعدهم الأطفال في ذلك، والنساء يجمعن الحطب، ويسهرن على إعداد الأكل بطريقة تقليدية.
وتقول فاطمة، زوجة حسن، وهي تهدهد طفلها، في “مهد”، مصنوع من الحديد “أمضي يومي بين الأشغال المنزلية، وحلب الأغنام، وأساعد حماتي (والدة الزوج)، أحيانا في جمع الحطب، وجلب الماء، ونعاني من بعد المستشفى، والمدرسة، فأبنائي سيحرمون من الدراسة، بعدما حرمت أنا، ووالدهم منها، لأنني كبرت في أسرة الرحل”.
ولا توجد إحصائيات رسمية عن العدد الإجمالي للرُحل بالمغرب، غير أن هناك من يقدر أن نسبتهم تمثل حوالي 2% من مجوع السكان (32.6 مليون نسمة في عام 2013)، في وقت كان الرُحل قبل سنة 1912(تاريخ دخول الاستعمار الفرنسي إلى المغرب) يمثلون حوالي 80%، وكان لهم دور تاريخي، في مقاومة الاحتلال الفرنسي.
ويختلف نمط عيش الرُحل حسب المناطق، فهناك رُحل يقطعون مسافات بعيدة من أجل البحث عن المراعي الجيدة، وإن تطلب الأمر قطع آلاف الكيلومترات، وينتشرون بالصحراء، والجنوب الشرقي للمغرب، بينما هناك رُحل يتنقلون فقط بين قمم الجبال، وسفوحها (أسفل الجبال)، في نفس المنطقة، ويتمركزون في جبال الأطلس، وسط المغرب.
وفي فصل الصيف يصعدون إلى قمة الجبال، بحثا عن الكلأ (حشائش تنبت فى الصحراء على مياه الأمطار)، وبرودة الطقس، وفي فصل الشتاء، يلجؤون إلى السفح، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه “رحلة الشتاء والصيف”.
الخوف من اندثار هذه الشريحة من الناس كان وراء تأسيس جمعية تحمل اسم “رُحل العالم”، سنة 2004، ودأبت على تنظيم مهرجان دولي سنوي بمنطقة محاميد الغزلان، شرقي المغرب، والتي تضم عددا كبيرا من الرُحل.
وفي هذا الصدد، قال نور الدين بوكراب، مدير المهرجان، لوكالة الأناضول إن “فئة الرُحل أصبحت تفكر في الاستقرار، بسبب قساوة العيش، المتمثل أساسا في ضعف الخدمات الصحية، وغياب المدارس، غير أننا نسعى إلى الحفاظ، على هذا الموروث الثقافي، لما يتميز به من غنى، وتنوع، وتجربة إنسانية، فريدة، تربط بين الإنسان، ومحيطه البيئي”.
وأضاف بوكراب أن جمعيته “تسعى للتواصل مع عشاق هذا الموروث، من خلال المهرجان الدولي الذي يستقطب عدد من الدول من مختلف أنحاء العالم، وينظم هذا العام أيام 14و15و16 من شهر مارس (آذار) المقبل.
وإذا كانت “رُحل العالم”، تعتبر أن الترحال “إرث ثقافي، تقليدي، وشعبي، ويشكل ثروة، يتعين حمايتها من الاندثار، ونقلها إلى الأجيال القادمة”، فإن مصطفى أحد الرحل، قد سئم حياة الترحال، التي كانت سببا في حرمانه من الدراسة، بسبب عدم استقرار أسرته، ويسعى إلى تغيير نمط حياته، والاستقرار في المدينة، حتى يتمكن أطفاله، من متابعة دراستهم.
يقول مصطفى (البالغ من العمر 24 عاما)، “أتمنى ألا يكرر أبنائي نفس تجربتي، وأرغب في أن يتعلموا القراءة، والكتابة، ويعيشوا حياة متقدمة، كباقي أقرانهم”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here